لغز إنجيل برنابا والبشارة بالنبي محمد.. قراءة في النصوص والتاريخ والتناقضات

لغز إنجيل برنابا والبشارة بالنبي محمد.. قراءة في النصوص والتاريخ والتناقضات

بقلم: سهيلة عمر

يُعد إنجيل برنابا واحدًا من أكثر النصوص الدينية إثارة للجدل في تاريخ العلاقة بين الإسلام والمسيحية، لما يتضمنه من روايات عن حياة السيد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، ونصوص تتحدث عن مجيء النبي محمد صلى الله عليه وسلم، إلى جانب اختلافات جوهرية بينه وبين الأناجيل الأربعة المعتمدة في المسيحية.

لكن هذا الكتاب يثير سؤالًا أساسيًا: هل يمثل نصًا قديمًا ضاعت أصوله ثم ظهرت نسخ منه في عصور لاحقة، أم أنه مؤلَّف متأخر استمد مادته من تقاليد دينية مختلفة، وجمعها كاتبه في رواية واحدة؟

في هذه القراءة، أتناول تاريخ إنجيل برنابا المتداول، وأبرز ما جاء فيه من بشارات منسوبة إلى المسيح عليه السلام، وموقفه من ألوهية المسيح والصلب، ثم أعرض ملاحظاتي الشخصية على بعض التناقضات والإشكالات التي تجعل الحكم على أصالة هذا النص أمرًا يحتاج إلى قدر كبير من الحذر.

من هو برنابا؟ وهل كتب الإنجيل المنسوب إليه؟

برنابا شخصية معروفة في العهد الجديد، وقد ورد ذكره في سفر أعمال الرسل بوصفه أحد أتباع المسيح الأوائل، وكان اسمه يوسف قبل أن يطلق عليه الرسل اسم برنابا، كما ارتبط اسمه ببولس في بعض رحلات التبشير.

أما الكتاب المتداول اليوم تحت عنوان «إنجيل برنابا»، فينسب نفسه إلى هذه الشخصية، غير أن نسبة الكتاب إلى برنابا الذي عاش في القرن الأول الميلادي لم تثبت بدليل تاريخي موثوق.

وهنا ينبغي التمييز بين شخصية برنابا التاريخية، وبين الكتاب الذي يحمل اسمه؛ فثبوت وجود الشخصية لا يعني بالضرورة صحة نسبة كل كتاب لاحق إليها.

تاريخ إنجيل برنابا.. من الإشارات القديمة إلى المخطوطات المتأخرة

ترد الإشارة إلى كتاب يحمل اسم «إنجيل برنابا» ضمن قوائم قديمة للكتب الدينية غير المعتمدة، ومن بينها ما يعرف بالمرسوم الجلاسي. وقد نُسب هذا المرسوم تقليديًا إلى البابا جلاسيوس الأول، الذي عاش في أواخر القرن الخامس الميلادي، لكن الدراسات الحديثة تتعامل بحذر مع تاريخ صياغة المرسوم ونسبته.

والمهم هنا أن ذكر عنوان «إنجيل برنابا» في قائمة قديمة لا يثبت أن الكتاب المذكور فيها هو نفسه النص الإيطالي الذي وصل إلينا بعد قرون، إذ لا توجد نصوص كافية محفوظة من ذلك الكتاب القديم تسمح بإثبات التطابق بينهما.

أما إنجيل برنابا المتداول حاليًا، فقد عُرف من خلال مخطوطة إيطالية محفوظة في فيينا، وشاهد نصي إسباني متأخر. وتشير الدراسات الأكاديمية إلى أن المخطوطة الإيطالية تعود إلى القرن السادس عشر تقريبًا، بينما يرجح بعض الباحثين أن أصل النص نفسه أقدم من ذلك، وربما يعود إلى القرن الرابع عشر.

وتوجد روايات متداولة عن راهب يدعى «فرا مارينو» عثر على الإنجيل في مكتبة البابا سيكستوس الخامس، ثم اعتنق الإسلام بعد قراءته. غير أن هذه الرواية جزء من تاريخ تداول الكتاب والحكايات المرتبطة به، ولا يصح التعامل معها بوصفها واقعة تاريخية ثابتة دون دليل مستقل.

وفي مطلع القرن الثامن عشر، ظهرت المخطوطة الإيطالية في سياق اهتمام عدد من الباحثين الأوروبيين بالنص، ثم انتقلت إلى مكتبة الأمير أوجين من سافوي، ومنها إلى المجموعة التي آلت إلى فيينا.

وقد نشر لونسديل ولورا راغ النص الإيطالي مع ترجمة إنجليزية سنة 1907، ثم انتشرت ترجمات أخرى، بينها الترجمة العربية التي ارتبطت باسم خليل سعادة.

الفرق بين وجود الاسم وثبوت أصالة النص

إن ورود اسم إنجيل برنابا في قوائم قديمة، ووجود مخطوطات متأخرة تحمل العنوان نفسه، حقيقتان مختلفتان. ولا يكفي الربط بينهما بالاسم وحده لإثبات أن النص المتداول كُتب في زمن المسيح عليه السلام.

لماذا أثار إنجيل برنابا خلافًا دينيًا واسعًا؟

يرجع جانب كبير من الجدل حول إنجيل برنابا إلى اختلافه عن الروايات والعقائد التي تعرضها الأناجيل المسيحية المعتمدة، وخصوصًا في المسائل المتعلقة بطبيعة المسيح عليه السلام، والصلب، والبشارة بنبي يأتي بعده.

ومن أبرز الموضوعات التي يطرحها النص:

  • التأكيد على بشرية المسيح عليه السلام ونفي ألوهيته.
  • انتقاد بعض التعاليم المنسوبة إلى بولس، ومنها المسائل المتعلقة بالشريعة والختان.
  • ذكر إسماعيل عليه السلام في رواية الذبيح والعهد الإلهي مع إبراهيم.
  • تضمين بشارات صريحة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم.
  • تقديم رواية للصلب تقول إن يهوذا الإسخريوطي صُلب بدلًا من المسيح.
  • عرض تفاصيل موسعة عن القيامة والحساب والشفاعة.

وتتقاطع بعض هذه الأفكار مع التصور الإسلامي للمسيح عليه السلام، لكنها تختلف عن العقائد المسيحية السائدة. ومع ذلك، فإن اتفاق بعض مضامين الكتاب مع الاعتقاد الإسلامي لا يكفي وحده لإثبات صحة نسبته التاريخية إلى أحد معاصري المسيح.

البشارة بالنبي محمد في إنجيل برنابا

من أبرز ما يلفت النظر في إنجيل برنابا المتداول ورود نصوص تنسب إلى السيد المسيح عليه السلام حديثًا عن رسول يأتي بعده، وتذكر في مواضع اسم محمد صراحة.

ومن المقاطع التي استوقفتني حوار ينسبه الكتاب إلى المسيح مع بعض من سألوه عن هويته، فيجيب بأنه ليس «المسيا» المقصود في ذلك السياق، ويتحدث عن رسول يأتي بعده.

كما يورد الكتاب حوارًا آخر بين المسيح وتلاميذه عن رسالة النبي المنتظر، وفيه مقارنة بين الأنبياء الذين بُعثوا إلى أقوام محددين، ورسول يحمل رسالة إلى أمم متعددة.

ويتوسع النص في الحديث عن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق عليهم السلام، ويجعل العهد المتعلق بالرسول المنتظر متصلًا بإسماعيل.

وبالنسبة إليّ، فإن هذه المقاطع تستحق القراءة والمقارنة، لكنها تطرح سؤالًا لا يمكن تجاوزه: هل تعكس أقوالًا قديمة نُقلت عبر مصدر مفقود، أم أنها صيغت في مرحلة لاحقة متأثرة بما ورد في القرآن الكريم والتقاليد الإسلامية؟

ولا أرى أن التشابه في المعاني يحسم هذا السؤال؛ لأن تحديد تاريخ النص ومصادره يحتاج إلى أدلة تتعلق بالمخطوطات واللغة وطريقة انتقال الروايات.

ماذا يقول القرآن الكريم عن البشارة برسول يأتي بعد عيسى؟

يقرر القرآن الكريم أن السيد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام بشّر برسول يأتي بعده اسمه أحمد، كما ورد في قوله تعالى:

«وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ» (سورة الصف، الآية 6).

ومن المنظور الإسلامي، فإن البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم ثابتة بنص القرآن، ولا تتوقف على ثبوت صحة إنجيل برنابا أو عدم صحتها.

وهذا التفريق مهم؛ لأن الإيمان بالنص القرآني شيء، والتحقق من صحة مخطوطة تاريخية منسوبة إلى أحد أتباع المسيح شيء آخر.

إنجيل برنابا وبشرية المسيح عليه السلام

ينقل إنجيل برنابا حوارًا بين المسيح وتلاميذه يرفض فيه وصفه بأنه ابن الله، ويؤكد أنه إنسان ونبي أرسله الله إلى بني إسرائيل.

ويورد الكتاب في هذا السياق قصة توبيخ بطرس بعد أن نسب إلى المسيح وصفًا يرفضه النص، ثم يربط ذلك بالتأكيد على وحدانية الله وتنزيهه عن مشابهة البشر.

وهذا الموقف يقترب من العقيدة الإسلامية التي تقرر بشرية المسيح ونبوته، كما في قوله تعالى:

«إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ» (سورة النساء، الآية 171).

غير أن المسيحية التقليدية تقدم تفسيرًا مختلفًا لطبيعة المسيح، وتعد الأناجيل الأربعة جزءًا من نصوصها المقدسة المعتمدة. ومن ثم فإن الاختلاف هنا عقائدي وتاريخي، ولا يصح اختزاله في مجرد وجود كتاب يؤيد تصورًا دينيًا ويخالف آخر.

رواية الصلب في إنجيل برنابا

من الاختلافات الجوهرية أيضًا أن إنجيل برنابا المتداول يروي أن المسيح عليه السلام لم يُصلب، وأن يهوذا الإسخريوطي أُلقي عليه شبه المسيح، فكان هو الذي قُبض عليه وصُلب بدلًا منه.

وتختلف هذه الرواية عن السرد الوارد في الأناجيل الأربعة المعتمدة لدى المسيحيين، التي تجعل صلب المسيح وقيامته من الأحداث المحورية في الإيمان المسيحي.

أما القرآن الكريم فينفي قتل المسيح وصلبه على النحو الذي ادعاه مخالفوه، ويقول تعالى:

«وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ» (سورة النساء، الآية 157).

لكن القرآن لا يسمي يهوذا الإسخريوطي بوصفه الشخص الذي صُلب بدلًا من المسيح، ولذلك ينبغي عدم الخلط بين ما يثبته النص القرآني وما تضيفه رواية إنجيل برنابا من تفاصيل.

عودة المسيح وأخنوخ وإيليا في النص المنسوب إلى برنابا

يتضمن إنجيل برنابا كذلك مقطعًا ينسب إلى المسيح عليه السلام حديثًا عن عودته قبيل نهاية العالم، وأن أخنوخ وإيليا سيكونان معه للشهادة على الأشرار.

ويثير هذا المقطع تساؤلات بشأن مصادر الكاتب، ومدى تأثره بالتقاليد الدينية اليهودية والمسيحية والإسلامية المتعلقة بأحداث آخر الزمان.

ولا ينبغي اعتبار كل تفصيل ورد في هذه الرواية حقيقة دينية ثابتة لمجرد نسبته إلى المسيح في كتاب لم تثبت أصالته التاريخية.

مشاهد البعث والحساب والشفاعة في إنجيل برنابا

يفرد إنجيل برنابا مساحة واسعة لوصف يوم القيامة والبعث والحساب، ويتحدث عن الأنبياء والملائكة والشفاعة، ويقدم مشاهد مطولة ينسبها إلى المسيح عليه السلام.

ومن بين هذه المشاهد وصف لقيام الخلائق، واجتماع الأنبياء، وتقدم النبي محمد صلى الله عليه وسلم للشفاعة، إضافة إلى حوارات تفصيلية بين الخالق ورسوله.

وهنا تظهر واحدة من أهم ملاحظاتي على الكتاب؛ إذ إن بعض هذه الأوصاف يتضمن معاني قريبة من التصور الإسلامي للآخرة، لكنه يضيف تفاصيل وعبارات لا أرى إمكان التسليم بصحتها دون دليل.

كما أن بعض الأساليب الحوارية الواردة في النص لا تنسجم، في تقديري، مع ما يقتضيه تنزيه الله تعالى، ولا يمكن اعتمادها بوصفها وحيًا لمجرد وجودها في كتاب يحمل اسم إنجيل.

هل كان برنابا من تلاميذ المسيح الاثني عشر؟

من الملاحظات التي استوقفتني أن إنجيل برنابا المتداول يدرج برنابا ضمن التلاميذ الاثني عشر الذين اختارهم المسيح عليه السلام، ويقدمه بوصفه الشخص الذي يسجل سيرته وأحاديثه.

لكن قائمة التلاميذ الاثني عشر الواردة في الإصحاح العاشر من إنجيل متى لا تتضمن اسم برنابا.

وهذا الاختلاف يستحق الانتباه؛ لأنه يتعلق بهوية الكاتب المزعوم وصلته المباشرة بالأحداث التي يرويها، ويزيد الحاجة إلى التحقق من أصل النص وتاريخ تأليفه.

ولا يعني ذلك أن برنابا لم يكن شخصية معروفة في تاريخ المسيحية المبكرة، بل يعني أن إدراجه ضمن الاثني عشر يحتاج إلى دليل لا توفره القوائم المعروفة في الأناجيل المعتمدة.

النبي المنتظر في سفر التثنية.. من المقصود به؟

من النصوص التي تثير النقاش بين المسلمين والمسيحيين ما ورد في سفر التثنية، الإصحاح الثامن عشر، بشأن إقامة نبي من بين إخوة بني إسرائيل.

ويختلف تفسير هذا النص باختلاف الخلفية الدينية؛ فهناك قراءات إسلامية تربطه بالبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، بينما توجد تفسيرات يهودية ومسيحية أخرى تحدد المقصود بصورة مختلفة.

ومن وجهة نظري، فإن النص يحتاج إلى دراسة سياقه الكامل، ولا يكفي الاعتماد على عبارة منفردة لحسم المقصود به دون النظر إلى بقية الأسفار والتقاليد التفسيرية.

هل تأثر كاتب إنجيل برنابا بالقرآن الكريم؟

يتضمن إنجيل برنابا قصصًا وموضوعات تتقاطع مع ما ورد في القرآن الكريم والتقاليد الإسلامية، ومنها قصة إبراهيم عليه السلام وتحطيم الأصنام، وموقفه من عبادة قومه، وروايات عن آدم والشيطان، إلى جانب مسائل تتعلق بالختان والبعث والحساب.

وقد دفعني هذا التشابه إلى التساؤل: هل نقل كاتب الإنجيل هذه التفاصيل من تقاليد قديمة لم تصل إلينا كاملة، أم أنه تأثر بالقرآن الكريم والسنة النبوية ثم أعاد صياغة المادة ضمن كتابه؟

ولا أرى أن مجرد التشابه يثبت أيًا من الاحتمالين؛ فوجود قصة في مصدرين لا يحدد وحده اتجاه الاقتباس بينهما، كما أن القول بحذفها من نصوص أخرى يحتاج إلى أدلة مستقلة.

ومن الملاحظ أيضًا أن الحوارات المنسوبة إلى المسيح في إنجيل برنابا طويلة ومفصلة، وتتضمن أحيانًا أساليب جدلية وفكرية قد تبدو أقرب إلى طبيعة النقاشات الدينية في العصور الوسطى منها إلى النصوص القصيرة التي تحفظها المصادر المسيحية المبكرة.

وهذا الانطباع الشخصي لا يكفي لتأريخ الكتاب، لكنه ينسجم مع ضرورة دراسته لغويًا ونصيًا بدل الاعتماد على نسبته المعلنة فقط.

تناقضات وإشكالات داخل إنجيل برنابا

رغم ما يتضمنه الكتاب من دعوات إلى البر والتوبة وتقوى الله، فإنني وجدت فيه مجموعة من الإشكالات التي تحول دون اعتباره نصًا دينيًا موثوقًا بمجرد توافق بعض أجزائه مع العقيدة الإسلامية.

أولًا: استخدام لقب المسيح أو «المسيا»

ينسب الكتاب إلى عيسى عليه السلام نفي كونه «المسيا» في بعض الحوارات، ويربط هذا اللقب بالنبي المنتظر، بينما يصف القرآن الكريم عيسى ابن مريم بأنه المسيح.

ويقول تعالى:

«إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ» (سورة آل عمران، الآية 45).

وهذا الاختلاف يثير تساؤلًا حول المعنى الذي قصده مؤلف الكتاب من لقب «المسيا»، ومدى اتساق استعماله مع النصوص الدينية الأخرى.

ثانيًا: تفاصيل لا يثبتها القرآن الكريم

يتضمن إنجيل برنابا أوصافًا للملائكة والسموات وأحداث الآخرة، إلى جانب أقوال عن عدد الأنبياء، لا يمكن اعتبارها جميعًا من الحقائق الثابتة في الإسلام لمجرد ورودها في هذا الكتاب.

ومن أمثلة ذلك ما يُنقل عن الكتاب بشأن عدد السموات وبعض أوصاف الملائكة؛ وهي أمور تستدعي مقابلة دقيقة بالنص القرآني والمرويات المعتبرة قبل قبولها.

ثالثًا: أحكام تتعلق بالزواج والشريعة

يشتمل النص على تعاليم أخلاقية وتشريعية تختلف في بعض جوانبها عن الأحكام المعروفة في الفقه الإسلامي، ومنها ما يتعلق بالزواج.

وهذه الاختلافات تجعل من الصعب افتراض أن مؤلف الكتاب كان يسعى ببساطة إلى نقل العقيدة الإسلامية كما هي، دون إضافات أو تصورات خاصة به.

رابعًا: غياب موضوعات إسلامية محورية

يتوسع إنجيل برنابا في الحديث عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، لكنه لا يقدم، بحسب قراءتي، عرضًا مماثلًا لقصة بناء الكعبة المشرفة والدعوة إلى الحج كما ترد في القرآن الكريم.

كما يختلف عرضه لبعض الشخصيات والأحداث عن الروايات المعروفة في القرآن والأناجيل، ومنها ما يتعلق بيحيى عليه السلام والشيطان.

والغياب وحده ليس دليلًا على بطلان النص، لكنه يصبح عنصرًا يستحق الدراسة عندما يجتمع مع اختلافات أخرى في الأسماء والأحداث والمفاهيم.

خامسًا: عبارات لا أراها مناسبة لمقام الألوهية والنبوة

من أكثر ما أثار تحفظي بعض العبارات التي يصور بها الكتاب علاقة الله تعالى بخلقه، أو يقدم فيها حوارات تفصيلية بين الله ورسوله يوم القيامة.

وأرى أن عددًا من هذه التعبيرات لا ينسجم مع ما أفهمه من تنزيه الله تعالى وعصمة الأنبياء، ولذلك لا أقبل نسبتها إلى الوحي أو إلى السيد المسيح عليه السلام دون دليل موثوق.

هل يمكن أن يكون مؤلف إنجيل برنابا مسلمًا؟

ذهب بعض الباحثين إلى احتمال تأثر مؤلف إنجيل برنابا بالإسلام، أو انتمائه إلى بيئة دينية تداخلت فيها التقاليد المسيحية والإسلامية، بينما طُرحت آراء أخرى بشأن أصله الثقافي والديني.

لكنني أرى أن المسألة ليست بهذه البساطة؛ فالكتاب يحتوي على معرفة واسعة بمادة العهد القديم والعهد الجديد، وفي الوقت نفسه يتضمن عناصر قريبة من التصور الإسلامي، وأخرى تختلف عنه.

فإذا افترضنا أن مؤلفه كان مسلمًا أراد صياغة كتاب يتفق تمامًا مع الإسلام، فلماذا أدرج تفاصيل لا تتوافق مع بعض ما ورد في القرآن الكريم؟ ولماذا أغفل موضوعات أساسية كان يفترض أن يعرفها؟

هذه الأسئلة لا تنفي احتمال أن يكون المؤلف مسلمًا أو متأثرًا بالإسلام، لكنها تجعل من الضروري تجنب الأحكام السريعة بشأن هويته ودوافعه.

ومن الممكن أيضًا أن يكون النص ثمرة إعادة صياغة لمواد دينية متعددة، جمعها مؤلف عاش في بيئة ثقافية متأثرة بأكثر من تقليد ديني.

رأيي الشخصي في إنجيل برنابا

بعد قراءة إنجيل برنابا والتأمل في عدد من نصوصه، أرى أنه كتاب يستحق الدراسة بوصفه وثيقة دينية وفكرية مثيرة للاهتمام، لكنه لا يقدم في صورته المتداولة دليلًا كافيًا على أنه كُتب في زمن السيد المسيح عليه السلام.

ولا أنكر أن فيه دعوات إلى الخير والتوبة والإخلاص في عبادة الله، وهي معانٍ يمكن للقارئ المسلم أن يتأملها ما دامت لا تتعارض مع القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة.

لكن وجود هذه المعاني لا يجعل جميع ما ورد فيه صحيحًا، كما أن اختلافه مع الأناجيل الأربعة لا يثبت تلقائيًا أنه يمثل النص الأصلي الذي سبقها أو أنه نجا من التحريف.

وأرى أن الاحتمال الذي يستحق النظر هو أن يكون مؤلف الكتاب قد استفاد من روايات مسيحية قديمة، ثم أعاد صياغتها في ضوء أفكار ومعتقدات أخرى وصلت إليه، وربما أضاف إليها تصورات خاصة به.

وفي المقابل، فإن القول بوجود أقوال أصلية للمسيح داخل الكتاب يحتاج إلى إثبات مستقل؛ فلا يكفي أن يبدو القول معقولًا أو منسجمًا مع عقيدة القارئ لكي ننسبه بثقة إلى نبي من أنبياء الله.

وأعتقد أن دراسة هذا الكتاب ينبغي أن تبدأ من مخطوطاته ولغته وتاريخه ومصادره، ثم تنتقل إلى مقارنة أفكاره بالنصوص الدينية الأخرى، مع الفصل بين الإيمان الديني والبحث التاريخي.

الخلاصة: هل يحسم إنجيل برنابا الجدل حول البشارة بالنبي محمد؟

في نهاية هذه القراءة، أرى أن الجدل حول إنجيل برنابا لا يمكن حسمه بالانطباعات أو بمجرد توافق بعض نصوصه مع العقيدة الإسلامية، كما لا يجوز تجاهل الإشكالات التاريخية والنصية التي تحيط به.

فالكتاب يجمع بين روايات عن حياة المسيح عليه السلام، وبشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأفكار أخلاقية ودينية، إلى جانب تفاصيل وتناقضات تستدعي النقد والتمحيص.

وقد يبقى السؤال عن شخصية مؤلفه ودوافعه وتاريخ صياغته محل بحث، لكن ذلك لا يغير حقيقة أن نسبته إلى برنابا التاريخي لم تثبت وفق الأدلة المتاحة.

أما نحن المسلمين، فإن إيماننا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وبنبوة عيسى ابن مريم عليه السلام يقوم على القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، ولا يتوقف على صحة كتاب منسوب إلى برنابا.

وفي جميع الأحوال، فإن دراسة النصوص الدينية المختلفة قد توسع فهمنا للتاريخ وتطور الأفكار، بشرط أن نتعامل معها بعقل ناقد، وأن نميز بين الرواية والبرهان، وبين الاحتمال والحقيقة.

والله أعلم بحقيقة هذا الكتاب وأصل تأليفه.

سهيلة عمر

مراجع للاستزادة والتحقق التاريخي

يان يوستن، تاريخ إنجيل برنابا وأصله، مجلة الدراسات اللاهوتية، جامعة أكسفورد، 2010.

يان يوستن، إنجيل برنابا والدياتسارون، مجلة هارفارد اللاهوتية، 2002.

الموسوعة الإيطالية تريكاني: إنجيل برنابا، مادة موسوعية عن تاريخ النص وإشاراته القديمة.

موسوعة الكتاب المقدس: إنجيل برنابا، مرجع عن تاريخ الكتاب والتمييز بين الإشارات القديمة والنص المتداول.

تنويه تحريري: يعبر المقال عن قراءة الكاتبة الشخصية. وأُضيفت المراجع التاريخية لتوضيح ما هو مثبت في الدراسات الأكاديمية وما يبقى في نطاق الروايات والاحتمالات.