الأربعاء، 25 تشرين2/نوفمبر 2020

كورونا والصيام.. تفاصيل هامة

أيام ويأتي شهر رمضان الفضيل، ذلك الشهر الذي ينتظره المسلمون على شوق أحر من الجمر كل عام، ليتطهر المسلم من ذنبه، ويكثر من طاعة الله وعبادته، فهو الشهر الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم: “من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه” وفيه ليلة خير من ألف شهر، وشهر رمضان هو شهر اجتماع للعبادة، وما يتشوق له المسلمون فيه هو صلاة التراويح والتهجد، وقيام ليالي الوتر التي يرجو فيها المسلمون أن تكون ليلة منهم هي ليلة القدر، فيصيبه فيض من رحمة الله تعالى لا يشقى بعده أبدا، فهي ليلة خير من ألف شهر كما قال القرآن الكريم.

وجاء فيروس (كورونا) وقد حرم المسلمين من صلاة الجمعة، وصلاة الجماعة، نظرا إلى أن الفيروس ينتقل بالاجتماع الكبير، أو اقتراب الناس من بعضها بعضا، مما جعل كثيرين من العلماء يفتون بإغلاق المساجد، وعدم صلاة الجمعة والجماعة فيه، منعا للضرر، وتجنبا للإصابة بالمرض الذي فتك بالكثير من بني الإنسان، في جل بلاد الدنيا.

والسؤال المتبادر هنا: هل ستنطبق نفس فتوى العلماء على الصيام كما طبقت على صلاة الجمعة والجماعة؟ في بادئ الأمر ترددت دار الإفتاء المصرية في الإجابة، ثم توقف الأزهر الشريف، وترك ذلك للطب ليقول كلمته في الأمر. وهو موقف عاقل وراشد جدا من مؤسسة الأزهر، لأن الأمر موكول بالفعل لكلمة الطب أولا، ثم تأتي بعده كلمة الفقيه، بناء على المعلومات التي يوفرها الطب للفقه.

ومما نشرته كل المواقع الطبية المعتمدة، وغيرها، أن مرض كورونا لا علاقة له بجفاف الحلق، أو رطوبته، وأن جفاف الحلق ليس سببا لانتشار الفيروس، وهذا ما يعني أنه لم يثبت طبيا حتى الآن أن الصوم سبب لنشر المرض، أو لتهيئة الأجواء في البدن لدخوله أو الإصابة به، والقاعدة الفقهية تقول: اليقين لا يزول بالشك.

كما أن الصوم عبادة فردية وليست عبادة جماعية، يعني أنه يؤدى فرديا، فكل شخص يصوم وحده، ولا يوجد حكم عام في الصوم، فليس مطلوبا أن نتسحر جماعيا كي يقبل الله صومنا، وليس من شروط صحة الصوم أن نفطر جماعيا، بل كل شخص يتسحر ويفطر وحده، ويصوم وحده، حسب شروط تختص بالمسلم من حيث إنه فرد.

فالصوم واجب على كل مسلم، بالغ، عاقل، مقيم، صحيح. أي أنه يجب على كل من تتوافر فيه هذه الشروط، أن يكون مسلما، فليس واجبا على غير المسلم، والبلوغ فليس واجبا على غير البالغ، والإقامة، فليس واجبا على المسافر، فله رخصة الفطر، والصحة، فليس واجبا على المريض، فكل هذه شروط فردية، وهو ما يعني أن مسألة الصوم من عدمه مرتبطة بظروف كل شخص وحده.

وذلك على خلاف صلاة الجماعة والجمعة، فالصلاة فرض عين على كل مسلم، لكن أداء الصلاة يحتاج لأداء جماعي، من حيث الأفضلية، ومن حيث اختلاف الفقهاء في حكمها بين السنية المؤكدة والوجوب، وكذلك صلاة الجمعة، ولذا اهتم الفقهاء بالبحث عن صلة فيروس كورونا وانتشاره بالتجمعات البشرية، وصدرت الفتاوى بمنعها لأنها سبب رئيس لانتقال المرض.

أما العبادات الفردية التي يؤديها المسلم، فلا يوجد أي سبب واضح حتى الآن، ولا معلومة صحيحة تخبرنا بأن الصوم قد يسبب الإصابة بالمرض، وإن حدث وشعر إنسان بأن جفاف حلقه يسبب له مشكلة صحية، فعندئذ يفطر الإنسان لعلة المشقة والتعب، سواء كان هذا التعب يسبب له مرضا ككورونا أو غيره، فهنا ستكون حالته حالة المريض الذي يرخص له الشرع في الفطر، سواء كان بكورونا أم بغيره، وهو ما قاله تعالى في كتابه العزيز: (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) البقرة: 185.

ولذا ستظل فتاوى العلماء على قولهم بمنع العبادات الجماعية كصلاة الجمعة والجماعات في رمضان، ومنها: التراويح والتهجد وكل عبادة جماعية، بل والإفطار الجماعي، لأن هذه العبادات تؤدى فرديا وجماعيا، فكل وسيلة فيها تجمع لعدد من الناس يؤدي للإصابة بالمرض تمنع شرعا، وهو ما لا يتوافر في صوم الإنسان المسلم، وهو أداء فردي منه.