تطوير الخطاب الديني في مصر.. استقلال المؤسسات أم صراع النفوذ؟

تطوير الخطاب الديني في مصر.. استقلال المؤسسات أم صراع النفوذ؟

بقلم: العلوي الحضرمي

مقال رأي عبر نداء الوطن

يثير التعاون في تطوير الخطاب الديني وتأهيل الأئمة في مصر أسئلة تتجاوز تفاصيل البرامج التدريبية إلى حدود الشراكة، واستقلال المؤسسات، والمرجعية التي توجه العمل الديني. وفي ظل السجال المحيط بهذه الترتيبات، أخشى أن ينحرف النقاش عن موضوعه الأساسي، ليتحول إلى مواجهة بين تيارات تتنازع النفوذ، وتضيع بين مواقفها الأسئلة التي تستحق إجابات واضحة.

وقد أعلنت وزارة الأوقاف المصرية ومؤسسة طابة تعاونًا في مجالات التأهيل والتدريب وتبادل الخبرات وتطوير الخطاب الإسلامي. وبين الأهداف المعلنة لهذا التعاون والتحفظات التي يثيرها لدى منتقديه، ينبغي أن تبقى مساحة للفحص الموضوعي، بعيدًا عن التسليم المطلق أو الاتهام الذي لا يستند إلى دليل.

إن تأمل هذا السجال يدعونا إلى مراجعة موقع كل طرف: هل يدافع عن استقلال الخطاب الديني، أم عن حصته في المشهد؟ وهل ينقد مضمون البرامج وحدودها، أم يهاجم المكونات التي يختلف معها؟

السؤال المركزي:
كيف نطور الخطاب الديني ونؤهل كوادره، مع صون استقلال المؤسسات العلمية، ومنع تحويل الشراكات إلى أدوات إقصاء أو استقطاب؟

إلى الإخوان ومعارضي التعاون: حرروا النقد من حسابات النفوذ

حين يصدر الرفض عن جماعة الإخوان المسلمين أو الدوائر القريبة منها، فإن قيمة الموقف لا تتحدد بمجرد معارضة الترتيبات القائمة، بل بقدرته على تقديم نقد متماسك، يستند إلى مضمونها وآثارها، ويتحرر من الخصومة مع التيارات المنافسة.

فالخشية من تطويع الخطاب الإسلامي أو إضعاف استقلاله سؤال مشروع للنقاش. لكنها تفقد قوتها إذا اختلطت بالخوف من تراجع النفوذ أو اتساع حضور طرف آخر. عندئذ يبدو الاعتراض دفاعًا عن موقع تنظيمي، بدل أن يكون دفاعًا عن مبدأ عام ينطبق على الجميع.

وأرى أن استهداف الصوفية بوصفها مكونًا دينيًا واجتماعيًا، بدل مناقشة اختيارات محددة أو برامج بعينها، يضر بالنقد نفسه. فمن حق أي طرف مساءلة موقف أو شراكة، لكن تعميم الاتهام على تراث وتيارات وأشخاص مختلفين يوسع دائرة الخصومة ولا يوضح حقيقة القضية.

بل قد يدفع الخطاب العدائي بعض المستهدفين إلى مزيد من الاحتماء بالرعاية الرسمية أو بالشراكات التي يعترض عليها خصومهم. وهكذا يمنح الهجوم مبررًا نفسيًا وسياسيًا لمواقف كان يمكن إخضاعها لنقاش أكثر هدوءًا ودقة.

النقد الأقوى هو الذي يسأل عن المحتوى، والتمويل، والإشراف، والنتائج، ويقدم حجته دون تحويل الخلاف إلى خصومة مع مكون مجتمعي كامل. أما خلط الاعتراض على التدخل الخارجي بالهجوم على الصوفية، فإنه يبدد وضوح الموقف ويضعف قدرته على الإقناع.

إلى الصوفية ومؤيدي التعاون: احذروا منطق الانتصار المؤقت

وفي المقابل، فإن النظر إلى أي ترتيبات جديدة باعتبارها فرصة لترجيح كفة تيار على خصومه يحمل خطرًا لا يقل أهمية. فالمكاسب التي تقوم على إقصاء الآخرين قد تبدو جذابة في لحظتها، لكنها لا تؤسس بالضرورة لمشهد ديني أكثر استقرارًا أو استقلالًا.

إن جوهر الفكر الصوفي الرصين، كما أفهمه، يقوم على التزكية والعمق الروحي وتهذيب العلاقة بالناس. ومن المؤسف أن يُختزل هذا التراث في منافسة على المواقع، أو أن يُستدعى لتبرير استقواء طرف بترتيبات مؤسسية ضد طرف آخر.

ولا تعفي الرغبة في مواجهة خطاب متشدد أو عدائي من واجب مساءلة الشراكات التي يُراد توظيفها لهذا الغرض. فالمعيار ينبغي أن يكون سلامة المحتوى واستقلال القرار ومصلحة المجتمع، لا مقدار ما تمنحه الترتيبات من أفضلية في صراع داخلي.

وأرى أن الدفاع الحقيقي عن المكانة الروحية والعلمية للصوفية يقتضي رفض اختزالها في طرف داخل معادلة نفوذ، مع إبقاء النقد والمراجعة ممكنين حتى حين تبدو الترتيبات القائمة ملائمة لها.

مؤسسة طابة.. أسئلة الشراكة وحدود الدور

تتركز تحفظاتي على الدور الذي يمكن أن تؤديه مؤسسة طابة ضمن ترتيبات تطوير الخطاب الديني، وعلى الحدود الفاصلة بين تبادل الخبرات والتأثير في المرجعيات والأولويات. وهذه تحفظات تستدعي فحص البرامج والوثائق والممارسات، ولا يصح تحويلها وحدها إلى إثبات لدوافع خفية.

فالتعاون مع مؤسسة غير حكومية، أو مع جهة ذات امتداد خارج البلد، لا يعني تلقائيًا فرض وصاية. لكنه يبرر طرح أسئلة واضحة عن طبيعة الدور الممنوح لها، ومن يضع المناهج، ومن يراجعها، وكيف تُحفظ سلطة المؤسسات المصرية على برامج التأهيل ومخرجاتها.

ومن هنا أطرح السؤال الذي أراه جوهريًا: ما القيمة المضافة التي تحتاج إليها مصر، بما تمتلكه من عمق علمي وتاريخي ومؤسسات دينية راسخة، من هذا التعاون؟ وكيف يمكن قياسها بصورة معلنة، دون أن تتحول الشراكة إلى اعتماد على مرجعية موازية؟

إن الإجابة لا تكون بالاكتفاء بعناوين عامة عن التطوير، ولا باتهامات عامة عن المؤامرة. إنها تحتاج إلى وضوح في الأهداف والمحتوى وآليات الإشراف والتقييم، حتى يستطيع المجتمع التمييز بين تعاون يضيف إلى قدرات مؤسساته، وترتيبات قد تزاحم استقلالها.

معايير تستحق النقاش:
  • وضوح أهداف برامج التدريب ومحتواها.
  • تحديد مسؤوليات كل جهة وحدود صلاحياتها.
  • شفافية التمويل وترتيبات الشراكة.
  • حفظ المرجعية العلمية والإشراف المؤسسي المصري.
  • تقييم النتائج وإتاحة المراجعة والنقد.

المساحة المشتركة: استقلال المؤسسات وتهدئة السجال

الخاسر الأكبر حين يتحول النقاش إلى صراع على النفوذ هو المجتمع، الذي يحتاج إلى خطاب ديني يساعده على الفهم والتماسك، لا إلى إعادة إنتاج الخصومات على منابره.

ولهذا ينبغي أن يلتقي المختلفون على مساحة مشتركة: احترام المكونات الدينية والاجتماعية، وصون استقلال المؤسسات العلمية وفي مقدمتها الأزهر الشريف، ومساءلة الشراكات وفق معايير واحدة، دون أن يكون التأييد أو الرفض تابعًا لهوية المستفيد منها.

فالاعتراض على أي صورة من صور الوصاية، إن ثبتت، يجب أن يكون اعتراضًا مبدئيًا. والقبول بالتعاون، إن اتضحت فائدته وضماناته، ينبغي أن يقوم على مصلحة عامة يمكن شرحها والدفاع عنها، لا على رغبة في إضعاف الخصوم.

إن تهدئة الخطاب المتبادل لا تعني إسكات النقد. بل تعني تحريره من التجريح والتعميم، وإعادته إلى الأسئلة التي تكشف حقيقة البرامج وتتيح تصحيحها أو رفضها على أساس مفهوم.

تطوير يجمع ولا يطوّع

ما أدعو إليه هو تطوير يستجيب لتحديات المجتمع، ويحفظ العمق العلمي والروحي للخطاب الديني، ويمنح كوادره أدوات أفضل للفهم والتواصل. تطوير لا يجعل المؤسسات ساحة لتصفية الخلافات، ولا يسمح بتحويل حاجتها إلى التأهيل إلى مدخل لإضعاف استقلالها.

وحين يتفق المختلفون على هذه المبادئ، يصبح ممكنًا أن يناقشوا مؤسسة طابة أو غيرها بميزان واحد: ماذا تقدم؟ وبأي صلاحيات؟ وتحت أي إشراف؟ وما أثر ذلك في المجتمع والمؤسسات؟

بهذا وحده يمكن أن يعود الخطاب الديني إلى دوره الجامع، وأن يصبح تطويره عملًا علميًا ومجتمعيًا مسؤولًا، بدل أن يبقى عنوانًا تتنازعه حسابات الاستقطاب.

أسئلة وأجوبة حول مضمون المقال

ما القضية الأساسية التي يناقشها الكاتب؟

يناقش استقلال الخطاب الديني والمؤسسات المشرفة عليه في سياق التعاون لتطويره وتأهيل الأئمة في مصر، وينتقد تحويل النقاش إلى منافسة بين التيارات بدل تقييم البرامج والشراكات موضوعيًا.

هل يعارض المقال تطوير الخطاب الديني؟

لا. يدعو إلى تطوير يستجيب لحاجات المجتمع، مع وضوح الأهداف وحفظ المرجعية العلمية واستقلال القرار، ويرفض توظيف التطوير في الإقصاء أو صراع النفوذ.

ما موقف الكاتب من الهجوم على الصوفية؟

يرفض استهدافها بوصفها مكونًا دينيًا واجتماعيًا، ويميز بين نقد مواقف أو برامج محددة وبين تعميم الاتهامات على تيارات وأشخاص وتراث متنوع.

هل التعاون مع مؤسسة خارج الإطار الحكومي يعني فرض وصاية؟

لا يثبت وجود الوصاية بمجرد التعاون. يدعو المقال إلى فحص توزيع الصلاحيات والمحتوى والتمويل وآليات الإشراف، لتحديد ما إذا كانت الشراكة تدعم المؤسسات أم تزاحم استقلالها.

ما الأسئلة التي يطرحها المقال بشأن مؤسسة طابة؟

يسأل عن القيمة المضافة للتعاون، وحدود دور المؤسسة في التأهيل، ومن يضع المناهج ويراجعها، وكيف تُقاس النتائج وتُحفظ المرجعية المؤسسية المصرية.

كيف يمكن تهدئة السجال دون إلغاء النقد؟

بالتركيز على الوثائق والبرامج والممارسات، وتجنب التجريح والتعميم، واعتماد معايير واحدة للتقييم بصرف النظر عن هوية الأطراف المؤيدة أو المعارضة.