اغتصاب الوعي والانتباه والإنهاك الرقمي | نداء الوطن

اغتصاب الوعي والانتباه والإنهاك الرقمي | نداء الوطن

بقلم: بكر أبوبكر

مقال رأي عبر نداء الوطن

دخلت وسائط التواصل الاجتماعي إلى حياتنا من باب التواصل والمعرفة، لكنها أخذت تتوغل في مساحة أشد حساسية: وعينا وانتباهنا وإحساسنا بالوقت. نفتح الهاتف لدقائق، ثم نكتشف أن ساعة أو أكثر قد انقضت بين مقطع وآخر، وإشعار ورسالة، دون أن نسأل أنفسنا: ماذا أضاف هذا التدفق إلى معرفتنا؟ وماذا أخذ من يومنا؟

يحمل الإنسان هاتفه بيده اليمنى أو اليسرى، ويتنقل بين مواد متتابعة، بعضها مفيد وبعضها استهلاكي لا يترك أثرًا يتجاوز لحظة المشاهدة. وما إن يضع الجهاز جانبًا حتى يعيده إليه طنين إشعار، أو رغبة في معرفة الجديد، أو انتظار تفاعل يمنحه شعورًا بالقبول والمكافأة.

السؤال الذي يستحق التوقف:
هل نستخدم الشاشات للوصول إلى ما نريده، أم أصبح ما تعرضه الشاشات يحدد لنا ما نريده وما نفكر فيه؟

من متعة المشاهدة إلى تشتت الانتباه

استطاعت المنصات الرقمية أن تستحوذ على أوقات فئات واسعة من الناس، بمن فيهم المتعلمون والدارسون والمثقفون والسياسيون. وقد وجدت بين هؤلاء من تراجع ارتباطه بالقلم والكتاب، وأصبح يتلقى معظم معرفته من المقاطع المرئية التي تتقاذف انتباهه بين موضوعات متباعدة.

ليست المشكلة في الفيديو بوصفه وسيلة؛ فقد يحمل درسًا نافعًا أو شرحًا عميقًا. المشكلة تبدأ حين يصبح التتابع السريع بديلًا عن التوقف والفهم، وحين نعتاد الانتقال إلى مادة جديدة قبل أن نمنح الفكرة السابقة فرصة للاستقرار والمناقشة.

وتدخل في هذه التجربة آليات المكافأة والدافعية في الدماغ، التي يؤدي فيها الدوبامين دورًا بوصفه ناقلًا عصبيًا. غير أن اختزال العلاقة بالشاشات في عبارة «هرمون اللذة» لا يفسر وحده سلوكًا تتداخل فيه العادة والفضول وطبيعة المحتوى والظروف الشخصية وتصميم المنصة.

أحمد الذي افتقد رفيق دربه

قال صديقي أحمد: «كنت أركز بالساعات الطويلة، ولم أعد أستطيع ذلك الآن. لقد فقدت التركيز».

سألته عن السبب، فقال إنه يستغرق في النظر إلى الشاشات، بل في التحديق فيها، حتى يسرقه الوقت، ومع ذلك يبقى منجذبًا إليها. وأخبرني أنه لم يعد يشبع من المقاطع المرئية، وأنها أخذت مكان الكتاب الورقي، بل والكتاب الرقمي أيضًا.

قلت: «أوَتتابعها دون التحقق من المصدر؟» فأجاب: «لا تحقق ولا يحزنون، فهي تغرقني بما تريده وتتتابع على وعيي تتابع جيوش جرارة ذات مدد لا ينضب!».

قلت له إنه يصف محنة استنزاف للانتباه، فرد بأنه يشعر كأنه أسير في قفص أو داخل قوقعة. لم يكن يشكو كثرة المشاهدة وحدها، بل افتقاده القدرة على البقاء مع فكرة واحدة، وعلى استعادة متعة القراءة التي كانت ترافقه في الحل والترحال.

باتت مكتبته، التي اعتنى بترتيبها سنوات، عبئًا في نظره. ولم يعد أولاده يتعاملون معها بوصفها مساحة للقراءة، بل مكانًا لوضع ألعابهم ومقتنياتهم. حتى إنه أصبح يفكر في التخلص من كتب كانت يومًا جزءًا عزيزًا من حياته.

هذه تجربة شخصية لا تكفي لتشخيص اضطراب، لكنها تطرح سؤالًا ثقافيًا وتربويًا مهمًا: ماذا يحدث حين يفقد الكتاب مكانه في البيت، وتصبح المعرفة سلسلة من المشاهد العابرة؟

التمرير المستمر.. حين تضيق نافذة العالم

أستخدم تعبير «اغتصاب الانتباه» لوصف الاستحواذ المتكرر على مساحة الإنسان الذهنية، حين ينهمك في التصفح والتمرير المستمر، ثم يجد نفسه منهكًا دون حصيلة معرفية تناسب الوقت الذي أنفقه.

تتعرف أنظمة التوصية إلى بعض اهتمامات المستخدم من خلال تفاعله مع المحتوى، وتعرض عليه مواد يُرجح أن تجذبه. وقد يشعر، مع تكرار الأنماط والآراء نفسها، أن ما يظهر أمامه هو العالم كله، بينما هو نافذة منتقاة منه.

هكذا قد تتشكل القوقعة: نرى ما نميل إليه، ونسمع ما يوافق توقعاتنا، وتضعف فرص الاحتكاك بما يخالفنا أو يوسع أسئلتنا. ليست هذه نتيجة حتمية لكل استخدام، لكنها خطر يستحق الانتباه عندما نتوقف عن تنويع مصادرنا والبحث خارج ما تقترحه الشاشة.

المعلومات الكثيرة لا تعني معرفة عميقة

تمر أحداث مهمة على سطح الذهن، فلا تجد وقتًا للفهم أو التثبت. يأتي خبر، ثم تعليق، ثم مشهد مؤثر، ثم مادة ساخرة؛ وتتزاحم الانفعالات قبل أن تتضح الوقائع أو تُعرف مصادرها.

وفي هذا التدفق قد نخلط بين مشاهدة المعلومة وفهمها، وبين تذكر عبارة وامتلاك معرفة. المعرفة تحتاج إلى سياق، ومقارنة، وسؤال، وربط بين الأفكار. أما استقبال الإجابات الجاهزة دون تمحيص، فقد يجعل الإنسان يكرر ما يسمعه دون أن يعرف كيف وصل إليه.

ليست كثرة ما نشاهده مقياسًا لما نعرفه.
قد تكون فقرة واحدة نقرأها بتأنٍّ، ثم نبحث في مصدرها ونناقش معناها، أعمق أثرًا من عشرات المقاطع التي تمر دون توقف.

والراحة الآنية التي يمنحها المحتوى السريع قد تزاحم الجهد الذي تتطلبه القراءة الطويلة. فالمقطع التالي حاضر بضغطة أو تمريرة، بينما يحتاج الكتاب إلى صبر، ويحتاج التفكير إلى وقت لا تقطعه الإشعارات باستمرار.

لكن ذلك لا يعني أن العقل قد تلف، أو أن الذاكرة تضررت بصورة دائمة، أو أن كل متصفح أصبح مدمنًا. المقصود هنا نقد نمط من الاستهلاك قد يزاحم عادات التفكير والقراءة، ويستحق المراجعة قبل أن يستولي على تفاصيل اليوم.

حين نفقد لذة السؤال والاكتشاف

قال أحمد إنه افتقد حس الاستكشاف الذي كانت توقظه فيه فكرة أو جملة يقرأها في كتاب. كان يتوقف، ويفتش، ويبحث عن المصدر الأصلي، ثم يجتهد في التفكير فيما وجده. وأحيانًا كانت الفكرة تتضح له بعد عناء، فيشعر كأنه رأى الشمس في عز الليل؛ شمس الحقيقة التي بحث عنها.

لم تكن متعته في الإجابة وحدها، بل في الطريق إليها. في المقارنة بين الروايات، وفي مراجعة رأيه، وفي اكتشاف أن السؤال الأول يفتح أسئلة أخرى. أما اليوم، فيخشى أن يكون قد استبدل هذه الرحلة بتلقي متتابع لا يتيح له أن يتوقف.

وهنا تكمن خسارة تستحق التأمل: أن يتراجع الفضول من رغبة في الفهم إلى رغبة في رؤية المزيد، وأن تصبح الحركة على الشاشة بديلًا عن الحركة داخل الفكرة.

استعادة الانتباه تبدأ باستعادة الاختيار

لا أرى الخروج من هذا الاستنزاف مستحيلًا، وإن بدا صعبًا بعد الاعتياد. يبدأ الأمر بأن نراجع علاقتنا بالشاشة: متى نفتحها؟ ولماذا؟ وهل نغادرها حين تنتهي حاجتنا، أم نستمر لأن المحتوى لا ينتهي؟

يمكن أن نعيد للقراءة مكانًا في يومنا، وأن نترك بعض الإشعارات صامتة، وأن نتوقف أمام الخبر قبل ترديده. ويمكن أن نستخدم الأدوات الرقمية نفسها للوصول إلى كتاب أو محاضرة أو مصدر أصلي، بدل الاكتفاء بما يمر أمامنا.

فالانتباه مدخل إلى الوعي، والوعي أساس لفهم ما نتلقاه واتخاذ موقف منه. وحين نستسلم للتتابع دون سؤال، نضعف استقلالنا في التفكير. أما حين نستعيد حقنا في التوقف والبحث والاختيار، فإننا نحمي واحدة من أثمن قدرات الإنسان: أن يفهم قبل أن يردد، وأن يسأل قبل أن يسلّم.

أسئلة وأجوبة حول الإنهاك الرقمي والانتباه

ما المقصود بالإنهاك الرقمي في هذا المقال؟

هو وصف للإرهاق المصاحب للانشغال المطول بالشاشات وتتابع المحتوى والتنقل بين الإشعارات. ويستخدمه الكاتب لوصف تجربة استنزاف الوقت والانتباه، لا بوصفه تشخيصًا طبيًا مستقلًا.

هل كل استخدام طويل للهاتف يعني الإدمان؟

لا. قد يرتبط الاستخدام الطويل بالعمل أو الدراسة أو التواصل. الأهم مراجعة القدرة على تنظيمه وأثره في الواجبات والحياة اليومية، وعدم إطلاق تشخيص اعتمادًا على عدد الساعات وحده.

هل المقاطع المرئية بديل كافٍ للقراءة؟

قد تكون المقاطع وسيلة تعليمية مفيدة، لكنها لا تغطي دائمًا التفاصيل والسياق اللذين يحتاج إليهما فهم موضوع معقد. الأفضل اختيار الوسيلة المناسبة، والجمع بين المشاهدة والقراءة والرجوع إلى المصادر الأصلية.

كيف نتحقق من المعلومات المتداولة في الفيديوهات؟

بالبحث عن المصدر الأصلي، وتاريخ المادة، والسياق الكامل للتصريح أو الصورة، ومقارنة المعلومات بجهات موثوقة. كثرة المشاهدات أو ثقة المتحدث في عرضه لا تكفي لإثبات صحة المحتوى.

ما الخطوة الأولى لاستعادة وقت القراءة؟

اختيار وقت قصير ثابت للقراءة، وإبعاد الهاتف أو إسكات الإشعارات خلاله، ثم زيادة المدة تدريجيًا بحسب القدرة. الهدف بناء عادة قابلة للاستمرار، دون تحويل القراءة إلى عبء جديد.

هل كل صعوبة في التركيز سببها الشاشات؟

لا يمكن تحديد السبب من تجربة واحدة. إذا استمرت صعوبة التركيز أو أثرت بوضوح في الحياة اليومية، فمن المناسب طلب تقييم متخصص بدل افتراض أن الهاتف هو التفسير الوحيد.