الانتخابات وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره

الانتخابات وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره

بقلم: معتصم حمادة

عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره هو حق مقدس، تعترف به الشرعيات على اختلاف أنواعها، وهو الهدف الأسمى للشعب الفلسطيني الذي ما زال منذ أكثر من 100 عام يناضل للظفر به، على أرض وطنه، وقدم من أجل ذلك مئات آلاف الشهداء، والجرحى والمعاقين، وعانى طويلًا في مواجهة الحروب التي شنت عليه، وتصدى لها، مؤكدًا أصالته الوطنية، وصلابته السياسية، وعنفوانه التاريخي.

الوصاية والانتداب... البداية

ولعل المحطة التاريخية المعاصرة التي حُرم الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير مصيره، يوم توافق الاستعمار الفرنسي مع البريطاني، على فرض وصاية المملكة المتحدة على فلسطين وشعبها، بذريعة تهيئته سياسيًا وحضاريًا وإداريًا، لإقامة دولته المستقلة، بينما لم يُخفِ صك الانتداب أن الهدف من الوصاية كان تنفيذ وعد بلفور وإقامة دولة اليهود على أرض فلسطين، دون استشارة شعبها أو منحه الفرصة للتعبير عن موقفه، لا في استفتاء شعبي، ولا عبر أي وسيلة أخرى، بل على العكس من ذلك فرضت الوصاية البريطانية على شعب فلسطين، بقوة النار والقمع، المشروع الصهيوني، ومزقت وطنه، وحولت الشعب إلى لاجئين عديمي الجنسية.

يؤكد التاريخ أن الشعب الفلسطيني، ومن موقع تمسكه بحقه الثابت في تقرير مصيره، بقي متمسكًا بحقه المقدس في العودة إلى دياره وممتلكاته، رافضًا بقوة كل مشاريع التوطين والتهجير، ومشاريع الوطن البديل، مؤكدًا أن فلسطين وحدها، دون غيرها، هي وطنه، وهي هدفه الدائم الذي لا يكل ولا يمل، ولا يضعف في النضال من أجل استعادته، أيًا كانت الصعوبات والمشقات والتضحيات.

إن الشعب الفلسطيني، بصبره وصموده ونضاله، كان يمارس حقه الوطني الراسخ في تقرير مصيره، رافضًا أن يُرسم له هذا المصير من خارج إرادته وخارج التعبير الصادق عن حقه في وطنه.

الحق المشروع في المقاومة

وإذا كان الشعب الفلسطيني قد أكد في تلك الفترة حقه في تقرير مصيره بالأساليب السلبية، أي رفض مشاريع التوطين والتهجير والوطن البديل، فإنه، مع إعادة بناء حركته الوطنية، وإطلاق مقاومته المسلحة، داخل الأرض المحتلة وخارجها، قد انتقل من الفعل السلبي - إذا جاز التعبير - إلى الفعل الإيجابي. استعاد قضيته بين يديه، وأسس وأعاد بناء مؤسساته الوطنية، ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، وفصائل المقاومة، والمنظمات الشعبية والمجتمعية، كلها ترفض الوصاية الأجنبية، وكلها تتحد من أجل إنجاز الهدف الأسمى، إعادة فلسطين إلى خريطة المنطقة، دولة كباقي الدول، لشعب أصيل من أبناء هذه المنطقة على مر آلاف السنين.

وإذا كان الشعب الفلسطيني قد عبر عن مواقفه هذه دون تنظيم استفتاء تقليدي، إلا أن الوقائع الدامغة أثبتت ذلك بشكل صارخ.

ففي 30/3/1976، خرج الفلسطينيون في أراضي 48 (أي في قلب المشروع الصهيوني)، يرفعون راية فلسطين، ويهتفون أن م. ت. ف. هي ممثلنا الشرعي والوحيد، وأن برنامجها هو برنامجنا الوطني، في إعلان واضح عن إفشالهم لمشاريع التهويد التي حاولت تجريدهم من هويتهم الوطنية، وانتمائهم الأصيل لشعب فلسطين.

الانتفاضة الأولى وحق تقرير المصير

الأمر نفسه تكرر مرارًا في أنحاء الضفة الغربية ومدينة القدس وقطاع غزة. شكلت الانتفاضة الوطنية الكبرى عام 1987 ذروة من ذرى الدروس الوطنية التي ارتفعت فيها رايات فلسطين وم. ت. ف. وبرنامجها الوطني: الحرية وحق تقرير المصير والاستقلال والعودة.

لكن نكسة أوسلو التي أصابت حق تقرير المصير في الصميم، وغدرت بحق الشعب الفلسطيني في ممارسته على أرضه، كانت في الذهاب إلى مغامرة أوسلو، بديلًا للبرنامج الوطني، وفصم العلاقة بين تجمعات الشعب الفلسطيني في أراضي 48، حين ساد الشعور العميق بخيبة الأمل، وبأن الفلسطينيين تُركوا وحدهم في مواجهة نظام عنصري، وفي الشتات، حين سادت أيضًا خيبة أمل، حين شعر اللاجئون أن حقهم في العودة إلى ديارهم، أي حقهم في تقرير مصيرهم على أرضهم، تحول إلى ورقة تفاوضية بخسة، جرى التنازل عنها مقابل مكاسب فئوية، ومشاريع وهمية، ومغامرات غير محسوبة.

جاءت النتائج الدامغة لتؤكد صواب تقديرهم، وما زال أوسلو يجرجر أذياله في الضفة الغربية وقطاع غزة، متخذًا أشكالًا جديدة، من المصادرة والضم والترحيل والتهجير، ونفي الوجود الفلسطيني، وفي قطاع غزة حيث الانحياز الأميركي المفتوح يمنح الاحتلال الإسرائيلي الفرصة لإنجاز مشروعه القائم على الإبادة الجسدية والسياسية. أما في الخارج، فقد بات اللاجئون، خاصة في لبنان وسوريا، مهددين بالجوع والحرمان، تمامًا على غرار أشقائهم في قطاع غزة.

نقطة ضوء باهتة

في ظلام أوسلو بدت نقطة ضوء باهتة، لم تستطع أن تقشع الظلام وأن تزيح السواد: هي انتخابات المجلس التشريعي الأول.

هي باهتة لأن الانتخابات اقتصرت على بعض الفلسطينيين (الضفة والقدس وغزة)، وحرمت الآخرين منها (أراضي 48 ومناطق الشتات).

وهي باهتة (أيضًا) لأنها تحت سقف أوسلو وشروطه، التي تحد من صلاحيات المجلس وتبقيه تحت وصاية الاتفاق، الذي سقطت من بنوده الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وبقيت في عالم المجهول.

باهتة، (ثالثًا)، لأن الشرائح الاجتماعية والقوى السياسية، رأت في غالبيتها، في ظل بنود أوسلو، مساهمة في صنع الجريمة، وبذلك لم يشكل انتخاب المجلس التشريعي تعبيرًا عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ولم يسهم ولو خطوة واحدة في تقريب هذا الحق، بل أسهم في إبراز هشاشة اتفاق أوسلو، وهشاشة السلطة التي قامت على أساسه.

ولا بد أن النزاع الذي نشب في الضفة الغربية بين مؤسسة رئاسة السلطة، ورئاسة الحكومة التي تشكلت بضغط خارجي، قد أبرز مدى هشاشة النظام السياسي القائم على التفرد وعدم تماسكه.

كما أن انتخابات المجلس التشريعي في العام 2006، مثلت تجربة فاشلة للعملية الديمقراطية، وفوتت فرصة على المواطنين للتعبير عن حقهم المشروع في اختيار ممثليهم، بمشاريعهم السياسية المتنوعة، خاصة بعد أن باتت على وجه أوسلو علامات الفشل الذريع، وانسداد الأفق السياسي للوصول إلى حل وطني يكفل مصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه.

انتخابات 2006... صراع على السلطة

جرت الانتخابات عام 2006 في ظل أجواء من الاستقطاب السياسي الحاد، وفي ظل أجواء من الصراع المستميت على المقعد، وفي ظل سلوك إقصائي، أضعف التوازن السياسي في ساحة المعركة، والأخطر من هذا كله أن الانتخابات جرت في ظل ضغوطات سياسية، معنوية ومادية، تعرض لها الناخب في الضفة كما في القطاع، ما أدى إلى ولادة مجلس تشريعي عبر عن افتقاره للقدرة على البقاء، تحولت جلساته إلى قاعة للخلافات الصاخبة خارج الموضوع السياسي الوطني، إلى أن أُطلقت رصاصة الرحمة في 14/6/2007، في المشهد الدموي الذي شهده قطاع غزة آنذاك، فولدت سلطتان، واحدة تبحث عن مواردها في ظل حصار خانق، وأخرى سادتها الكآبة، فبادرت تستنجد بما تبقى من اتفاق أوسلو دون جدوى.

2021... التناقضات

الانتخابات التشريعية في العام 2021 حملت في طياتها تناقضات صارخة.

فقد تمت الدعوة لها في إطار توافق وطني استثنائي، في المؤتمر الوطني في 3/9/2020، بين رام الله وبيروت، نشرت نتائجه أجواء من التفاؤل والإحساس بالتقدم نحو إنهاء الانقسام، واستعادة الوحدة الوطنية، وإنهاء حالة التنازع، بعد أن تقدم المشروع الصهيوني خطوات كبرى على طريق ابتلاع الضفة الغربية.

جرت مشاورات ثنائية بين فتح وحماس، ثم انعقدت جلسات حوار في القاهرة، مهدت لعملية ديمقراطية توافقية أرقى بعناصرها من التجارب السابقة، وشهد الشارع السياسي نهوضًا ملحوظًا، راهنت خلالها شرائح واسعة على أن المجلس التشريعي الجديد يشكل فرصة لإخراج النظام السياسي من أزمته، والحالة الوطنية من تشتتها، وصون الأرض والحقوق الوطنية المشروعة.

الحسابات الضيقة والمصالح الفئوية، والاستماتة للتمسك بالسلطة، أدت إلى إفشال التجربة بمرسوم رئاسي، ألغى الانتخابات في ذروة الاستعداد لها، ما أدى إلى خيبة أمل واسعة لدى الشارع الفلسطيني، في صلاحية السلطة القائمة ومدى جدارتها وكفاءتها، في إدارة الشأن العام، وقيادة مركبه إلى بر الأمان، والوصول به إلى محطة الاستحقاق الوطني الكبير: الظفر بالحرية والاستقلال وحق تقرير المصير.

مثل هذه الخطوة السلبية أدت إلى توسيع الهوة بين الحالات الوطنية والنظام السياسي، وهبوط الأداء السياسي الرسمي والمؤسساتي إلى أدنى مستوياته، وساد الفساد في كل مكان، رافقته حملات الترويع على يد السلطة الفلسطينية، كما على يد قوات الاحتلال، وسادت سياسة الترويع المزدوجة، وباتت علامات الانفجار الفوضوي واضحة في الاستعصاءات اليومية بأشكالها المختلفة، وكلها علامات ضعف سياسي، وضع مصير السلطة في الدوائر الدولية على بساط البحث.

كما رأت فيها الدوائر الأميركية فرصة لإعادة صياغتها سياسيًا ومؤسساتيًا، وصياغة برامجها على أسس تؤهلها للانخراط في مشروع سياسي، يقوم على أنقاض المشروع الوطني.

فبرزت شعارات ضد «الإرهاب والعنف»، والتهرب من الحقوق الوطنية لعوائل الأسرى والشهداء، وإعادة النظر ببرامج التعليم، وإعادة صياغة معايير الهوية الوطنية وعناصرها، وفرض الحصار على الفصائل الفلسطينية المدرجة على القائمة الأميركية للإرهاب، وإجراءات أخرى وردت في دفتر الشروط الأميركية التي قدمها إلى السلطة، مستشار الأمن القومي في إدارة بايدن، جيك سوليفان، وتابعت تفاصيلها الدبلوماسية الأميركية باربرا ليف.

لقد شكلت حرب أكتوبر 2023 متنفسًا لسلوك السلطة في إدانة المقاومة ووصفها بالإرهاب، ودعوة الشعب الفلسطيني في القطاع إلى الاستسلام، والرضوخ لمشاريع الحلول الإسرائيلية – الأميركية القائمة على ترحيل سكان غزة خارج بلادهم.

انتخابات 2026... الدعوة من أجل الإلغاء

الدعوة إلى الانتخابات في العام 2026، جرت في هذا السياق، وفي حسابات الداعين لها، أنها امتحان صعب، يمكن التهرب منه، مستفيدين من الأوضاع السائدة في القطاع، وفي القدس وحتى في الضفة الغربية.

لقد استشعرت القيادة السياسية في السلطة أن الانتخابات ما هي إلا حرب، سوف تخرج بنتائج «غير مسيطر عليها»، فقد سارع عشرات الآلاف من الناخبين في الضفة إلى تجديد سجلاتهم الناخبة (أكثر من مليون ناخب)، لذلك استقبلت الحالة الوطنية في القطاع الدعوة للانتخابات على أنها فرصة لإعادة ترتيب الصف الوطني في ظل وصاية «مجلس السلام»، وإعادة تجديد الوحدة الجغرافية والمؤسساتية بين الضفة والقطاع، وقطع الطريق على المشاريع البديلة.

كشفت الدعوة إلى الانتخابات عن خارطة حزبية، وموازين سياسية جديدة، من شأنها أن تصنع مشهدًا مختلفًا في مظهره العام عن المشهد الحالي، بحيث تتشكل مؤسسة وطنية في السلطة الفلسطينية وفي م. ت. ف، تعكس توازنات وتحالفات وتقاطعات، تحدث تغييرًا في الحالة العامة، وبالتالي بدت تطل برأسها الدعوات إلى «تأجيل» الانتخابات، والبحث عن «تسويات» تحد من الخسارة التي كانت تنتظر أصحاب النفوذ في الحالة السياسية، وتراهن في الوقت نفسه على إمكانية الدخول في منعطفات غير محسوبة، قد تقود إلى صياغة المشهد السياسي الجديد.

اللافت للنظر أن هذه الرؤية جمعت في إطارها ما كان يبدو متناقضات سياسية لفتح وحماس والشعبية والجهاد، ما يدلل على أن هذه التوافقات على التأجيل، والتي صدر بشأنها قرار رئاسي، كانت الخلفية المشتركة لأصحاب الحسابات الفئوية أو الحزبية الضيقة.

وأيًا كانت المقاصد من التعطيل، فإنه خطوة سياسية خطرة، تشكل تعديًا سافرًا على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، واختيار ممثليه في المؤسسات الوطنية الجامعة، وإعادة بناء النظام السياسي العاجز، واستعادة وحدته الداخلية، بما يمكنه من امتلاك القوة لمواجهة ما يتعرض له من أعمال عدائية بين الضفة الغربية وفي قطاع غزة والقدس، بمظاهرها المختلفة.

فرصة أخرى حُرم فيها الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير مصيره تحت ظل سلطة راكمت هلوسات تدعي حرصها المزعوم على المصلحة الوطنية.

معتصم حمادة – عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير نداء الوطن.