تفكيك الأنظمة الشمولية بين هشام مطر وإسماعيل كاداريه
هناك أدبٌ يكتب عن الديكتاتورية بوصفها موضوعاً سياسياً، ثم تنتهي الحكاية. وهناك أدبٌ آخر يفعل شيئاً أكثر قسوة وأعمق أثراً، يجعل القارئ يكتشف أن الديكتاتورية تتسلل ببطء إلى اللغة، والذاكرة، وطريقة الأم في النظر إلى ابنها، وارتباك الأب وهو يتحدث، والصمت الذي يسبق جملة عادية في غرفة مغلقة.
الاقتراب من الوحش: بين الجرح الشخصي والمتاهة الأسطورية
في هذا النوع الثاني من الأدب يمكن أن نضع، من موقعين مختلفين تماماً، تجربة الروائي الليبي البريطاني هشام مطر (ولد 1970)، وتجربة الروائي الألباني إسماعيل كاداريه (1936 - 2024). كلاهما جاء من بلد عاش تحت نظام سلطوي طويل، وكلاهما عرف بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كيف يمكن للسياسة أن تتجاوز حدود الدولة لتصبح جزءاً من المصير الشخصي.
لكن التشابه بينهما لا يعني التطابق، فلكل واحد منهما طريقته الخاصة في الاقتراب من الوحش. يقترب مطر منه عبر الجرح الشخصي، والغياب، والذاكرة، والعائلة، والحب، وتلك المسافة الموجعة بين الإنسان وما يمكن أن تكون عليه حياته لو لم تتدخل السلطة في مصيره. بينما يقترب كاداريه منه عبر الأسطورة والتاريخ والسخرية والرمز والمتاهة.
وهنا تحديداً تكمن قوة المفارقة بينهما؛ ليس لأنهما يقولان الشيء نفسه، وإنما لأن كل واحد منهما يكشف جانباً من الشيء الذي يصعب الإمساك به كاملاً.
كيف يدخل الاستبداد إلى البيت والذاكرة؟
مطر يراقب النظام الشمولي وهو يدخل إلى البيت، ويجلس إلى المائدة، ويأخذ الأب بعيداً، ثم يترك الابن سنوات طويلة وهو يحاول أن يفهم كيف يمكن لإنسان أن يختفي، وكيف يمكن للغياب أن يصبح حضوراً يومياً أكثر كثافة من حضور الأحياء. أما كاداريه فيراقبه وهو يتحول إلى مناخ عام يملأ البلاد حتى يصبح من الصعب التمييز بين الجدار والظل.
إن الديكتاتورية، في الرواية الأدبية الحقيقية، لا تكون شخصية سياسية فحسب. إنها شخصية خفية، قد لا تظهر على الصفحة، لكنها تحرك أشياء كثيرة من خلف الستار، وتجعل الناس يحسبون الكلمات قبل نطقها، وتجعل الصداقة محفوفة بالشك، والحب معرضاً للتأويل، والذاكرة موضع اتهام.
وفي الأنظمة الشمولية لا يكفي أن يخاف الفرد من السلطة، المطلوب أن يتعلم كيف يخاف من نفسه، وذاكرته، والجملة التي كادت تخرج من فمه ثم ابتلعها. وهذا تحديداً ما يجعل الأدب قادراً على تفكيك الاستبداد بطريقة لا تستطيع التقارير السياسية أن تفعلها.
صناعة الخوف واحتلال الأحلام
أعمال مطر تضع القارئ أمام عالم بشري جرى تشويهه من الداخل. النظام لا يظهر دائماً بوصفه آلة ضخمة تتحرك في الشوارع، أحياناً يظهر في سؤال صغير، أو مكالمة هاتفية، أو نظرة أم قلقة، أو أب يعرف أن جملة واحدة قد تكون لها عواقب لا يمكن التنبؤ بها. مطر يعرف أن الاستبداد لا يحتاج دائماً إلى أن يرفع صوته، يكفي أن يجعل الجميع يتصرفون كما لو أن هناك أذناً تستمع، وهذه الأذن هي شبح من أشباح عالمه الروائي.
أما عند كاداريه، فإن هذا الخوف يأخذ أحياناً صورة أكثر اتساعاً وغرابة. في أعماله، لا تعود الدولة تراقب الأفعال فقط، إنها تريد الوصول إلى الأحلام نفسها. والفكرة تبدو للوهلة الأولى سريالية أو مستحيلة، لكنها في الحقيقة شديدة الواقعية من ناحية رمزية: ماذا يبقى للإنسان إذا أصبحت السلطة مهتمة بما يحدث داخل رأسه قبل أن يحدث في الشارع؟
هنا تبلغ الشمولية أقصى طموحها؛ لا تكتفي بالسيطرة على جسد الإنسان، وإنما تريد السيطرة على احتمالاته الداخلية، تريد أن تعرف ما يحلم به، وما يتخيله، وما يخشاه، وما قد يقوله غداً، فهذا يعني أن السلطة لم تعد تراقب المواطن، لقد أصبحت تريد احتلاله.
فقدان الأب ومقاومة المحو لدى هشام مطر
مطر يذكر القارئ بأن التاريخ السياسي يُعاش داخل أجساد أشخاص محددين. لا توجد عبارة أكثر اختزالاً لقوة السلطة من أن يقول المرء: «اختفى أبي».
فقدان الأب في تجربة مطر ليس مجرد حدث سياسي، إنه فراغ يعيد تشكيل حياة كاملة. وأسئلة مطر ليست سياسية فقط، إنها أسئلة وجودية، لذلك تصل إلى القارئ حتى لو لم يكن ليبياً، وحتى لو لم يعش تحت نظام شمولي، لأن فقدان الأب، والخوف، والانتظار، وعدم اليقين، كلها تجارب إنسانية تتجاوز الحدود. والأدب عند مطر يصبح نوعاً من مقاومة المحو؛ فالسطة تستطيع أن تخفي إنساناً، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تمنع ابنه من رواية قصته.
متاهة كاداريه: السخرية وتفكيك قدرية الطاغية
وإذا كان مطر يكتب عن السلطة من داخل الجرح الشخصي، فإن كاداريه يكتب عنها من داخل المتاهة. في عالمه الروائي، يمكن للدولة أن تكون غامضة، وعبثية، وهائلة، ومخيفة في الوقت نفسه. قد لا تعرف بالضبط أين تبدأ السلطة، وأين تنتهي، ومن يقرر، ومن يراقب، ومن ينقل الخبر، ومن اخترع التهمة، وهذه الضبابية ليست نقصاً في الرواية، إنها جزء من طبيعة النظام الذي يصفه. فالأنظمة الشمولية القاسية لا تحتاج إلى أن تكون مفهومة بالكامل لكي تكون فعالة، بل ربما يكون غموضها جزءاً من قوتها.
كاداريه بارع في صناعة هذه المساحات الرمادية، وهو يستخدم السخرية والأسطورة والمفارقة والتاريخ كي يكشف عبث النظام من الداخل. إنه لا يصرخ في وجه السلطة، إنه يبتسم لها أحياناً، وهذه الابتسامة أخطر مما تبدو، لأن السخرية تسحب من الديكتاتور هالته. فالسلطة الشمولية تريد أن تبدو قدراً لا يناقش، والأدب يفعل شيئاً بسيطاً ومدمراً: يجعلها مادة للسخرية، وفجأة يتحول العملاق إلى كاريكاتير.
الصمت كلغة واستبطان الشرطي في الرأس
قد يبدو الفرق بين مطر وكاداريه كبيراً في الأسلوب؛ الأول يميل إلى الحساسية الاعترافية والتفاصيل الحميمة، والثاني يميل إلى البناء الرمزي والمفارقة التاريخية. لكن خلف هذا الاختلاف توجد فكرة مشتركة: السلطة لا تنجح عندما تمنع الإنسان من الكلام فقط، بل عندما تجعله غير قادر على معرفة ما إذا كان يحق له الكلام أصلاً.
في عوالم مطر وكاداريه الأدبية، الصمت ليس فراغاً، إنه لغة. النظام الشمولي يجعل الإنسان يتحدث بطبقتين: طبقة ظاهرة تصل إلى الآخرين، وطبقة داخلية يحتفظ بها لنفسه. ومع الوقت، يبدأ الإنسان بتقمص الرقابة؛ لا يعود بحاجة إلى شرطي عند الباب، يصبح الشرطي داخل الرأس.
إعادة التسمية: عندما تعيد الرواية للواقع لغته
من أخطر ما تفعله الأنظمة الشمولية أنها لا تكتفي بإدارة الواقع، بل تحاول إدارة اللغة التي تصف الواقع، فتسمي القمع استقراراً، والخوف يقظة، والصمت انضباطاً، والاختفاء إجراءً، والطاعة وطنية. وهنا تصبح مهمة الأدب خطيرة للغاية، لأن الروائي يعيد الأشياء إلى أسمائها الحقيقية: فالخوف يعود خوفاً، والغياب يعود غياباً، والسجن يعود سجناً، والإنسان يعود إنساناً.
السياسة تقول: «هناك آلاف المعتقلين»، بينما الرواية تقول: «هذا الرجل كان له ابن، وله رائحة في البيت، وله عادات، وهناك امرأة تنتظره». هنا يتحول الرقم إلى إنسان، وهذه إحدى أعظم وظائف الأدب.
أسئلة شائعة حول مقال تفكيك الأنظمة الشمولية بين مطر وكاداريه (FAQ)
1. ما هو الفارق الأسلوبي الأساسي بين هشام مطر وإسماعيل كاداريه في تناول الاستبداد؟
يقترب هشام مطر من الاستبداد عبر الجرح الشخصي والذاكرة وتفاصيل العائلة وفقدان الأب، بينما يتناوله إسماعيل كاداريه عبر الأسطورة والتاريخ والبناء الرمزي والسخرية والغموض البيروقراطي.
2. كيف تجعل الأنظمة الشمولية الإنسان يمارس الرقابة على نفسه وفقاً للمقال؟
من خلال خلق بيئة من الخوف والغموض وتفتيت حدود الممنوع، مما يدفع الفرد لابتلاع أفكاره وتكوين "طبقة داخلية" صامتة، حتى يتحول الشرطي الرقابي من الشارع إلى داخل ذهن المواطن نفسه.
3. ما دور الذاكرة في الأدب الذي يفكك الشمولية لدى الكاتبين؟
تعتبر الذاكرة سلاحاً لمقاومة المحو؛ فهي تستعيد النسخة الحقيقية للإنسان والتاريخ التي حاولت السلطة دفنها، وتحول الأرقام والإحصاءات السياسية الصماء إلى حكايات إنسانية حية.
4. كيف تؤثر الرواية على لغة الأنظمة الشمولية؟
تعيد الرواية للغة دقتها وأسماءها الحقيقية، فتزيل المصطلحات المضللة للسلطة (مثل تسمية القمع استقراراً)، لتعيد تسمية الخوف خوفاً والغياب غياباً والسجن سجناً.
5. أين يمكن الاطلاع على المزيد من المقالات والدراسات الثقافية عبر نداء الوطن؟
يمكنكم متابعة أحدث المقالات الفكرية والأدبية والتحليلات الثقافية عبر موقع نداء الوطن أولاً بأول.
