
في مشهد إنساني مؤلم أعاد إلى الواجهة مأساة آلاف المفقودين تحت أنقاض المنازل المدمرة، شيّع الفلسطينيون في مدينة غزة، صباح الأحد 18 أكتوبر 2026، رفات 75 شهيدًا انتُشلت من تحت ركام مبانٍ استهدفها جيش الاحتلال الإسرائيلي في حي الدرج، فيما تشير تقديرات الدفاع المدني إلى بقاء نحو 8 آلاف جثمان تحت الأنقاض في أنحاء القطاع.
وجاء التشييع بعد انتظار طويل عاشته عائلات الشهداء، التي فقدت أقاربها خلال القصف الإسرائيلي الذي طال الحي في الأشهر الأولى من الحرب، ولم تتمكن من الوصول إلى جثامينهم طوال تلك الفترة بسبب الدمار الواسع وصعوبة عمليات البحث والانتشال.
وداع 75 شهيدًا في حي الدرج بمدينة غزة
شارك مئات الفلسطينيين في مراسم تشييع رفات الشهداء، التي انطلقت من ساحة قرب نادي الدرج الرياضي، بحضور عائلات الضحايا وطواقم الدفاع المدني وشخصيات مجتمعية.
ووفق وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية «وفا»، أدّى المشيّعون صلاة الجنازة على رفات الشهداء بعد وضعها في أكفان غُطيت بالأعلام الفلسطينية وصور أصحابها، قبل نقلها إلى مقبرة الشيخ رضوان بمدينة غزة لمواراتها الثرى.
وكان ذوو الشهداء قد تجمعوا مساء السبت لتوديع رفات أقاربهم، في مشهد امتزجت فيه الدموع بالشموع وصور الأحبة الذين غابوا منذ سنوات.
عائلات انتظرت سنوات لتوديع أبنائها
لم تكن مراسم التشييع مجرد جنازة جماعية، بل مثّلت لحظة وداع تأخرت سنوات بالنسبة لعائلات فقدت أفرادًا منها في قصف منازل ومربعات سكنية خلال الحرب.
وتحدثت روان أبو خضير، وفق ما نقلته وكالة «وفا»، عن فقدان زوجها وأطفالها في الثالث من ديسمبر 2023، موضحة أن العثور على رفاتهم أعاد إليها ألم الفقد الذي لم يتوقف منذ ذلك اليوم.
كما روت فريال علوان أنها فقدت 17 فردًا من عائلتها، بينهم نساء وكبار سن، بعد استهداف منزل العائلة الذي كان يؤوي عددًا من الأقارب.
وتُظهر هذه الشهادات جانبًا من المعاناة الممتدة للأسر التي لم تتمكن من دفن أحبائها، أو معرفة مصيرهم بصورة نهائية، طوال سنوات الحرب والدمار.
كيف استُشهد الضحايا في حي الدرج؟
تعود مأساة عدد من العائلات التي شملها التشييع إلى قصف إسرائيلي استهدف مربعًا سكنيًا في حي الدرج صباح الثالث من ديسمبر 2023، وأدى، وفق التقارير الفلسطينية، إلى استشهاد أكثر من 90 فلسطينيًا.
وشملت العائلات المتضررة عائلات فلسطينية عدة، من بينها عطا الله والقهوجي وحجاج وعلوان، فيما بقيت جثامين ضحايا تحت ركام المنازل بسبب صعوبة الوصول إليها.
وأفادت تقارير بأن رفات الشهداء الذين جرى تشييعهم الأحد انتُشلت خلال عمليات بحث حديثة في الحي، قبل تسليمها لعائلاتهم واستكمال إجراءات الدفن.
أرقام تكشف حجم المأساة
75 شهيدًا: عدد الرفات التي جرى تشييعها في حي الدرج يوم 18 أكتوبر 2026.
نحو 8 آلاف: تقدير لعدد الجثامين التي لا تزال تحت أنقاض المباني المدمرة في قطاع غزة.
ديسمبر 2023: الفترة التي يعود إليها القصف الذي أدى إلى استشهاد عدد من الضحايا المشمولين بالتشييع.
8 آلاف جثمان تحت الأنقاض في قطاع غزة
وفي موازاة مراسم التشييع، حذّر الدفاع المدني في قطاع غزة من استمرار وجود نحو 8 آلاف جثمان تحت ركام المنازل والمباني التي دمرها القصف الإسرائيلي، في ظل نقص حاد في المعدات الثقيلة اللازمة لعمليات البحث والانتشال.
وأوضح متحدث باسم الدفاع المدني، في تصريحات نقلتها قناة الجزيرة، أن عمليات الانتشال تتطلب عشرات الحفارات والجرافات والمعدات المتخصصة، فضلًا عن أدوات الحماية الضرورية للطواقم العاملة في المواقع المدمرة.
وتواجه الفرق المختصة صعوبات كبيرة بسبب حجم الدمار، ومخاطر المباني الآيلة للسقوط، ونقص الوقود وقطع الغيار، إلى جانب تعذر الوصول إلى بعض المواقع.
الدفاع المدني يطالب بإدخال معدات الإنقاذ
طالب الدفاع المدني بتوفير معدات وآليات ثقيلة بصورة عاجلة، لتمكين طواقمه من مواصلة البحث عن المفقودين وانتشال الجثامين من تحت الأنقاض.
وأكدت الطواقم أن استمرار نقص الإمكانات لا يؤخر عمليات الانتشال فحسب، بل يزيد المخاطر التي تواجه العاملين في المواقع المدمرة، ويطيل معاناة آلاف العائلات التي تنتظر معرفة مصير أقاربها.
وتبرز هذه المطالب الحاجة إلى دعم إنساني وفني متخصص، يشمل الآليات الثقيلة ومعدات الحماية وفرق البحث، بما يتيح التعامل مع ملف المفقودين بصورة آمنة ومنظمة.
جنازات جماعية تكشف استمرار آثار الحرب
وتأتي جنازة حي الدرج ضمن سلسلة من مراسم التشييع الجماعية التي شهدها قطاع غزة خلال الأشهر الماضية، عقب تمكن فرق الإنقاذ من الوصول إلى مواقع كانت مغلقة أو يصعب العمل فيها.
وتؤكد هذه المشاهد أن التداعيات الإنسانية للحرب لا تتوقف عند انتهاء القصف في منطقة ما، إذ تستمر معاناة العائلات في البحث عن المفقودين وتحديد مصيرهم وتوفير دفن كريم للضحايا.
وبينما وارت عائلات حي الدرج رفات أحبائها الثرى، لا تزال آلاف الأسر الفلسطينية تنتظر فرصة مماثلة، في ظل حجم الدمار الكبير الذي خلّفته الحرب في مختلف مناطق القطاع.
إعداد وتحرير: نداء الوطن