التمرد على الأب بين محمد شكري وجون فانتي | مقال نقدي

المجموعة: مقالات كتب بواسطة: نداء الوطن

نداء الوطن - إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

التمرد على الأب بين محمد شكري وجون فانتي: مقاربة نقدية في تفكيك السلطة الأبوية

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليست الأبوة في الأدب دائمًا ذلك الملجأ الأول الذي يُفترض أن يعود إليه الابن حين تضيق به الحياة، وليست بالضرورة صورة للحماية أو الامتداد أو الحكمة المتوارثة؛ إذ تتحول الأبوة أحيانًا إلى جدار، وسلطة، وذاكرة ثقيلة تلاحق الابن حتى بعد أن يغادر البيت. وفي بعض الكتابات السيرية والروائية، لا يظهر الأب بوصفه أصل الحياة، بل بوصفه أول خصم للذات، وأول سلطة ينبغي على الابن أن يختبر حدودها ويتمرد عليها كي يكتشف نفسه.

في هذا السياق، تبرز تجربة الروائي المغربي محمد شكري (1935_2003) والروائي الأمريكي من أصل إيطالي جون فانتي (1909_1983)؛ ليس لأنهما يقدمان صورة متطابقة للأب، بل لأن كلاً منهما يجعل العلاقة بالأب واحدة من المناطق العميقة التي تتشكل فيها شخصية الابن والكاتب معًا.


أولاً: أشكال المواجهة وتمايز التجربتين

المقارنة بين شكري وفانتي لا ينبغي أن تقوم على تسوية الفوارق بين التجربتين؛ فالأب عند شكري يدخل حياة الابن من باب العنف المباشر والفقر والتخلي والإذلال، بينما يظهر الأب عند فانتي في شبكة أكثر تعقيدًا من الفقر والهجرة الهوية والعار الاجتماعي.

وجه المقارنة تجربة محمد شكري تجربة جون فانتي
طبيعة الأبوة عنف مباشر، فقر، قسوة، وتخلي فقر، هجرة، صراع هوية، وعار الاجتماعي
محرك التمرد فعل نجاة وهروب جسدي ووجودي صراع مع ميراث لا يُرفض ولا يُقبل بسهولة
فعل الكتابة هرب باللغة واستعادة للسيطرة تفكيك للإرث وتحويل النزاع إلى سرد
النتيجة الوجودية كسر السلطة والابتعاد المسافي إعادة إنتاج العلاقة واكتشاف التشابه

 


ثانياً: محمد شكري.. التمرد بوصفه فعل نجاة وخلاصاً باللغة

في تجربة محمد شكري، لا يبدأ التمرد من فكرة فلسفية عن استقلال الفرد، بل من الجسد الذي يتعرض للقسوة؛ فالطفل لا يملك في البداية لغة يواجه بها السلطة الأبوية، بل يملك الخوف والجوع والهرب. وحين تصبح الأسرة مكانًا لا يوفر الحد الأدنى من الأمان، تفقد الأبوة معناها الأخلاقي قبل أن تفقد معناها العاطفي.


ثالثاً: جون فانتي.. الأب بوصفه إرثاً وعقدة هوية

ولد جون فانتي في أسرة إيطالية مهاجرة في الولايات المتحدة، وكان والده عامل بناء. ترك الفقر وشجارات الوالدين والكحول أثرًا عميقًا في تكوينه السردي؛ حيث تحول الأب في عالمه إلى مادة متكررة: مرة كنموذج للغضب والسلطة، ومرة كعلامة على الأصل الإيطالي الذي يحاول الابن التخلص من وصمته، ومرة كميراث لا يستطيع قطع الصلة به.

  1. الازدواجية والتهديد: شكري يريد الخروج من أب يهدده، أما فانتي فيجد نفسه أمام أب يهدده ويغريه في الوقت نفسه؛ فالأب جزء من تكوين الابن، وفي غضبه وتمرده شيء من الأب.
  2. صراع الهوية: يريد الابن عند فانتي أن يصبح أمريكيًا لا إيطاليًا، فردًا لا تابعًا، كاتبًا لا عاملًا. لكن الأب يظل حاضرًا في اللغة والذاكرة والخيال، وكلما حاول الكاتب طرده عاد في صورة شخصية أو عقدة هوية.
  3. الفهم المتأخر: تحول الأب عند فانتي من شخص في البيت إلى شخصية في الكتابة لا يعني المصالحة النهائية، بل يأتي أحيانًا كنتيجة لاكتشاف الابن أن أباه لم يكن مجرد جلاد شخصي، بل إنسان مهزوم داخل ظروف الهجرة والفقر والتمييز الثقافي.

رابعاً: النموذج الذكوري وفلسفة المسافة

ترتبط الأبوة في التجربتين بنموذج ذكوري يقوم على السيطرة، لكنه لا يعمل بالطريقة نفسها:

إضاءة نقدية: من الأخطاء النقدية الشائعة تحويل العنف الأبوي إلى مأساة تخص الأب وحده وكأن الابن مجرد متفرج على انكسار الرجل؛ فالأدب الجاد لا يقبل هذه المعادلة لأن انكسار الأب لا يمنحه حق كسر الطفل.

ختامًا، يضع كلاهما الأب في مركز أزمة الذات، لكن محمد شكري يميل إلى جعل الأبوة سلطة ينبغي كسرها ويكون الخلاص لديه في المسافة، بينما يميل جون فانتي إلى جعلها إرثًا ينبغي تفكيكه ويكون الخلاص لديه في محاولة فهم المسافة نفسها.