حين تصبح الإدانة فجيعة.. هل تكفي بيانات الشجب لمواجهة الأخطار التي تهدد العرب؟

نداء الوطن - بقلم

بقلم: عبد حامد

عندما تُمس كرامة أي عربي أو مسلم، أو تتعرض أرض عربية لاعتداء خارجي، فمن الطبيعي أن تتصاعد مشاعر الغضب والرفض، وأن تتجدد الدعوات إلى التضامن ووحدة الموقف، سواء على مستوى القيادات والمسؤولين أو على مستوى الشعوب التي ترى في كرامة أوطانها جزءًا لا يتجزأ من كرامتها الإنسانية والقومية.

لكن الفجيعة الحقيقية، كما أراها، لا تقف عند حدود الاعتداء ذاته، وإنما تمتد إلى طبيعة المواقف التي تليه، حين تتحول الإدانة والشجب والاستنكار إلى ردود متكررة، لا تتبعها إجراءات عملية تكفل ردع الاعتداءات وحماية أمن الدول والشعوب.

السعودية ومكانتها في الوجدان العربي والإسلامي

إن استهداف المملكة العربية السعودية من قبل جماعة الحوثي، في سياق الصراع اليمني وما ارتبط به من اعتداءات عابرة للحدود، يمثل في تقديري قضية تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، بالنظر إلى مكانة المملكة الدينية والتاريخية، واحتضانها الحرمين الشريفين، وما تمثله من ثقل عربي وإسلامي.

فالسعودية ليست مجرد دولة عربية ذات حدود جغرافية ومصالح وطنية، بل تحتل مكانة خاصة في وجدان ملايين العرب والمسلمين، الأمر الذي يجعل أمنها واستقرارها قضية تحظى باهتمام يتجاوز محيطها المباشر.

ومن هنا، فإن التضامن معها لا ينبغي أن يقتصر على الكلمات والمواقف البروتوكولية، وإنما يستدعي تعاونًا عربيًا وإسلاميًا جادًا في مواجهة التهديدات، وصون سيادة الدول، وحماية المدنيين والمنشآت الحيوية.

إن الإدانة، مهما بلغت قوتها في التعبير، لا تصبح موقفًا مؤثرًا إلا عندما تتحول إلى خطوات سياسية ودبلوماسية وقانونية قادرة على منع تكرار الاعتداءات.

من فلسطين إلى العراق ولبنان والسودان.. دروس لا ينبغي تجاهلها

لقد مرت منطقتنا العربية بعقود طويلة من الصراعات والحروب والانقسامات، وكانت فلسطين ولا تزال في قلب المأساة العربية، بما شهدته من احتلال وتهجير ومعاناة إنسانية متواصلة.

وفي العراق، تركت الحروب والصراعات آثارًا عميقة على الدولة والمجتمع. أما لبنان، فقد دفع أثمانًا باهظة نتيجة الحروب والأزمات الداخلية والإقليمية، فيما شهدت ليبيا انقسامات وصراعات أضعفت مؤسساتها، ولا يزال السودان يعاني مأساة حرب مدمرة يدفع المدنيون ثمنها الأكبر.

ورغم اختلاف ظروف هذه البلدان وتعقيدات أزماتها، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل كانت المواقف العربية المشتركة بحجم التحديات التي واجهتها شعوبنا؟ وهل نجحنا في الانتقال من ردود الفعل إلى سياسات فاعلة تمنع اتساع الأزمات؟

إن استحضار هذه التجارب ليس دعوة إلى اليأس، بل محاولة لاستخلاص الدروس، حتى لا تبقى المنطقة رهينة دائرة متكررة من الأزمات، تعقبها بيانات الاستنكار، ثم تعود الأخطار بصورة أشد تعقيدًا.

اليمن ومخاطر استمرار الصراع

وفي اليمن، الذي عانى سنوات طويلة من الحرب والانقسام والتدهور الإنساني، برزت المملكة العربية السعودية طرفًا محوريًا في التطورات السياسية والعسكرية المرتبطة بالأزمة، وسط تعقيدات إقليمية ودولية متشابكة.

ومن وجهة نظري، فإن حماية أمن المملكة واستقرار اليمن يجب أن يسيرا في اتجاه متكامل، يقوم على إنهاء التهديدات العابرة للحدود، ودعم مؤسسات الدولة، والعمل على تسوية سياسية شاملة تصون حياة اليمنيين وكرامتهم ومستقبلهم.

فاستمرار الصراعات لا يهدد الدول التي تدور على أراضيها وحدها، بل يمتد أثره إلى محيطها الإقليمي، ويزيد فرص التدخلات الخارجية ويعمق حالة عدم الاستقرار.

محمد بن سلمان ومفهوم الحزم والمسؤولية

لقد ارتبط اسم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بمرحلة شهدت تحولات واسعة في سياسات المملكة الداخلية والإقليمية، وفي مقاربتها للتحديات الأمنية والسياسية.

ومن المواقف التي تستوقفني ما تحمله صور التضامن مع أسر الشهداء من معانٍ إنسانية ووطنية، وما تعكسه من أهمية العلاقة بين القيادة والمجتمع، ولا سيما في اللحظات التي تواجه فيها الدول تحديات صعبة.

غير أن مفهوم الحزم، في تقديري، لا ينبغي اختزاله في القوة العسكرية وحدها؛ فالحزم الحقيقي يشمل كذلك وضوح القرار السياسي، وقوة المؤسسات، وفاعلية التحالفات، والقدرة على حماية المصالح الوطنية وتقليل كلفة الصراعات على الشعوب.

الإدانة وحدها لا تصنع موقفًا

ليست المشكلة في إصدار بيانات الشجب والاستنكار؛ فهي أدوات مشروعة للتعبير عن المواقف الرسمية. لكن المشكلة تبدأ حين تصبح هذه البيانات نهاية التحرك، لا بدايته.

فما قيمة الإدانة إذا لم تتبعها جهود سياسية ودبلوماسية جادة؟ وما جدوى الاستنكار إذا ظل المعتدي قادرًا على تكرار اعتداءاته دون مساءلة أو ضغط دولي مؤثر؟

إن المطلوب موقف عربي مشترك يستند إلى احترام سيادة الدول، وتعزيز الأمن الجماعي، وتفعيل المؤسسات الإقليمية، وتطوير آليات الاستجابة للأزمات، مع الاستفادة من أدوات القانون الدولي والدبلوماسية والشراكات السياسية والاقتصادية.

كما أن الدفاع عن كرامة الإنسان العربي لا يتجزأ؛ فلا يجوز أن تكون حياة المدنيين وحقوقهم موضع اهتمام في بلد، وأن تتراجع أهميتها في بلد آخر. فالكرامة الإنسانية قيمة واحدة، والعدالة لا ينبغي أن تخضع لازدواجية المعايير.

هذا عصر المسؤولية العربية المشتركة

إن المنطقة العربية اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن تتعامل مع أزماتها بوصفها تحديات مشتركة تتطلب تعاونًا وتضامنًا ومواقف عملية، وإما أن تستمر في دفع أثمان الانقسام وضعف التنسيق.

وليس المطلوب الانجرار إلى حروب جديدة أو توسيع دائرة العنف، وإنما بناء موقف قادر على منع الاعتداءات وردع التهديدات، وحماية الشعوب، وفتح الطريق أمام الاستقرار والسلام العادل.

فالأمن العربي لا يمكن أن يتحقق في ظل تفكك المواقف، كما أن كرامة الشعوب لا تُصان بالخطب وحدها، وإنما بالإرادة السياسية والعمل المشترك.

خلاصة القول: إن الفجيعة ليست في الإدانة بوصفها موقفًا أخلاقيًا وسياسيًا، بل في أن نكتفي بها بينما تستمر الأزمات وتتسع الأخطار. فحين تتوقف المواقف عند حدود الكلمات، يصبح العجز عن الفعل فجيعة إضافية تُضاف إلى فجيعة الاعتداء ذاته.

لقد آن الأوان لأن ينتقل العرب والمسلمون، ومعهم كل المؤمنين بقيم العدالة والسلام، من ثقافة رد الفعل إلى ثقافة المبادرة والمسؤولية المشتركة؛ لأن حماية الأوطان وكرامة الإنسان لا تحتمل مزيدًا من الانتظار.

عبد حامد

مقال رأي يعبر عن وجهة نظر كاتبه، ولا يمثل بالضرورة الموقف التحريري لموقع نداء الوطن.