شعر المنصات والجماهير بين محمد إبراهيم ورسمي ويفغيني يفتوشينكو
نداء الوطن: هُناك شِعرٌ يُكتَب لكي يُقْرَأ، وشِعرٌ آخر يبدو كأنه كُتب لكي يُسمَع، وهُناك شِعرٌ لا يكتفي بأن يصل إلى القارئ، وإنما يريد أن يراه أمامه وجهًا لوجه. مِن هُنا يمكن أن نقترب من تجربتين شعريتين تبدوان للوهلة الأُولَى بعيدتين كُلَّ البُعد: تجربة الشاعر الصومالي محمد إبراهيم وَرْسَمي (هدراوي)، وتجربة الشاعر الروسي يفغيني يفتوشينكو.
أحدهما خرج من فضاء القرن الأفريقي، حيث للكلمة المنطوقة وزنٌ هائل في الثقافة الشفوية، والآخر خرج من روسيا السوفييتية في زمن كانت فيه القصيدة تستطيع أن تصبح حدثًا عامًّا، وأن يتحوَّل الشاعرُ إلى ظاهرة جماهيرية. ومع ذلك، حين نضع الشاعرَيْن جنبًا إلى جنب، نشعر بأن بينهما قرابة خفيَّة؛ ليست في اللغة والتاريخ والجغرافيا، وإنما في الإيمان بأن الشاعر لا يعيش وحده داخل قصيدته، وأن القصيدة إذا خرجتْ من فم صاحبها تستطيع أن تصبح جزءًا من الوعي الجمعي.
صوت الجماعة وذاكرة الشفهية عند "هدراوي"
كان محمد إبراهيم ورسمي (1943 - 2022) المعروف بـ «هدراوي» واحدًا من أبرز أعلام الشعر الصومالي، حتى لُقِّبَ بـ "شكسبير الصومال". القصيدة عنده ليست مجرد ترتيب جميل للكلمات، بل هي صوتٌ اجتماعي، وذاكرة مجتمع، وقلقه، ونظرته إلى نفسه، وأسئلته الأخلاقية والوطنية.
ولأن الشعر الصومالي ارتبط تاريخيًّا بقوة الأداء الشفهي، والحفظ، والمجالس، والمناسبة، والحضور الاجتماعي، فإن القصيدة لدى هدراوي لا تكون مكتملة تمامًا إلا حين تستعيد صوتها. حين يرى الشاعر نفسه صوتًا للجماعة، لا يعود يتعامل مع النص باعتباره مِلْكًا شخصيًّا خالصًا، بل يصبح حادثة تفاعلية بينه وبين الآخرين.
يفتوشينكو.. المنصة كموقف وأداة لمحاسبة الواقع
على الجانب الآخر، يعد يفغيني يفتوشينكو (1932 - 2017) من أبرز أصوات الشعر الروسي في القرن العشرين، وارتبط اسمه بالجيل الذي وجد في القصيدة وسيلة للتعبير عن الأسئلة الأخلاقية والسياسية والإنسانية. استطاع يفتوشينكو الوصول إلى جمهور واسع من الشباب والطلاب، وتحولت أمسياته الشعرية إلى أحداث جماهيرية حاشدة في الساحات والملاعب، بفضل ارتباطه بأسئلة الحرية والعدالة والإصلاح خلال التحولات السوفييتية في الخمسينيات والستينيات.
"الجمهور لا يحتاج دائمًا إلى شاعر يُطمئنه، أحيانًا يحتاج إلى شاعر يُزعجه، ويُوقظه، ويجعله يفكر، ويضع أمامه مِرآةً لا يستطيع الهربَ منها.. وهُنا تتحول القصيدةُ إلى موقف، والمنصة إلى ساحة عامَّة."
هل يقود الشاعر الجمهور أم يتبعه؟
يطرح المقال تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة العلاقة التفاعلية: هل الشاعر يقود الجمهور أم الجمهور يقود الشاعر؟ والواقع أن الشاعر يلتقط إحساساً غير واضح في الهواء، أو غضباً لم يجد لغة، أو خوفاً أو حنيناً منتشراً بين الناس، فيصوغ منه قصيدة. وعندما يسمعها الناس يقولون: "نعم، هذا ما كُنَّا نشعر به".
قوة الشاعرين جاءت من قدرتهما على تحويل التجربة الفردية إلى إحساس مشترك، والبدء من الـ "أنا" للوصول إلى الـ "نحن". ورحيل الشاعرين لم يغيّب حضورهما، فالاختبار الأخير للشاعر ليس كم شخصًا صفّق له في حياته، بل كم شخصًا ظلّ يستمع إليه بعد أن انتهى التصفيق.
أسئلة شائعة حول شعر المنصات والجماهيرية
س: من هو الشاعر "هدراوي" وما هي أبرز ألقابه؟
ج: هو الشاعر الصومالي الكبير محمد إبراهيم ورسمي (1943-2022)، أحد رموز الشعر الشفهي والوطني في القرن الأفريقي، ولُقّب بـ "شكسبير الصومال".
س: ما الذي يميز تجربة الشاعر الروسي يفغيني يفتوشينكو؟
ج: تميز بشعره الاحتجاجي والجماهيري الذي تحول إلى قضية عامة وشكل صوتاً للشباب المطالب بالحرية والعدالة خلال الحقبة السوفييتية.
س: كيف يختلف "شعر المنصات" عن شعر الدواوين المكتوب؟
ج: شعر المنصات يعتمد على الصوت والإيقاع الحاضر والتفاعل المباشر مع الجمهور والوعي الجمعي، بينما يعتمد شعر الدواوين بشكل أكبر على الصمت والقراءة الفردية التأملية.
