
بقلم: إبراهيم أبو عواد (كاتب من الأردن) — لَيس التاريخُ دفترًا هادئًا نعود إليه كلما أردنا أن نعرف ماذا حدث. التاريخُ في بعض لحظاته جُرْحٌ لا يندمل، وذاكرة ترفض أن تتحوَّل إلى ماضٍ. وحين يدخل التاريخُ إلى الرواية، لا يعود مُجرَّد تواريخ وأسماء ومعارك وسُلالات، يصير لحمًا بشريًّا، ووجعًا دائمًا، وخوفًا مُستمرًّا، وأسئلة عميقة.
1. مفهوم التاريخ والرواية بين الأعرج وساراماغو
مِن هذا المنعطف الحرج يمكن قراءة تجربة الروائي الجزائري واسيني الأعرج (وُلد 1954) وتجربة الروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو (1922 - 2010 / نوبل 1998). إنَّهما كاتبان لا ينظران إلى التاريخ بوصفه حقيقة مكتملة، وإنَّما بوصفه سُلطة تركتْ آثارها في الإنسان الذي لَم يملك يومًا حقَّ كتابة الرواية الرسمية عن نَفْسِه:
- التاريخ عند واسيني الأعرج: مُشبع بذاكرة المكان العربي والجزائر المحملة بطبقات الاستعمار والحروب والانكسارات، حيث يجد الإنسان نفسه داخل تاريخ كُتِبَ مِن فَوق وطُلب منه تصديقه.
- التاريخ عند جوزيه ساراماغو: يتحوَّل إلى مادة للسؤال والارتياب؛ يفتح شقًّا في الرواية الرسمية ليترك الشخصيات تتقدَّم في العتمة وكأن الحقيقة كائن مرتبك.
- فاجعة التاريخ: تكمن في إعادة صياغة القسوة بلغة محترمة، فيتحول القاتل إلى بطل والضحية إلى هامش، ويُطلب من الأجيال حفظ أسماء المنتصرين بدل الإصغاء لأنين الساقطين.
2. مقارنة نقدية بين التجربتين الروائيتين
تختلف أدوات الاشتغال السردي لدى الكاتبين في تفكيك السلطة التاريخية والمواجهة مع الذاكرة الرسمية، كما يوضح الجدول التالي:
| وجه المقارنة | واسيني الأعرج (الجزائر) | جوزيه ساراماغو (البرتغال) |
|---|---|---|
| منطلق الكتابة | يكتب من قلب ذاكرة مجروحة وعاطفة ملتصقة بالهوية والمكان. | يكتب من موقع أكثر سخرية وشكًّا في المسلّمات التاريخية. |
| أسلوب المواجهة | مواجهة مباشرة؛ التاريخ يدخل البيوت والعائلة والحب واللغة ليُحاسَب. | طريقة مراوغة تزعزع اليقين وتمنح الهامشي مساحة لم يمتلكها. |
| المأخذ أو المطب السردي | خطر الاستغراق في الذاكرة وتحويل الشخصيات إلى حوامل للأفكار. | تحول السخرية إلى مسافة باردة وتحول الإنسان إلى فكرة فلسفية. |
📖 من يملك حق رواية الماضي؟
إن الرواية حين تتناول التاريخ لا تهدف لإعادة الموتى ولا إصلاح ما انكسر، بل تمنع النسيان من أن يصبح انتصاراً ثانياً للظلم.
👉 اقرأ المزيد من المقالات الدراسات الأدبية على نداء الوطن* التاريخ ليس ما حدث فقط، بل ما بقي من الإنسان بعد أن حدث.
الوسوم والكلمات المفتاحية:
#واسيني_الأعرج #جوزيه_ساراماغو #الرواية_والتاريخ #إبراهيم_أبو_عواد
أسئلة شائعة حول المقال النقدي
س: ما هي "فاجعة التاريخ" كما يطرحها المقال؟
ج: فاجعة التاريخ لا تكمن فقط في قسوة الماضي، بل في إعادة صياغتها بلغة محترمة تحول القاتل إلى بطل والضحية إلى هامش وتُهمّش أنين المظلومين.
س: كيف يتناول واسيني الأعرج ذاكرة التاريخ في أعماله الروائية؟
ج: يتناول الأعرج التاريخ كذاكرة متوترة ومجروحة تدخل في الجسد والعائلة واللغة، حيث يعود إلى الماضي لا ليرويه فقط بل ليحاسبه.
س: ما الأسلوب الذي يتبعه جوزيه ساراماغو لتفكيك التاريخ الرسمي؟
ج: يتبع ساراماغو أسلوب الشك والسخرية الفكرية، حيث يغير زاوية النظر ويمنح المساحة للهامشي ليزعزع يقين السرديات الرسمية التي صاغتها القوة.
س: ما هو الهدف الأساسي للرواية التاريخية حسب المقال؟
ج: تهدف الرواية إلى استعادة صوت المظلومين المسروق ومواجهة الترتيب الظالم للذاكرة، لمنع النسيان من أن يصبح انتصاراً ثانياً للظلم.