جنون التحدي والكبرياء

 

يوسف شرقاوي.


أثناء الحرب على مخيمات لبنان "1985_1988" كتب الراحل محمود درويش، في إسبوعية اليوم السابع، مقالا عن الفتية في المخيمات الذين شهدوا تلك المجازر.
كتب، عن إستبسالهم في الدفاع عن الناجين من مجازر شارون عام 1982.
كتب عنهم كيف يتوقون للحياة لا لشيء، بل للدفاع عن شقيقاتهم وأشقائهم الأصغر منهم سنا، وعن أبائهم وأمهاتهم وذويهم.
ومن تلك المشاهد المروعة من أجل حصارهم وإبادتهم، نظم قصيدة لاحقا بعنوان " ونحن نحب الحياة إذا ما إستطعنا إليها سبيلا، ونرقص بين شهيدين نرفع مئذنة للبنفسج بينهما أو نخيلا"
وهؤلاء الفتية للحقيقة أحبوا الحياة، ولم يستطيعوا إليها سبيلا.
كانوا في النهار يحفرون الخنادق على أطراف المخيمات وفي عمقها، ويشقون باطن الأرض لحفر الأنفاق للتزود بإحتياجات المخيم اليومية الأكثر ضرورية، من حليب الأطفال، والخبز، وقوارير الغاز، والوقود الضروري لتغذية مولدات الكهرباء الصغيرة لإستمرار عمل العيادات الطبية، والدواء والشاش المعقم، وخيوط العمليات الجراحية.
وكانوا يتتبعون خطوط المياه الرئيسية المحاذية للمخيم لحفر أنفاق للوصول إليها للتزود بالمياه.
وبموازاة ذلك، تطوعت عدة فتيات لنقل الذخيرة، والقذائف وأجهزة الإتصالات الصغيرة، بلصقها على أجسادهن وإدخالها إلى المخيمات.
وفي الليل ينخرط معظم الفتية والفتيات بنصب كمائن لحراسة مداخل المخيمات، لمنع أي إختراق لخطوطها الدفاعية.
جميع تفاصيل حياة المخيمات اليومية كانت ضربا من الجنون، فلا تستغرب إن جاء رب أسرة حاملا خزانة منزله الخشبية إلى الفرن كي يواصل هذا الفرن إنتاج الخبز للأهالي وللمقاتلين.
ولا تستغرب إن تخلى مدخنا عن خمس سجائر مقابل حفنة من السكر، وكأس من الحليب الناشف لأجل طفل.
كما ذكرت من تلك المشاهد التي تحاكي الجنون نحت درويش عنوان مقالته"جنون الحياة"
أما اليوم، مشهد تشييع شهداء نابلس، وبالأخص مشهد جنون التحدي في عينيّ والدة الشهيد "إبراهيم النابلسي" وإصرارها حمل فلذة كبدها وسلاحه قبل مواراته الثرى، فذلك ضربا ليس من جنون التحدي وحسب بل وللكبرياء أيضا.
جنون التحدي! أي أن هذا الشعب رغم آلة الحرب الغربية التي بين يديّ جيش الإحتلال، لن ينجح هذا الجيش بكي وعينا رغم مواصلته ذلك، وجنون الكبرياء! أنه كلما ضاقت حلقات القتل والتآمر علينا، ومواصلة أحفاد أبو رغال "العرب" التطبيع مع دولة الإحتلال، لن تُكسر أعناقنا المشرئِبة، ولا إرادتنا التى قُدّت من صخور بلادنا!

نداء الوطن