اعتراف النبي دانيال بخطايا بني إسرائيل ونبوءاته عن الخراب الثاني للهيكل عام 70 م ويوم القيامة
خاص - نداء الوطن: يُعد سفر دانيال من أبرز أسفار العهد القديم التي تجمع بين التوثيق التاريخي والنبوءات الرؤيوية، حيث ينفرد بذكر الملاك جبرائيل بالاسم وتقديم نبوءات صريحة حول مجيء المسيح والخراب الثاني للهيكل وحوادث يوم القيامة، في مقال تحليلي تقدمه الكاتبة سهيلة عمر عبر شبكة نداء الوطن.
ينسب التقليد اليهودي والمسيحي سفر دانيال إلى النبي دانيال من سبط يهوذا، والذي سُبي إلى بابل في عهد نبوخذنصر الثاني وخدم في البلاطين البابلي والفارسي خلال القرن السادس قبل الميلاد. وعلى الرغم من أن دانيال يُعد من أنبياء بني إسرائيل عند جمع من علماء المسلمين، إلا أن اسمه لم يذكر صراحة في القرآن الكريم أو في حديث صحيح مشهور تثبت نبوته قاطعاً.
ومع التأكيد الإيماني والتاريخي على أن كافة أسفار العهدين القديم والجديد قد طالها التحريف والتبديل من قبل أهل الكتاب وفق أهوائهم -بحيث لا يُعتمد على ما ورد فيها كأصل صحيح مطلق لجميع ما نطق به الأنبياء- إلا أن السفر يتضمن تقاطعات ملحوظة مع العقيدة الإسلامية، لا سيما في توبيخ بني إسرائيل وإدانة فسادهم الذي أدى لخراب أورشليم وتشتتهم.
هيكلية ملخص سفر دانيال (الإصحاحات 1 - 12)
- الإصحاح 1: ثبات دانيال ورفاقه على الشريعة ورفضهم طعام الملوك، فمُنحوا الحكمة والفهم.
- الإصحاح 2: تفسير حلم تمثال نبوخذنصر الرمز لتعاقب الممالك العالمية.
- الإصحاح 3: نجاة شدرخ وميشخ وعبدنغو من أتون النار لرفضهم عبادة الأوثان.
- الإصحاح 4: تأديب الله للملك نبوخذنصر وتواضعه بعد الكبرياء.
- الإصحاح 5: تفسير الكتابة الجدارية في وليمة بلشاصر وإعلان سقوط بابل.
- الإصحاح 6: نجاة دانيال من جب الأسود لأمانته.
- الإصحاحات 7–12: رؤى مستقبلية عن الصراعات، مجيء المسيح، القيامة، وانتصار ملكوت الله.
وتجدر الإشارة إلى أن الملاك جبرائيل لم يُذكر باسمه الصريح في العهد القديم إلا في سفر دانيال، بينما لم يُذكر في العهد الجديد بالاسم إلا في إنجيل لوقا (عند بشارة زكريا بميلاد يوحنا، وبشارة مريم العذراء بميلاد عيسى عليه السلام).
أولاً: صلاة دانيال والاعتراف بخطايا بني إسرائيل
تتمحور اللعنات في أسفار الأنبياء حول أسباب متكررة تمثلت في عبادة الأوثان، نقض العهود، الظلم الاجتماعي، فساد القضاة والكهنة، والاتكال على القوى السياسية. وفي الإصحاح التاسع يرفع دانيال صلاة تضرع واعتراف جاء فيها:
"أخطأنا وأثمنا وعملنا الشر، وتمردنا وحدنا عن وصاياك وعن أحكامك. وما سمعنا من عبيدك الأنبياء الذين باسمك كلموا ملوكنا ورؤساءنا وآباءنا وكل شعب الأرض... فسكبت علينا اللعنة والحلف المكتوب في شريعة موسى عبد الله، لأننا أخطأنا إليه..."
ثانياً: نبوءة جبرائيل وإعادة البناء ثم الخراب الثاني
في الإصحاح التاسع أيضاً، يأتي الملاك جبرائيل برؤيا "السبعين أسبوعاً" (المفسرة بـ 490 سنة) لتحديد المفاصل التاريخية الكبرى:
| المرحلة الزمنية | الحساب الزمني | المضمون والحدث التاريخي |
|---|---|---|
| الفترة الأولى | 7 أسابيع (49 سنة) | ترميم الأسوار وبناء أورشليم في ضيق الأزمنة (457 ق.م - 408 ق.م). |
| الفترة الثانية | 62 أسبوعاً (434 سنة) | الوصول إلى مجيء "المسيح الرئيس" وبدء رسالته المباركة. |
| الفترة الثالثة والرابعة | الأسبوع الـ70 (7 سنوات) | قطع المسيح (محاولة صلبه ورفعه)، تليها هجمة شعب رئيس آتٍ ودك القدس والهيكل. |
| النتيجة والخراب | عام 70 ميلادي | اقتحام تيطس الروماني القدس وتدمير الهيكل الثاني وتشتيت اليهود جراء طغيان "الغيوريين". |
ثالثاً: رؤى القيامة العامة وأحداث نهاية الزمان
يتناول الإصحاح الثاني عشر أحداث البعث والحساب، حيث يذكر قيام الملاك ميخائيل ونشوب ضيق شديد، يعقوبه البعث العام: "وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون، هؤلاء إلى الحياة الأبدية، وهؤلاء إلى العار للازدراء الأبدي".
وترمز الأرقام الواردة (1290 يوماً و1335 يوماً) إلى فترات المحن والتمحيص وإزالة الشعائر قبل التدخل الإلهي، وتتعدد تفسيراتها بين التاريخية والمستقبلية والرمزية، مؤكدة على ختم الكلام إلى وقت النهاية.
رابعاً: المقارنة بين التاريخ اليهودي وتفسير سورة الإسراء (4-8)
عند ربط السرد التاريخي بنص سورة الإسراء في القرآن الكريم، نجد استعراضاً لسنن الله في الفساد والعقاب:
- الإفساد والخراب الأول: تمثل في انحراف مملكة يهوذا، فنزل بهم عقاب السبي البابلي وتدمير الهيكل الأول على يد نبوخذنصر (بختنصر) كما تنبأ إرميا ودانيال.
- الكرّة والإفساد الثاني: عاد اليهود بمرسوم كورش لبناء الهيكل الثاني، ثم عادوا للإفساد ومحاولة قتل المسيح، فجاء "وعد الآخرة" بتدمير الهيكل الثاني ودك أسوار القدس على يد تيطس الروماني عام 70م لـ ((لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا)).
وعلى الرغم من التباين في بعض التفاسير الإسلامية حول تحديد هية أصحاب العقوبة الثانية، إلا أن الثابت الإيماني يقطع بعدم قيام هيكل ثالث على حساب المسجد الأقصى المبارك، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا﴾، كما اختتمت الكاتبة سهيلة عمر مقالها عبر منصة نداء الوطن.
