غزة بعد ثلاث سنوات: من إدارة الصراع إلى الموقف الوطني | نداء الوطن

غزة بعد ثلاث سنوات: من إدارة الصراع إلى الموقف الوطني | نداء الوطن

مقالات خاصة | نداء الوطن
بقلم: فراس صالح  ·  8 أكتوبر/تشرين الأول 2026

بعد ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر، لم يعد ممكناً التعامل مع غزة بوصفها ملفاً أمنياً أو إنسانياً قابلاً للاحتواء بالحصار والتهدئة والمساعدات، فيما يستمر الاحتلال والاستيطان ومصادرة الأرض والتهجير. لقد هزّت الحرب منظومة سياسية قامت لعقود على إدارة الصراع بدلاً من العمل على حله.

وبصرف النظر عن المواقف من أحداث ذلك اليوم، أظهرت السنوات الثلاث أن القوة العسكرية لا تستطيع إلغاء قضية وطنية، وأن الحرب، مهما بلغ حجمها، لا تنتج حلاً سياسياً. دفعت غزة ثمناً بشرياً ومادياً هائلاً، لكن القضية الفلسطينية استعادت موقعها في قلب الاهتمام الدولي، وسقط وهم بناء استقرار إقليمي يتجاوز الشعب الفلسطيني وحقوقه.

غزة تكشف أزمة النظام الدولي

كشفت الحرب اتساع الفجوة بين خطاب حقوق الإنسان وتطبيق القانون الدولي، وبين ما يقال عن السلام وما يجري على الأرض. وتحولت غزة إلى اختبار لمصداقية المؤسسات الدولية والدول الكبرى، كما وسّعت النقاش حول حدود الهيمنة الغربية وطبيعة النظام الدولي المتجه نحو مزيد من التعددية.

وأحدثت صور الدمار والتهجير والمأساة الإنسانية تحولاً في الوعي العالمي بالقضية الفلسطينية. فقد دفعت قطاعات واسعة من الرأي العام، ولا سيما بين الأجيال الجديدة، إلى إعادة النظر في رواية تختزل الصراع في بعد أمني وتعزله عن الاحتلال وحقوق الشعب الفلسطيني.

المسؤولية الفلسطينية بعد الحرب

إذا كانت غزة قد أسقطت وهم إدارة الصراع على المستوى الدولي، فلا يجوز إعادة إنتاجه فلسطينياً تحت عناوين جديدة.

وقف الحرب يجب أن يقود إلى مسار سياسي

تبدأ الأولويات بتثبيت وقف دائم وشامل لإطلاق النار، وضمان عدم استئناف العدوان، ووقف التهجير، وفتح المعابر، وتأمين المساعدات والحماية الدولية للمدنيين. لكن هذه الإجراءات يجب أن تكون مدخلاً إلى مسار سياسي، لا بديلاً عنه.

ويجب رفض أي ترتيبات تفصل غزة عن الضفة الغربية والقدس، أو تفرض عليها وصاية أو إدارة خارج القرار الوطني الفلسطيني. فغزة جزء من الأرض الفلسطينية، ومستقبلها يجب أن يُبحث في إطار وحدة الأرض والشعب والقضية والقرار الوطني.

إعمار غزة تحت مرجعية وطنية

ينبغي أن تتم إعادة الإعمار تحت مرجعية وطنية فلسطينية، وبمشاركة عربية ودولية، وألا تتحول إلى مشروع اقتصادي منفصل عن السياسة أو أداة لفرض شروط جديدة على الشعب الفلسطيني. فلا يمكن إعادة بناء غزة مع إبقاء الأسباب التي أنتجت دمارها قائمة.

الوحدة وتجديد الشرعية ضرورة سياسية

أثبتت الحرب أن استمرار الانقسام يضعف القدرة الفلسطينية على تحويل التضحيات والصمود إلى إنجاز سياسي. والمطلوب حوار وطني شامل يعيد بناء النظام السياسي على أساس الشراكة، ويعيد تفعيل منظمة التحرير بمشاركة جميع القوى والتيارات، ويفتح الطريق أمام انتخابات عامة، وفي مقدمتها انتخابات المجلس الوطني وفق نظام التمثيل النسبي الكامل.

إن تجديد الشرعية شرط لبناء قرار وطني موحد قادر على إدارة المرحلة المقبلة ومواجهة الضغوط الدولية والإقليمية.

إنهاء الاحتلال جوهر أي حل

يجب الانتقال من انتظار المبادرات إلى امتلاك رؤية فلسطينية واضحة تضع إنهاء الاحتلال في مركز أي مسار سياسي. فلا يجوز اختزال القضية في غزة، أو إعادة الإعمار، أو الاعتراف الدولي، أو ترتيبات أمنية مؤقتة.

المطلوب إنهاء الاحتلال والاستيطان والضم، وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس، وضمان حقوق اللاجئين الفلسطينيين، وفي مقدمتها حق العودة وفق القرار 194.

ويعني ذلك رفض الحلول القائمة على السلام الاقتصادي أو التهدئة الدائمة أو إدارة السكان بدلاً من معالجة القضية الوطنية، وتفعيل أدوات النضال السياسي والشعبي والدبلوماسي والقانوني، واستثمار التحول في الرأي العام العالمي واتساع الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية للضغط من أجل إنهاء الاحتلال، لا الاكتفاء بخطوات رمزية.

مسؤولية عربية ودولية

تتحمل الدول العربية والمجتمع الدولي مسؤولية مباشرة. فلا ينبغي أن يقتصر الدور الدولي على المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار؛ بل يجب أن يمتد إلى إجراءات سياسية وقانونية تضغط لإنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان وحماية الشعب الفلسطيني، ووضع حد للإفلات من المساءلة.

المعادلة المطلوبة للمرحلة المقبلة
  • وقف دائم للحرب وحماية الشعب ومنع التهجير.
  • وحدة الأرض الفلسطينية ورفض الوصاية والفصل.
  • إعمار غزة تحت مرجعية وطنية فلسطينية.
  • إنهاء الانقسام وإعادة بناء منظمة التحرير.
  • تجديد الشرعية بالانتخابات وإنهاء الاحتلال وتجسيد الحقوق الوطنية.

من إدارة نتائج الاحتلال إلى إنهائه

إن وقف الحرب وحده لا يكفي، كما أن إعادة الإعمار وحدها لا تكفي. وأي ترتيبات أمنية لا تعالج أصل الصراع ستبقى مؤقتة وقابلة للانفجار من جديد.

لذلك لا ينبغي أن تكون الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر مناسبة لاستعادة مشاهد الحرب فقط، بل لتحديد اتجاه المرحلة المقبلة. لقد كشفت غزة حدود القوة العسكرية وسياسة إدارة الصراع، وأعادت فلسطين إلى مركز المشهد الدولي. وتقع المسؤولية الآن على الفلسطينيين في تحويل هذه اللحظة إلى مسار سياسي جديد.

فلا عودة إلى ما قبل السابع من أكتوبر؛ لأن العودة تعني إعادة إنتاج الشروط نفسها التي قادت إلى الانفجار. المطلوب الانتقال من إدارة نتائج الاحتلال إلى إنهائه، ومن إدارة الانقسام إلى الوحدة، ومن انتظار الحلول الخارجية إلى بناء القرار الوطني الموحد.