تحقيق: كيف حرم تشتت قواعد البيانات نازحي غزة من المساعدات؟

المجموعة: الاغاثة والتنمية كتب بواسطة: نداء الوطن

ثغرات الاستهداف وعشوائية البيانات: كيف تحولت المساعدات الإنسانية في غزة إلى صراع للوصول والظلم؟

تحقيق استقصائي موسع يكشف كيف أدى غياب المرجعية الموحدة وتعدد قواعد البيانات لدى المؤسسات الإغاثية إلى اختلال عدالة التوزيع وغياب المساءلة وآليات التظلم في قطاع غزة.

مقدمة التحقيق: شريان الحياة المحاصر ومتاهة الاستحقاق

في قطاع غزة المحاصر، لم تعد المساعدات الإنسانية مجرد إغاثة طارئة أو دعم مؤقت لتجاوز صدمة الحرب، بل تحولت إلى المُحدد الوحيد لفرص البقاء على قيد الحياة لغالبية السكان الذين فقدوا مصادر دخلهم وممتلكاتهم. ومع اعتماد أكثر من 90% من المواطنين بصورة كاملة ومباشرة على الطرود الغذائية والمساعدات الإغاثية لتأمين القوت اليومي، أصبحت عملية إعداد قوائم المستفيدين وآليات تحديد أولويات الاستهداف قضية مصيرية تمس الحق في الحياة، وتحيط بها تساؤلات ملحة حول الشفافية، العدالة، وآليات المساءلة المفقودة.

تتزامن هذه الأزمة الميدانية مع أرقام صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني تؤكد وجود نحو مليوني نازح داخل القطاع، يقطن معظمهم في خيام قماشية ومراكز إيواء متهالكة. وعلى الجانب الآخر، ترسم بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) صورة قاتمة بتصنيف أكثر من 1.6 مليون شخص (نحو 77% من السكان الخاضعين للتحليل) ضمن مستويات حادة ومرتفعة جداً من انعدام الأمن الغذائي. وفي بيئة هشّة، تحول أي خلل إداري أو تعارض في البيانات إلى حرمان مباشر لأسر معدمة، مما يُبرز تفاوت فرص الوصول إلى الإغاثة وغياب المرجعيات التنظيمية الموحدة بين الهيئات الإنسانية الميدانية.

أولاً: شهادات حية من الميدان.. أسماء تسقط من السجلات بلا تفسير

تُبرز الشهادات الميدانية حجم الهوة بين آليات التسجيل النظري والواقع القاسي داخل مخيمات ومراكز النزوح، حيث تحكم العشوائية وضبابية المعايير مصير آلاف الأسر المحرومة.

[ معضلة الاستهداف الميداني للمساعدات ]
تعدد قواعد البيانات المنفصلة
الحرمان الكامل (أسر مستحقة تسقط من السجلات)
ازدواجية الدعم (تكرار الاستفادة لبعض الأسر)

قصة رجاء راضي (38 عاماً - أرملة وأم لـ7 أطفال)

نزحت رجاء من حي الشجاعية المدمّر شرق مدينة غزة إلى شريط الخيام غرب المدينة. عقب وفاة زوجها منتصف عام 2025، أصبحت المعيلة الوحيدة لأسرة كبيرة بلا أي مصدر دخل. رغم التزامها بتحديث بياناتها لدى النقاط الميدانية ودفع رسوم تسجيل رمزية مراراً -على حساب قوت أطفالها- انقطع عنها الطرد الغذائي منذ عدة أشهر. عند مراجعتها لنقاط التوزيع، كان الرد الروتيني الوحيد: "بياناتك قيد التحديث وعليك الانتظار".

"كيف تُحرم أرملة تعيل سبعة أطفال، بينما تتلقى أسر مجاورة لا تعاني ذات الظروف طروداً منتظمة؟ ما هي المعايير الدقيقة للاستحقاق؟"

قصة علي الملفوح (48 عاماً - نازح من بيت لاهيا)

يقيم علي في مخيم نزوح غرب غزة، ويشهد دورياً عمليات ورود وتوزيع الطرود الإغاثية. يحصل علي على المساعدات في فترات متباعدة جداً لا تفي بمتطلبات أسرته، بينما تشهد المساحات المجاورة استلام أسر أخرى للمساعدات بشكل شهري. يُجيبه المسؤولون عن التوزيع بأن المعايير تعطي الأولوية لـ "جرحى الحرب والحالات المرضية"، إلا أن علي يرى أسر غير مصابة تستلم بانتظام. يؤكد علي أنه لا يعترض على مساعدة أي محتاج، بل يطالب بآلية علنية توضح سبب الاستبعاد وتتيح تقديم اعتراض رسمي.

قصة سوسن السيد (28 عاماً - مطلقة بلا أطفال)

نزحت سوسن من مخيم النصيرات وسط القطاع لتعيش ضمن عائلة ممتدة تضم 12 فرداً. كانت سوسن تمتلك ملفاً استغاثياً مستقلاً كحالة خاصة تتيح لها تأمين احتياجاتها الشخصية الأساسية. عقب تعطل المنظومة الإلكترونية للتسجيل وإعادة تشغيلها بداية عام 2026، أقدمت على تحديث بياناتها لتتفاجأ بإلغاء اسميّة ملفها المستقل ودمجها إدارياً ضمن ملف والدها. أدى ذلك لتراجع حصتها الفعلية، حيث لا يلبي الطرد الوارد لأسرة مكونة من 12 فرداً أدنى الاحتياجات، مما تسبب في حرمانها الضمني من المساعدة.

ثانياً: تفكيك الأزمة البنيوية.. غياب المرجعية الموحدة وتشتت قواعد البيانات

كشفت المتابعة الاستقصائية لمسارات إعداد القوائم عن أزمة هيكلية تتلخص في وجود قواعد بيانات منفصلة وغير متقاطعة تعمل بها المؤسسات الدولية، والجمعيات المحلية، والجهات الحكومية، مما خلق حالة من الإرباك الميداني.

الجهة الفاعلة نوع قاعدة البيانات التحدي الميداني النتيجة على المواطن
وزارة التنمية الاجتماعية السجل الوطني الموحد (المركزي) عدم التزام بعض المؤسسات الدولية بها عشوائية الاستهداف وتكرار الشكاوى
وكالة الأونروا (UNRWA) سجلات اللاجئين والمسح الميداني توقف المعابر واستنزاف المخزون انقطاع الدعم الشامل عن زهاء مليوني شخص
برنامج الأغذية العالمي (WFP) منصة التسجيل الذاتي الإلكتروني صعوبة الوصول للإنترنت وضغط الشبكات سقوط أسر أمية أو نائية من التحديث
الجمعيات الأهلية والمحلية قوائم ميدانية ومبادرات الخيام غياب التنسيق ونقص التمويل (أقل من 25%) ازدواجية الاستفادة وتهميش الآخرين

ويوضح رأفت المجدلاوي، رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية بغزة، أن جذر الأزمة يكمن في تدمير البنية التحتية التي كانت تنظم ملف الإغاثة قبل أكتوبر 2023. ومع تعطل الهياكل المؤسسية وانقطاع الشبكات، اتجهت كل منظمة دولية ومحلية لإنشاء "جزيرة بيانات خاصة بها".

تسببت هذه الضبابية في ظهور ظاهرتين خطيرتين:

  • ازدواجية الاستفادة: الحصول على معونات من أكثر من جهة لأسر متصلة بالشبكات الرقمية.
  • الإقصاء والتهميش: سقوط أسر أشد فقراً من كافة السجلات لعدم قدرتها على الوصول لنقاط التسجيل الإلكترونية أو لسرعة نزوحها المتكرر بين 1,600 مركز إيواء.

ثالثاً: موقف السجل الحكومي وسلسلة التنفيذ الميداني

أمام اتهامات الشتات الإداري، تؤكد المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية بغزة، عزيزة الكحلوت، أن الوزارة تمكنت رغم انقطاع الاتصالات من صياغة "سجل وطني موحد" لتحديث بيانات النازحين والأسر المعوزة.

"نمتلك قاعدة البيانات الأكثر شمولاً ودقة على مستوى القطاع، ودعونا المؤسسات الدولية والمحلية مراراً لمعادلة بياناتها بالسجل المركزي لضمان العدالة وتجنب الازدواجية. لكن استمرار بعض المنظمات في التوزيع بناءً على قوائمها الخاصة يكرّس العشوائية ويحرم آلاف المستحقين."

— عزيزة الكحلوت، المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية

في المقابل، تؤكد الشركاء التنفيذيون للمنظمات الدولية عدم امتلاكهم صلاحية القرار؛ إذ أوضح محمد مقداد، مدير مؤسسة "إنقاذ المستقبل الشبابي" (الشريكة لبرنامج الأغذية العالمي WFP)، أن مهامهم تنحصر في "التنفيذ اللوجستي" لعمليات التوزيع وفق قوائم مغلقة تُسلم لهم إلكترونياً دون صلاحية تعديل الأسماء.

رابعاً: البعد القانوني والانتهاك المعياري لمبادئ العمل الإنساني

تُشدد الخبيرة في القانون الدولي الإنساني، رندا قدادة، على أن توزيع المساعدات الإنسانية ليس عملاً خيرياً خاضعاً لتقديرات المنظمات، بل هو التزام قانوني وأخلاقي صارم محكوم بمبادئ القانون الدولي الإنساني والمعيار الإنساني الأساسي للجودة والمساءلة (CHS):

1. عدم التمييز والحياد أن يتحدد الاستحقاق بناءً على حجم الاحتياج الفعلي للأسرة، مع تقديم الفئات الأكثر هشاشة.
2. الشفافية المطلقة حق المجتمع المحلي في معرفة معايير الاستبعاد والإدراج علناً وبوسائل ميسرة.
3. حق الاعتراض والمساءلة توفير آليات تظلم مستقلة وفعالة تُمكن المواطن من الطعن في قرار استبهاده.

ختاماً: التوصيات ومسارات الحل الإصلاحي

خارطة الطريق الهيكلية لتصحيح التوزيع:
  1. تأسيس غرفة عمليات معلوماتية موحدة: تقاطع بيانات الأونروا والتنمية الاجتماعية والمنظمات الدولية.
  2. اعتماد اللجان الميدانية المتغيرة: تحديث بيانات 1,600 مركز إيواء دورياً لمواكبة حركة النزوح.
  3. تفعيل نظام تظلم موحد ومستقل: إيجاد نقاط مجتمعية ميسرة لتقديم الشكاوى بدون تعقيدات رقمية.
  4. الشفافية الشاملة: نشر شروط وأولويات الاستهداف علناً داخل المخيمات.

ويبقى السؤال قائماً: حين تغيب المعايير وتتشتت البيانات.. من يمتلك حق تحديد من يعيش ومن يعاني الجوع في غزة؟

أسئلة شائعة حول أزمة المساعدات وقواعد البيانات في غزة (FAQ)

س: لماذا تتفاوت فرص الحصول على المساعدات بين الأسر النازحة في غزة؟

ج: بسبب تعدد قواعد البيانات لدى المؤسسات الدولية والمحلية، وانقطاع التنسيق المركزي، إضافة إلى مشاكل الاتصالات التي تعيق التحديث الرقمي للبيانات.

س: ما هو دور السجل الوطني الموحد التابع لوزارة التنمية الاجتماعية؟

ج: هو قاعدة البيانات الأكثر شمولاً للأسر المتعففة بغزة، إلا أن عدم اعتماد بعض الجهات الدولية له أدى لوجود ثغرات وازدواجية في الاستهداف.

س: كيف تكفل المعايير الإنسانية الدولية حق التظلم للمستبعدين؟

ج: ينص المعيار الإنساني الأساسي (CHS) على وجوب توفير آليات اعتراض ميسرة ومُعلنة تُمكن المتأثرين من تقديم شكواهم والحصول على رد مسبب دون عوائق.