الكرم المنحرف والخنوع الجارف.. قراءة في مأزق الحالة الفلسطينية والعربية

bakr-abubakr

بقلم: بكر أبوبكر

مدخل المقال: المشهد الفلسطيني والعربي اليوم لا يمكن اختزاله في عامل واحد؛ فهو حصيلة تداخل أزمة فلسطينية داخلية، وسياسات إسرائيلية متصاعدة، ومواقف إقليمية ودولية تتشابك حتى يصبح الفصل بينها شديد الصعوبة.

من الصعب وصف المشهد العربي والفلسطيني الراهن بما يحمله من تشابك وتعقيد وتداخل في العوامل، إلى درجة يصبح معها الوصول إلى حكم واحد ونهائي على ما يجري أمرًا بالغ الصعوبة.

فالقضية الفلسطينية لم تكن في أي وقت شأنًا فلسطينيًا داخليًا خالصًا، لكنها اليوم أصبحت أكثر ارتباطًا من أي وقت مضى بمسارات إقليمية ودولية واسعة، في الوقت الذي تتداخل فيه العوامل الفلسطينية والإسرائيلية والخارجية بصورة تجعل كل مسار يؤثر مباشرة في الآخر.

ويمكن النظر إلى المشهد من خلال ثلاثة مستويات مترابطة: العامل الوطني الفلسطيني، والعامل الإسرائيلي، والعامل الإقليمي والدولي. غير أن الفصل بينها نظري أكثر منه واقعيًا، لأن ما يحدث في أحدها ينعكس فورًا على البقية.

مأزق فلسطيني يتجاوز الانقسام التقليدي

تعقيدات المشهد الفلسطيني ليست جديدة، لكن الحرب التي انفجرت في أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما أعقبها من دمار واسع في قطاع غزة وخسائر بشرية هائلة، نقلت الأزمة إلى مستوى مختلف تمامًا.

ومن وجهة نظري، لم تعد المسألة تتعلق بخلاف سياسي تقليدي بين الفصائل، بل بأزمة وطنية شاملة تحتاج إلى مراجعة عميقة للمسار والقرارات والنتائج.

والمفارقة أن هذه الكارثة تتزامن مع استمرار الانقسام الفلسطيني والصراع على النفوذ والسلطة، وكأن حجم ما حدث لم يكن كافيًا لإجبار الجميع على إعادة النظر في أدواتهم وخياراتهم.

السؤال الفلسطيني الأصعب:
كيف يمكن الحديث عن مشروع وطني قادر على مواجهة تحديات بحجم التهجير والاستيطان والحرب، فيما تستمر القوى الفلسطينية في إدارة خلافاتها بمنطق الفصيل والسلطة والحسابات الضيقة؟

لا يمكن لأي طرف فلسطيني أن يعفي نفسه من مسؤولية المراجعة. فالفشل أو الخطأ لا يصبح إنجازًا بمجرد أن يُعاد تقديمه في خطاب سياسي حماسي، كما أن كثرة الضحايا لا يمكن أن تتحول بذاتها إلى دليل على النجاح.

وهنا تصبح المراجعة والنقد الذاتي واجبًا على الجميع، وليس على فصيل بعينه، بما في ذلك حركة فتح وغيرها من القوى الفلسطينية.

الاعتراف أول الطريق

المشهد الفلسطيني يحتاج، في الحد الأدنى، إلى الاعتراف بحجم الأزمة والاعتذار للشعب عن الأخطاء، ثم مد اليد والاتفاق على القواسم الوطنية التي لا يمكن لأي مشروع فلسطيني الاستمرار من دونها.

وكان من المفترض أن تؤدي شدة المحنة إلى مزيد من التوافق، لكن الواقع يكشف استمرار التنافس على السلطة والنفوذ، في وقت تتواصل فيه تحديات الاستيطان والضم والتهجير والحرب.

بين من ينكر مسؤولية قراراته، ومن يبحث عن حصة جديدة من النظام السياسي، ومن فقد بوصلته لصالح الحفاظ على السلطة، تصبح القضية الوطنية نفسها هي الخاسر الأكبر.

أين يقف العرب؟

يقابل الأزمة الفلسطينية الداخلية، من وجهة نظري، عجز عربي يصعب تجاهله.

فالمشكلة ليست في أن الدول العربية مطالبة بالذهاب إلى حرب، بل في أن مساحة الأدوات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية المتاحة أكبر بكثير مما يجري استخدامه بالفعل.

ويمكن للدول، إن توفرت الإرادة السياسية، استخدام أدوات متعددة تبدأ بالضغط الدبلوماسي والاقتصادي، وتمر بالمواقف القانونية الدولية، ولا تنتهي عند مراجعة طبيعة العلاقات والتمثيل الدبلوماسي.

المفارقة: لا تكمن المشكلة في غياب الوسائل، بل في الفجوة بين حجم ما يحدث في فلسطين وحجم الأدوات السياسية التي يجري استخدامها للتأثير فيه.

ماذا قال ألون بن مائير؟

اللافت أن هذا النقاش لا يأتي من الجانب الفلسطيني أو العربي وحده.

ففي مقال بعنوان «وهم إسرائيل الكبرى قد يقضي على إسرائيل»، نشر الكاتب والأكاديمي الأمريكي الإسرائيلي ألون بن مائير نسخته العربية في 29 سبتمبر/أيلول 2026، محذرًا من تداعيات استمرار السياسات التوسعية الإسرائيلية على مستقبل إسرائيل نفسها.

ومن منطلق رؤيته لمصلحة إسرائيل، اقترح بن مائير مجموعة إجراءات يرى أن حلفاء إسرائيل والدول العربية التي تقيم علاقات معها يمكن أن يستخدموها للضغط على الحكومة الإسرائيلية.

ويمكن تلخيص هذه المقترحات في ست نقاط رئيسية:

  1. الضغط لوقف التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين، وربط بعض أشكال المساعدة العسكرية بوقف خطوات ضم الأراضي الفلسطينية.
  2. الحد من نقل الأسلحة التي يرى أنها تساهم في ترسيخ الاحتلال، واتخاذ إجراءات تجاه منتجات المستوطنات.
  3. دعم آليات المساءلة الدولية والتحقيقات والقرارات الصادرة عن المؤسسات الدولية.
  4. تحويل الاعتراف السياسي بالدولة الفلسطينية إلى دعم مالي وقانوني وسياسي أكثر فاعلية للمؤسسات والمجتمع المدني الفلسطيني.
  5. تنسيق الضغط الدبلوماسي عبر خطوات مشتركة، من بينها مراجعة مستوى الزيارات والتمثيل الدبلوماسي.
  6. دعوة الدول العربية التي ترتبط بعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل إلى استخدام مستوى هذه العلاقات وسيلة ضغط في مواجهة السياسات التوسعية.

أهمية ما يطرحه بن مائير لا تكمن في أنه يتبنى الرواية الفلسطينية؛ فهو ينطلق أساسًا من رؤيته لما يعتبره مصلحة إسرائيلية بعيدة المدى، وإنما في أنه يوضح أن هناك أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية يمكن استخدامها من دون الذهاب إلى الحرب.

ومن هنا يبرز السؤال: إذا كان كاتب إسرائيلي أمريكي يطرح على حلفاء إسرائيل وعلى الدول العربية أدوات ضغط من هذا النوع، فلماذا يبدو توظيف هذه الأدوات عربيًا محدودًا إلى هذا الحد؟

العالم يتحرك.. والفلسطينيون ما زالوا منقسمين

شهدت السنوات الأخيرة اتساعًا واضحًا في الدعم الدولي لحق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولتهم، كما توسعت دائرة الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين.

وبحسب تقرير للأمم المتحدة صدر في سبتمبر/أيلول 2026، وصل عدد الدول التي تعترف بدولة فلسطين إلى 161 دولة.

كما أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي فيها، وطالبت بوقف الأنشطة الاستيطانية الجديدة.

لكن هذا التحول الدولي، مهما كانت أهميته، لا يستطيع أن يحل محل الفعل الفلسطيني والعربي.

فالمفارقة المؤلمة هي أن مظاهرات وحركات تضامن واسعة ظهرت في عواصم أوروبية وغربية، بينما لا يزال الفلسطينيون غارقين في الانقسام، ولا تزال المواقف العربية في كثير من الأحيان أقل من مستوى التحديات المطروحة.

بين أسئلة السياسة وأسئلة البقاء

هل ستجرى الانتخابات الفلسطينية أم لا؟ وهل سينجح حوار جديد بين الفصائل؟ ومن سيشارك في الحكومة المقبلة؟

هذه أسئلة سياسية مشروعة، لكنها تبدو أحيانًا بعيدة للغاية عن حياة المواطن اليومية.

ففي غزة ينشغل الناس بتأمين الماء والطعام والمأوى والحاجات الأساسية، بينما يواجه سكان الضفة الغربية شبكة متزايدة من الحواجز والقيود والاستيطان وعنف المستوطنين.

وفي مثل هذا الواقع، يصبح النقاش حول السلطة والمناصب أقل أهمية من السؤال الأوسع: كيف نحمي الإنسان الفلسطيني نفسه، ونحافظ على الأرض ونمنع تفكك المشروع الوطني؟

الحاجة إلى فكر فلسطيني جديد

الظروف في الضفة وغزة لم تعد تسمح بتكرار الأدوات القديمة كما هي، سواء في السياسة أو المقاومة أو إدارة العلاقة مع العالم.

التحولات السياسية والتكنولوجية والعسكرية، وحجم الاختلال في موازين القوة، تفرض البحث عن استراتيجية جديدة تستند إلى الإجماع الوطني الفلسطيني، وتستفيد من اتساع التأييد الدولي للحقوق الفلسطينية، وتحول هذا التأييد من بيانات ومؤتمرات إلى أدوات سياسية وقانونية واقتصادية ملموسة.

ليست القضية إذن في إنتاج خطاب أكثر صخبًا، بل في بناء استراتيجية أكثر فاعلية.

الخلاصة اتساع الاعتراف الدولي بفلسطين وتزايد الاعتراض على الاستيطان وسياسات الضم يمثلان فرصة سياسية مهمة، لكن هذه الفرصة لا تتحول تلقائيًا إلى استقلال أو سيادة.

المطلوب فلسطينيًا هو وحدة ومراجعة واستراتيجية جديدة، والمطلوب عربيًا هو الانتقال من بيانات التضامن إلى استخدام الأدوات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية المتاحة.

فحين يصبح «الكرم» مع المعتدي أكثر حضورًا من التضامن مع الضحية، ويصبح الخنوع بديلًا عن استخدام أدوات القوة المشروعة، فإن الأزمة لا تعود أزمة إمكانات، بل أزمة قرار وإرادة.

وفي هذا السياق تواصل نداء الوطن فتح صفحاتها للنقاشات والآراء المختلفة حول مستقبل القضية الفلسطينية، وسبل الخروج من حالة الانقسام والعجز إلى رؤية وطنية أكثر قدرة على التعامل مع التحولات الجارية.

أسئلة وأجوبة

ما الفكرة الرئيسية التي يناقشها المقال؟

يناقش المقال التداخل بين الانقسام الفلسطيني والسياسات الإسرائيلية والموقف العربي والدولي، ويرى أن غياب استراتيجية فلسطينية وعربية متماسكة يحد من القدرة على الاستفادة من التحولات الدولية المؤيدة للحقوق الفلسطينية.

لماذا يدعو الكاتب إلى مراجعة فلسطينية داخلية؟

لأن حجم الخسائر والتحولات التي شهدتها القضية منذ أكتوبر 2023، من وجهة نظر الكاتب، يجعل استمرار الأدوات والخطابات السابقة دون تقييم نقدي أمرًا غير كافٍ.

ما أهمية مقال ألون بن مائير في هذا السياق؟

يستشهد الكاتب به لإظهار أن الدعوات إلى ممارسة ضغط سياسي واقتصادي ودبلوماسي على إسرائيل لا تصدر فقط من الجانب الفلسطيني، بل يطرحها أيضًا كتاب إسرائيليون يرون أن السياسات الحالية تضر بمستقبل إسرائيل نفسها.

كم دولة تعترف بدولة فلسطين؟

وفق تقرير للأمم المتحدة صدر في سبتمبر 2026، وصل عدد الدول التي تعترف بدولة فلسطين إلى 161 دولة.

ما الذي يقترحه المقال للخروج من المأزق؟

يدعو إلى مراجعة فلسطينية داخلية، وتوسيع مساحة التوافق الوطني، وبناء استراتيجية تستفيد من الأدوات السياسية والقانونية والدبلوماسية والاقتصادية المتاحة دوليًا وإقليميًا.