
بقلم: رزكار عقراوي
«الحرية هي دائمًا وحصرًا حرية من يفكر على نحو مختلف».
روزا لوكسمبورغ – الثورة الروسية، 1918
كيف ندير الحزب اليوم يعكس كيف سندير المجتمع غدًا
أنطلق من قناعة بأن الحزب اليساري صورة مصغرة للمجتمع الذي يسعى إلى بنائه، وأن نظامه الداخلي يقدم مؤشرًا مبكرًا إلى طريقة إدارته للدولة إذا تولّى قيادتها. فآليات اتخاذ القرار، وموقع القاعدة الحزبية، وحدود صلاحيات القيادة، واحترام الرأي المختلف، تجيب عمليًا عن سؤال جوهري: هل تكون السلطة بيد الجماهير وتحت رقابتها، أم تتركز في هيئات محدودة مهما حسنت نواياها؟
الحزب الذي تنتخب قاعدته قيادته وتحاسبها، وتتداول فيه المواقع، ويُصان فيه حق الأقلية في التعبير، يقدم نموذجًا لدولة يحاسب فيها الشعب حكامه وتحترم حقوق المعارضة. لذلك ينبغي أن يجسد النظام الداخلي، منذ اليوم، قيم الديمقراطية والمشاركة والشفافية التي نعد بها المجتمع غدًا.
أكتب هذا المقال، المنشور عبر نداء الوطن، في سياق النقاش حول مسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي ضمن وثائق مؤتمره الوطني الثاني عشر. لكن المقترحات التي أطرحها تتصل بالتنظيم اليساري عمومًا، ولا تنحصر في حزب بعينه.
وأقدّر مبادرة إتاحة الوثائق الحزبية للحوار العلني، وأتمنى أن تصبح ممارسة مستقرة لدى أحزاب اليسار. وتقتصر قراءتي على البناء التنظيمي، دون تناول البرامج والسياسات التي تظل مجالًا لاجتهادات يسارية متعددة.
أربعة مرتكزات لتجديد التنظيم اليساري
ما زالت تنظيمات يسارية في العالم العربي وبلدان الجنوب تستند إلى آليات نشأت في ظروف السرية والمطاردة. وقد خدمت تلك الآليات غرضها التاريخي، وقد تبقى بعض عناصرها ضرورية حيث يستمر القمع، لكن أجزاء منها تحتاج إلى مراجعة حتى تواكب التحولات المعرفية والحقوقية والرقمية.
وفي مقابل رأسمالية تجدد أدواتها باستمرار، يصعب أن يبقى اليسار أسير بنى لم تتطور بما يكفي منذ عقود. وأرى أن التجديد ينبغي أن ينطلق من أربعة مرتكزات:
- التجارب الاشتراكية: قراءتها نقديًا، والاستفادة من إنجازاتها والتعلم من إخفاقاتها الفكرية والتنظيمية.
- المعرفة المفتوحة: الاعتراف بأنها لم تعد حكرًا على مجموعة تحتكر تفسير الواقع.
- الوعي الحقوقي: مواكبة تطوره في حرية التعبير والمساواة وحقوق الإنسان والأقليات والبيئة والحريات الشخصية.
- الثورة الرقمية: استيعاب أثرها في التواصل والتنظيم والمشاركة وصنع القرار.
وهذا ما أعنيه باليسار الرقمي: تطوير الفكر وتجديد التنظيم على أساس هذه التحولات، مع مراجعة نقدية للموروث التنظيمي دون قطيعة آلية معه.
القاعدة الحزبية مصدر السلطات
كما ينادي اليسار بأن الشعب مصدر السلطات، ينبغي أن تكون القاعدة الحزبية المصدر الأساسي للسلطة داخل التنظيم. لذلك أقترح منح نسبة محددة من الأعضاء والعضوات، عشرة بالمائة مثلًا، أو ثلث المنظمات المحلية، حق الدعوة إلى مؤتمر استثنائي أو استفتاء داخلي ملزم ضمن قواعد واضحة.
ويتيح النظام الأساسي لحزب اليسار الألماني آليات لاتخاذ القرارات عبر اقتراع الأعضاء، مع مراعاة المسائل التي يحجز القانون القرار فيها للمؤتمر الحزبي. والمغزى هنا هو توسيع قدرة القاعدة على المبادرة، بدل إبقاء أدواتها الأساسية حكرًا على القيادة.
عضوية مرنة وتعدد المنابر وحرية التعبير
أرى أن التنظيم يكسب حين ينتقل من مفهوم الانتماء الصارم إلى صيغ مرنة تستوعب ظروف الناس: عضوية فاعلة أو مؤازرة أو مؤقتة أو جزئية أو إلكترونية. فكل عضو وعضوة إضافة ينبغي الحفاظ عليها، مع تحديد حقوق كل صيغة ومسؤولياتها بوضوح.
وتقدم تجربة الجبهة العريضة في الأوروغواي مثالًا على إمكان جمع قوى متعددة في إطار مشترك. غير أن الاستفادة من أي تجربة تقتضي تكييفها مع البيئة السياسية والاجتماعية المحلية.
وأعتقد أن الاعتراف المنظم بالمنابر والاتجاهات الفكرية يعزز الوحدة؛ فالرأي الذي يجد قناة مشروعة داخل التنظيم تقل حاجته إلى البحث عن إطار خارجه. وينبغي أن يقترن هذا الاعتراف بضمان حق النقاش واحترام الاختلاف.
كذلك لم يعد حصر التعبير في المنبر الحزبي ملائمًا لواقع يمتلك فيه الأعضاء صفحات تصل إلى جمهور واسع. والأجدى تنظيم التعبير العلني عن الآراء الشخصية، مع عدم نسبتها إلى الحزب أو إفشاء معلوماته الداخلية. فالحوار البناء يتيح للجمهور المشاركة في تطوير أفكار اليسار وسياساته.
عدالة داخلية وإصلاح بدل العقاب
تكتسب دعوة اليسار إلى العدالة مصداقيتها حين تنعكس داخل تنظيماته. لذلك أدعو إلى هيئة تحكيم منتخبة ومستقلة عن القيادة، تكون قراراتها ملزمة لجميع الهيئات، وتتوفر معها جهة استئناف مستقلة وضمانات لحق الدفاع.
ويقدم نظام التحكيم في حزب اليسار الألماني مثالًا مفيدًا للفصل بين عضوية لجان التحكيم والمواقع التنفيذية الحزبية. وأقترح كذلك نشر القرارات وأسبابها بما يحفظ خصوصية الأشخاص.
وأرى أن غاية الإجراءات التأديبية ينبغي أن تكون إصلاح السلوك وحماية التنظيم وأعضائه. ولهذا تستحق أدوات الحوار والوساطة الرفاقية أولوية، إلى جانب قرينة البراءة وحق الدفاع.
كما أدعو إلى مراجعة عقوبة الفصل، التي أراها شديدة الأثر على الحياة السياسية والتنظيمية للفرد، وإعادة النظر في القرارات السابقة المرتبطة بالخلافات الفكرية أو السياسية. ففي مرحلة يحتاج فيها اليسار إلى توسيع حضوره، ينبغي أن تكون تنظيماته جاذبة وقادرة على استيعاب الاختلاف.
القيادة الجماعية وتداول المواقع
أقترح ألا يتجاوز شغل أي موقع قيادي دورتين انتخابيتين، مع الاتجاه التدريجي نحو قيادة جماعية يتولى فيها منسقون ومنسقات مجالات تخصصية محددة.
وتستحق تجربة حزب القائمة الموحدة اليساري الدنماركي الدراسة، إذ تتضمن لوائحه التنظيمية حدودًا زمنية لشغل عدد من المواقع القيادية والتمثيلية. ويمكن الإفادة من مبدأ التناوب دون افتراض أن جميع المواقع تخضع للمدة نفسها.
وفي المؤتمرات، أرى أن منح القيادة المنتهية ولايتها صلاحية تسمية نسبة من المندوبين يستحق المراجعة من منظور المساواة بين الأعضاء. والأنسب، في تقديري، أن يحضر أعضاء القيادة الذين لم تنتخبهم منظماتهم بصفة ضيوف، لعرض تقييمهم للمرحلة السابقة.
المرأة والشباب: من المبدأ إلى المشاركة الفعلية
أدعو إلى تمثيل لا يقل عن أربعين بالمائة لكل من الجنسين في الهيئات القيادية، يتطور نحو المناصفة، وإلى قيادة مشتركة تضم منسقًا ومنسقة حيث يلائم ذلك طبيعة الهيئة.
ومن الضروري أيضًا تخصيص كوتا عمرية للشباب، تتيح لهم دورًا فعليًا في اتخاذ القرار. ويمكن لأصحاب الخبرة الطويلة أن يسهموا بالمشورة والمرافقة، بما يعزز التواصل بين الأجيال.
لكن النسب وحدها لا تكفي. ينبغي أن ترافقها خطة مستمرة لبناء القدرات، تشمل التأهيل القيادي والمرافقة الميدانية وإسناد المسؤوليات تدريجيًا، حتى تتحول المشاركة العددية إلى تأثير حقيقي.
النزاهة المالية واستقلال العمل الحزبي
يقاس اليسار عادة بمعيار أخلاقي صارم، وأرى في ذلك مسؤولية تعزز مكانته حين يلتزم بها. ومن متطلبات النزاهة، بحسب مستوى العلنية والأمان السياسي في كل بلد، نشر تقرير مالي سنوي مدقق وإقرارات ذمة مالية لشاغلي المواقع القيادية والتمثيلية.
وأقترح تنظيم مساهمة من يتولون وظائف عامة باسم الحزب في تمويله، مع إبقاء العمل الحزبي تطوعيًا في الأساس، وقصر الرواتب على الضرورة والتفرغ.
وفي المثال الدنماركي، تنص اللوائح على مساهمات مالية من دخل النواب ترتبط بما يزيد على متوسط أجر عامل معادن ماهر في كوبنهاغن، بعد مراعاة الضرائب وبعض النفقات. وتفيد هذه التجربة في مناقشة الحد من الامتيازات، مع ضرورة تكييف أي نموذج مالي مع القوانين والظروف المحلية.
التحالفات والمشاركة في السلطة
تعد قرارات التحالف والمشاركة في الحكم من أكثر القرارات تأثيرًا في علاقة الحزب بجمهوره. لذلك أقترح عرضها للحوار التنظيمي والعلني، ثم للاستفتاء الداخلي العام، بما يوسع شرعيتها ويخفف الاستقطاب والعبء عن القيادة.
وأرى ضرورة النص على عدم التحالف مع قوى استبدادية أو فاسدة أو ذات دور مباشر في انتهاكات حقوق الإنسان، حفاظًا على استقلال الحزب ونزاهته وثقة جمهوره. وينبغي إعطاء الأولوية للعمل المشترك مع القوى اليسارية والتقدمية.
الرقمنة والمؤتمر الدائم
يستحق النظام الداخلي في عصر الثورة الرقمية بابًا مستقلًا ينظم الاجتماعات عن بعد والتصويت الإلكتروني، مع ضمانات السرية والنزاهة وحماية بيانات الأعضاء والعضوات.
وأدعو إلى اعتماد البرمجيات الحرة قدر الإمكان، وإلى تقييم مخاطر المراقبة والاختراق قبل اختيار الأدوات. فالرقمنة ينبغي أن توسع المشاركة دون تعريض الأعضاء للخطر.
وتتيح المنصات الرقمية تحويل الفترة بين المؤتمرات إلى حوار متواصل يشبه مؤتمرًا دائمًا، تُناقش فيه السياسات والوثائق على مختلف المستويات قبل إقرارها. بذلك يبقى العقل الجماعي حاضرًا طوال العام، بدل حصر المشاركة في مناسبة دورية أو هيئة محدودة.
تجديد تدريجي يراعي واقع مجتمعاتنا
لتراجع اليسار أسباب موضوعية وذاتية متعددة، لكن البناء التنظيمي وأشكال القيادة والعمل جزء من المسألة. وأرى أن المرحلة تتطلب تحولًا تدريجيًا نحو بنى أكثر أفقية، تتسع فيها صلاحيات القاعدة والأجيال الجديدة، وتكون القيادة داعمة ومنسقة لعملها.
وتظل التجارب الدولية مفيدة، لكنها تعمل في بيئات مختلفة. لذلك ينبغي الاستفادة منها بصورة نقدية ومدروسة، بعيدًا عن النقل المباشر، مع مراعاة القمع السياسي والموارد المتاحة ومستوى التطور الحقوقي والديمقراطي.
وأختم بما بدأت به: الحزب الذي يمارس الديمقراطية والعدالة والشفافية داخل بنيته يقدم لشغيلة وشغيلات اليد والفكر دليلًا عمليًا على قدرته على ممارستها في إدارة الدولة والمجتمع.