سر ......... سروري

 
 
 ذات يوم في أواخر الثمانينات ،أيقظنا الإحتلال عبر مكبرات الصوت مردداً يا أهالى جباليا البلد  ممنوع التجول ، كلمات رديئة من داخل عربة محتلة ركيكة ، كطفلة بريئة لم أعرف نوايا وخبايا المحتل المبطنة للحظر والغير محدد بموعدٍ معين، بل حتى اشعار اخر  كالعادة  ، فشعرت بسعادةٍ حقيقية وابتسامة وتهليلات ربما  سمعها  أهالى المخيم المجاور  واقول لا استيقاظ مبكر بعد اليوم للمدرسة ، ذلك هو سر سروري ، تلك هى الطفولة ، وذاك هو التفكير الطفولي البرئ ، وأصدر الحاكم العسكرى قراره العقابى بحق أهالي بلدتي ولم أكن أُدرك أن هذا القرار من اجل ملاحقة الوطنيين واعتقالهم من داخل بيوتهم ، علماً بأن أول مرة مُنِعَ التجول فى جباليا البلد ومحيطها كان من أجل اعتقال مجموعة شبابية وطنية فتحاوية  أصيلة  أحبوا فلسطين وعَشِقَتهم فلسطين ، ولا ننسى في ذاك اليوم أبطال حى الجرن في جباليا والذين أيضا تم اعتقالهم في ذات اليوم ،وتَجَرَعَ المعتقلون ويلات من  العذاب وسنوات من القهر داخل سجون المحتل الاسرائيلي، في ذاك اليوم لم استوعب ان  فرحتى بعدم الذهاب للمدرسة  أيامٍ قليلة تساوى حرمانِ من وجود أبي في حياتي سنوات طويلة ، وتمر الليالي  ،ويثور  جماهير الارض المحتلة ضد المحتل الغاصب، وتصدر قرارات حظر التجوال مراراً وتكراراً، كطفلةٍ صغيرة لم ترهبنى ولم ترعبني  فرمانات العدو ، فقد كنت أخرج من البيت لشراء حاجيات الطفولة من بيت جارتنا وبعد أن خرجت من بيتها سمعت صوت  صفارة ما يسمى جب شمار جفول يلحق به جب الحاكم، لأختبئ بجانب فرن من الطين كان فى زقاق صغير جداً ومن ثم اعود للبيت حين استشعرت ان جب شمار جفول ما زال بعيدا لكن صوت صفارته تدوي وكأنها بجانبك ودخلت البيت ويوبخني جدي رحمه الله ......... يالها من طفولة وفي اليوم التالى افتح النافذة وأري جنودٌ صِغار لا يتعدي سنهم السابعة عشر يرتدون  القبعة  الحمراء يتجولون في الشوارع وكأنهم يخبرونا بأن ما حُلِلَ لهم حُرِمَ علينا ويوم اخر تر ى الجنود الاسرائيليون  يلقون قنابل الغاز داخل الأزقة الحزينة  لمضايقة الاهالى وكنت اطلع على سطح البيت انا وعمتي الصغيرة، والتى تكبرني بسنوات قليلة، احضر واياها محرمتان من القماش، ونسكب عليها كتير من  سائل الكالونيا،و ننتظر  القاء الجنود لقنابل الغاز المسيل للدموع  وننتظر وننتظر .... كمن يعد العدة للمعركة، أو كمن يخبر عدوه بأن الحل نصنعه بأيدينا ...... يا لها من طفولة ننتقل بها من حظر التجوال والغاز المسيل للدموع  الى زيارة ابائنا في السجون والقلب الموجوع ....... و أى سجون أنها معتقلات الكيان الاسرائيلي  !!!!
ولا تخذلني ذاكرتي فقد كنا نضطر للجلوس ساعات طويلة أمام التلفاز خلال ايام منع التجول ،ونشاهد قناة مصر الاولى والثانية والاردن ، واسرائيل بالعربية لمتابعة الاخبار ، وأسرح قليلاً وأفكر لماذا لا توجد قناة تلفزيونية فلسطينية ؟؟؟؟ولما ذا لا أرى عرض عسكري  لجيش فلسطينى يحتفل بالاستقلال  !!!!! الى أن جاءت اتفاقية اوسلو وخرجت القوات الاسرائيلية من المدن والقرى الغزية للتمركز في محيط القطاع  وداخل المستوطنات في غزة ، ولم تَغِب عن ذهني صورة النساء الفلسطينيات حين خرجن الى الشوارع احتفالاً  بالخلاص من الإحتلال ، يرفعن شارات النصر امام الجنود ويقلن لهم مع السلامة  ، ربما هذه اللحظات كانت بمثابة الشعور بالساعات الاولى للإستقلال ، والذى اعلن عنه ياسر عرفات رحمه الله قبل اوسلو بستة سنوات من العاصمة الجزائر ، ومن ثم تاسيس السلطة الوطنية الفلسطنية ،ومن ثم   انسحاب العدو بالكامل من القطاع في ٢٠٠٥ يخلفه  انقلاب دموي فلسطيني في ٢٠٠٧ وتغير السلطةالحاكمة في غزة  وبالتالى تحول الاستقلال الغزي  إلى استقلال المُحَتل عن الارض المحتلة "غزة " وليس استقلال غزة المحررة بل المُدَمَرة عن المحتل ....
بقلم غادة عايش خضر