
بكر أبوبكر
قلّما قرأت أو سمعت خطابًا يبدأ بالعلم وينتهي به، وهو ما وجدته في خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الأمم المتحدة في 22 أيلول/سبتمبر 2026.
أن يبدأ الخطاب من فكرة «الانتباه»، بل وأن يؤصلها ويشرحها علميًا، ثم يضع للتعامل معها مجموعة من القواعد، متخذًا من السياسة مجالًا لطرح النماذج، ومن قلب الحدث الذي أولاه جلّ اهتمامه، وهو قضية فلسطين، لهو شأن لافت لم أتبينه بهذه الصورة في خطاب سابق.
لم يتعامل الملك عبدالله الثاني مع «الانتباه» باعتباره مسألة نفسية أو معرفية فقط، بل نقله إلى مجال السياسة والعلاقات الدولية، ليصبح ما أسماه «موردًا جيوسياسيًا» يحدد القضايا التي يبقى العالم منشغلًا بها، وتلك التي تتراجع إلى الهامش.
من الانتباه الفردي إلى الانتباه الجيوسياسي
قال الملك عبدالله منذ بداية خطابه إن كل جيل يعتقد أنه يواجه تحديات غير مسبوقة، وإن عالمنا يعيش لحظة استثنائية بفعل الحجم الهائل من المعرفة والوتيرة المتسارعة للتغيير، في وقت تتوالى فيه الأزمات والمآسي وحالات الطوارئ التي تتنافس جميعها على انتباه الإنسان.
واستشهد بدراسة تشير إلى أن متوسط مدة انتباه الفرد أثناء مشاهدة الشاشة تراجع من دقيقتين ونصف تقريبًا عام 2004 إلى نحو 47 ثانية، لينتقل من هذه الملاحظة العلمية إلى نتيجة سياسية أعمق: الانتباه أصبح موردًا نادرًا، واختيار ما نمنحه انتباهنا أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ثم جاءت النقلة الأهم حين وضع الفكرة داخل قاعة الأمم المتحدة، معتبرًا أن الانتباه فيها ليس موردًا معرفيًا فحسب، وإنما «مورد جيوسياسي».
فما يختار العالم أن يوليه اهتمامه، وفق هذا التصور، يحدد النزاعات التي تحظى بجهود دبلوماسية مستدامة، وتلك التي تتراجع إلى هامش جدول الأعمال؛ كما يحدد ما إذا كان وقف إطلاق النار سيستمر بعد ابتعاد عدسات الكاميرات، وما إذا كانت المعاناة الإنسانية ستظل مرفوضة أم تتحول، بمرور الوقت، إلى أمر مألوف.
وهنا جاءت واحدة من أكثر أفكار الخطاب كثافة:
قلما يغافلنا التاريخ، ففي أغلب الأحيان تتطور الأحداث بينما ننشغل بأمور أخرى تستحوذ على انتباهنا.
الانتباه وتزييف الوعي
لقد شاءت الصدف أنني أُعد ورقة حول الانتباه والوعي والإدراك والمعرفة لإحدى الدورات هنا في فلسطين وفي الخارج، وكنت أبحث عن استخدامات لهذا المعنى وتوظيفه من زاوية سياسية.
وفي هذا السياق، وجدت في خطاب بنيامين نتنياهو أمام تجمع انتخابي لليكود في 17 أيلول/سبتمبر 2026 نموذجًا لما أراه تزييفًا للوعي واستدعاءً للخرافات وتشتيتًا للانتباه، فأدرجته في الورقة المعدة بوصفه نموذجًا قابلًا للدراسة.
وفي المقابل، وجدت في وضوح كلمة الملك عبدالله الثاني أمام الأمم المتحدة نموذجًا آخر في فن الخطاب، وبعث الوعي وإثارة الانتباه وتقديم المعرفة في الخطاب السياسي بطريقة علمية لافتة.
فالخطاب السياسي كثيرًا ما يلجأ إلى استدعاء التاريخ، أو إلى سيل من الشعارات البراقة والوعود، أو إلى لغة التهديد والوعيد، بينما اختار الملك أن يبني خطابه حول مفهوم محدد، ثم يستخدم الوقائع السياسية لتفسيره.
فلسطين في قلب الخطاب
استحوذت فلسطين على الحصة الأكبر من خطاب الملك عبدالله الثاني.
وبحسب قراءتي للنص، فإن ما يقارب 430 كلمة من أصل نحو 820 كلمة تناولت القضية الفلسطينية بصورة مباشرة، أي ما يقارب 52% من الخطاب. وترتفع النسبة، وفق هذا التصنيف، عند احتساب المقاطع المتعلقة بالتزامات الأردن تجاه السلام العادل، ودعم الصمود الفلسطيني، ووكالة «الأونروا»، والوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس.
استخدم الملك مفهوم «الانتباه» مدخلًا للحديث عن استمرار القضية الفلسطينية في صدارة الاهتمام الدولي، محذرًا من أن اعتياد العالم على المعاناة أو انشغاله بأزمات أخرى لا يلغي المشكلة ولا نتائجها.
من «التهجير القسري» إلى «محو الوجود الفلسطيني»
بعد المقدمة التي أسست لمفهوم الانتباه، انتقل الملك إلى القضية الفلسطينية، عارضًا رؤيته لمأزقها وموجهًا انتقادات إلى ما وصفه بالتقاعس الدولي، وداعيًا إلى استمرار العمل من أجل الحقوق الفلسطينية.
واستخدم في تناوله للأوضاع في غزة والضفة الغربية مصطلحات قانونية وسياسية مباشرة.
فأشار إلى «التهجير القسري»، واعتبر إجبار شعب بأكمله على مغادرة أرضه جريمة حرب، كما تحدث عن محاولة محو الوجود الفلسطيني، وعن الضم الفعلي للأراضي، وعن منظومة من الإجراءات التي تشمل الحواجز ونقاط التفتيش وهدم المنازل وتوسيع المستوطنات.
وهنا يعود «الانتباه» مرة أخرى: ليس المطلوب، وفق منطق الخطاب، مجرد رؤية الحدث، بل الانتباه إلى اللغة التي يوصف بها وإلى حقيقة ما يحدث على الأرض.
«فما نهمله اليوم غالبًا ما يشكل مستقبلنا»
في الإطار الفكري للخطاب، طرح الملك سؤالًا بالغ الأهمية: هل سيدوم انتباه العالم بما يكفي للتصدي للتحديات التي يواجهها؟
فالخطر، وفق هذا التصور، ليس فقط فيما يفعله المجتمع الدولي، وإنما فيما يقرر تجاهله أيضًا.
ومن هنا جاءت عبارته:
«فما نهمله اليوم، غالبًا ما يشكل مستقبلنا».
إنها عبارة تتجاوز القضية الفلسطينية إلى مفهوم أوسع في السياسة وصناعة التاريخ؛ فالأزمات لا تتوقف بالضرورة عندما يتوقف العالم عن متابعتها، وإنما قد تتطور بعيدًا عن دائرة الضوء حتى تعود بنتائج أكبر.
«الانتباه» مورد جيوسياسي
هنا ابتكر الخطاب، في تقديري، واحدًا من أهم تعبيراته: «المورد الجيوسياسي».
فالانتباه الدولي ليس بلا أثر. حجم الاهتمام بقضية معينة يحدد حجم الجهود السياسية والدبلوماسية الموجهة إليها، ومدى استمرار الضغط بشأنها، وقدرة الأطراف المتضررة على إبقاء قضيتها ضمن جدول الأعمال الدولي.
وأشار الملك إلى أن الحكومة الإسرائيلية تدرك، بحسب رؤيته، قوة الانتباه، معتبرًا أنها عندما تواجه انتقادات بشأن سياساتها تلجأ إلى الطعن في مصداقية منتقديها وتشتيت الاهتمام عن أفعالها.
ومن أبرز ما جاء في الخطاب في هذا السياق أن هناك ما يتطلب انتباهًا فوريًا، وما يحتاج إلى انتباه مستدام، بينما يتطلب الظلم الاثنين معًا.
الأوهام الثلاثة في القضية الفلسطينية
انتقل الملك بعد ذلك إلى ما وصفه بثلاثة «أوهام» رأى ضرورة توجيه الانتباه إليها وتفنيدها.
الوهم الأول: غزة والضفة قصتان منفصلتان
رفض الخطاب التعامل مع غزة والضفة الغربية باعتبارهما ملفين منفصلين، ووضعهما ضمن القضية الفلسطينية الواحدة ومستقبل الدولة الفلسطينية.
الوهم الثاني: رفض الدولة الفلسطينية موقف مؤقت
تناول الملك موقف القيادة الإسرائيلية الرافض لإقامة دولة فلسطينية، محذرًا من التعامل معه باعتباره مجرد موقف سياسي عابر سيتغير من تلقاء نفسه.
الوهم الثالث: العرب لم يسعوا إلى السلام
استدعى الملك مبادرة السلام العربية لعام 2002، التي طرحت إطارًا يقوم على السلام والتطبيع مقابل إنهاء الاحتلال والوصول إلى تسوية عادلة وإقامة الدولة الفلسطينية.
واستخدم هذه المرجعية لمواجهة الرواية التي تقول إن الدول العربية والإسلامية لم تقدم طريقًا سياسيًا نحو السلام.
الوصاية الهاشمية والقدس والأمن الأردني
وعندما تناول الملك الثوابت والمرجعيات الأردنية، حضرت الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، إلى جانب الوضع التاريخي والقانوني للمدينة ومبادرة السلام العربية والأمن القومي الأردني.
كما تناول الممارسات الإسرائيلية من خلال سؤال يتعلق بما إذا كانت تتوافق مع سلوك دولة ديمقراطية يحكمها القانون، في سياق حديثه عن عمليات الجيش الإسرائيلي وعنف المستوطنين.
ولم يقصر المخاطر على فلسطين وحدها، بل ربط الأطماع التوسعية الإسرائيلية بالاستقرار الإقليمي، مشيرًا إلى التوغلات الإسرائيلية في سوريا وما تمثله، من وجهة نظر الأردن، من تهديد يتجاوز حدود القضية الفلسطينية.
لماذا تُستخدم الأدوات الدولية في أزمات وتُستثنى إسرائيل؟
من النقاط اللافتة أيضًا في الخطاب حديث الملك عن الأدوات السياسية والقانونية المتاحة للمجتمع الدولي.
وأشار إلى العزل الدبلوماسي والعقوبات وتجميد الأصول وفرض الحظر، وهي أدوات يستخدمها المجتمع الدولي في التعامل مع أزمات وانتهاكات مختلفة.
والسؤال الذي يطرحه الخطاب ضمنيًا: لماذا لا تُستخدم الأدوات ذاتها بالفاعلية نفسها عندما يتعلق الأمر بالممارسات الإسرائيلية؟
ومن هنا يأتي الفرق بين سياسة «احتواء الصراع» والعمل من أجل «حل الصراع».
فالاحتواء قد يخفف الانفجار مؤقتًا، لكنه لا يزيل أسبابه.
الانتباه باعتباره مسؤولية سياسية وأخلاقية
ما يميز خطاب الملك عبدالله الثاني، من وجهة نظري، أنه لم يكتفِ بعرض الموقف الأردني من فلسطين، وإنما وضع هذا الموقف داخل إطار معرفي أكبر.
فالانتباه هنا ليس مجرد تركيز ذهني، وإنما قرار سياسي وأخلاقي.
حين يقرر العالم إبقاء مأساة ما في دائرة الضوء، فإنه يزيد احتمالات استمرار الجهد السياسي لمعالجتها. وحين يتوقف عن النظر إليها، فإن اختفاء صورها من الشاشات لا يعني انتهاء المأساة.
وهذه هي الرسالة التي أعاد الخطاب بناءها من بدايته إلى نهايته.
خطاب يبدأ بالانتباه وينتهي به
اختتم الملك عبدالله الثاني خطابه بالعودة إلى الفكرة نفسها التي بدأ منها: عالم تتنافس فيه الأحداث والقوى والمنصات على انتباه الإنسان.
وكانت الخلاصة أن علينا أن نعرف أين نوجه انتباهنا، وأن ننتبه أيضًا إلى من يحاول تشتيته، لأن المستقبل لا يتشكل فقط بما نفعله، وإنما كذلك بما نختار أن نتجاهله.
بدأ الملك من علم الانتباه، وانتقل إلى السياسة والجغرافيا والقانون وفلسطين، ثم عاد في الخاتمة إلى الانتباه ذاته؛ ليضع مسؤولية المستقبل ليس فقط فيما يراه العالم ويفعله، وإنما أيضًا فيما يقرر ألا يراه.
إنها، في تقديري، قيمة الخطاب الأساسية: أن السياسة ليست فقط صراعًا على الأرض والمصالح والقوة، بل هي أيضًا صراع على الوعي والانتباه.
وفي القضية الفلسطينية تحديدًا، ربما تكون إحدى أخطر مراحل الصراع هي اللحظة التي يعتاد فيها العالم المشهد، ويتراجع الحدث من واجهة الشاشات، بينما تستمر الوقائع في التشكل على الأرض.
وهنا يصبح إبقاء فلسطين حاضرة في الوعي الدولي جزءًا من المعركة السياسية نفسها.
بكر أبوبكر
أسئلة شائعة حول خطاب الملك عبدالله الثاني في الأمم المتحدة
متى ألقى الملك عبدالله الثاني خطابه أمام الأمم المتحدة؟
ألقى الملك عبدالله الثاني خطاب الأردن أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في 22 أيلول/سبتمبر 2026.
ما الفكرة الرئيسية التي بدأ بها الملك خطابه؟
ركز في البداية على مفهوم «الانتباه» في العصر الرقمي، ثم ربطه بالسياسة والعلاقات الدولية ووصف الانتباه بأنه مورد جيوسياسي.
ماذا يعني الانتباه بوصفه «موردًا جيوسياسيًا»؟
يعني أن حجم الاهتمام الدولي بقضية أو نزاع يؤثر في مقدار الجهد الدبلوماسي والسياسي الذي يحصل عليه وفي مدى بقائه ضمن أولويات المجتمع الدولي.
ما موقع فلسطين في خطاب الملك عبدالله الثاني؟
احتلت القضية الفلسطينية مساحة مركزية من الخطاب، مع تناول غزة والضفة الغربية والقدس والمستوطنات والتهجير وحل الدولتين ومبادرة السلام العربية.
ما «الأوهام الثلاثة» التي تناولها الخطاب؟
تناول الخطاب الاعتقاد بإمكانية فصل غزة عن الضفة الغربية، والتعامل مع رفض القيادة الإسرائيلية للدولة الفلسطينية باعتباره موقفًا قابلًا للتغير من تلقاء نفسه، والادعاء بأن الدول العربية لم تقدم طريقًا نحو السلام.
هل تناول الخطاب الوصاية الهاشمية على القدس؟
نعم، أكد الخطاب الموقف الأردني المرتبط بالوصاية الهاشمية والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني للمقدسات في القدس.
ما علاقة مبادرة السلام العربية بالخطاب؟
استُحضرت مبادرة السلام العربية باعتبارها دليلًا على وجود طرح عربي تاريخي لتحقيق السلام والتطبيع في إطار تسوية عادلة للقضية الفلسطينية.
ما الرسالة التي اختتم بها الملك خطابه؟
عاد في الختام إلى مفهوم الانتباه، مؤكدًا أن المستقبل يتأثر بما يختار العالم التركيز عليه وكذلك بالقضايا التي يختار تجاهلها.