حماس.. «الانتحار» الذي أعقب «الردة»

حماس.. «الانتحار» الذي أعقب «الردة»

بقلم: ماجد هديب

لم يكن يحيى السنوار مجرد شخص دفعته ظروف الاحتلال إلى أن يكون مقاومًا ثم قائدًا، كما لم تكن الصدفة وحدها سببًا في أن يصبح قائدًا أربك حسابات قادة ودول وأثر في موازين القوى في المنطقة.

فما كان للسنوار، برأيي، أن يصل إلى هذا المستوى من القيادة دون عوامل هيأت له ذلك، وفي مقدمتها ظروف وملابسات الإفراج عنه، تمامًا كما أرى أن عوامل سياسية سابقة ساهمت في تهيئة البيئة لانطلاقة حركة حماس بعد فصل الإخوان المسلمين في الضفة الفلسطينية عن فرع الإخوان في الأردن وتشكيل فرع فلسطين مع غزة.

السنوار وتحولات القوة داخل حماس

كان محمد السنوار، الشقيق الأصغر ليحيى السنوار، قائدًا في كتائب القسام في خان يونس، وارتبط اسمه بملف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط وصفقة تبادل الأسرى التي انتهت بالإفراج عن يحيى السنوار ضمن مئات الأسرى الفلسطينيين.

ومنذ تلك المرحلة، دخلت حركة حماس - في تقديري - في تناقض متزايد بين خطابها واستراتيجياتها من جهة، ومتطلبات إدارة السلطة والسيطرة على غزة من جهة أخرى.

ومع تصاعد نفوذ يحيى السنوار داخل الحركة وفي قطاع غزة، بات تأثيره حاضرًا في كثير من الملفات السياسية والأمنية، وصولًا إلى المرحلة التي أصبح فيها واحدًا من أبرز صناع القرار داخل حماس.

من المواجهة إلى «المفاوضات الإنسانية»

بعد سنوات من صعود السنوار في قيادة حماس داخل غزة، اتجهت الحركة إلى مسار تفاوضي غير مباشر مع إسرائيل حول ملفات ذات طابع إنساني واقتصادي، في محاولة لتحسين ظروف القطاع وتثبيت واقع حكمها.

وبرأيي، كان السنوار قد أدرك أن حماس لا تستطيع تعزيز قوتها واستمرار سلطتها دون مسار تفاوضي، وفي الوقت ذاته كان يعتقد أن المفاوضات تحتاج إلى قوة عسكرية تسندها وتدفع إسرائيل إلى تقديم تنازلات تتعلق بمستقبل غزة والعلاقة معها.

جوهر الإشكالية:
وجدت حماس نفسها أمام تناقض بين خطابها التاريخي الرافض للتسوية مع إسرائيل، وبين متطلبات الحفاظ على سلطتها في غزة والحصول على تسهيلات اقتصادية وإنسانية تسمح باستمرار تلك السلطة.

وهنا، في تقديري، وجدت الحركة نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما التراجع عن جانب كبير من شعاراتها وبرامجها مقابل واقع يسمح لها بالبقاء وإدارة غزة، وإما اللجوء إلى عمل عسكري كبير تعتقد أنه سيدفع حكومة بنيامين نتنياهو إلى الاستجابة لمطالبها المتعلقة بفتح المعابر وزيادة أعداد العمال وإبرام صفقة لتبادل الأسرى.

لكن ما غاب عن الحسابات، كما أرى، هو أن مثل هذه العملية يمكن أن تتحول من وسيلة للضغط إلى بداية مسار لا تستطيع الحركة التحكم في نهايته.

«الردة» كما تناولتها قبل الحرب

كنت قد تناولت، قبل الحرب على غزة، ما كانت تقوم به حركة حماس من مفاوضات إنسانية غير مباشرة مع إسرائيل في مقالات عدة، من بينها «حماس والمفاوضات الإنسانية» و«حماس والصعود نحو الهاوية».

وأوضحت آنذاك أنني أرى الحركة في حالة تراجع عن كثير من شعاراتها وبرامجها السابقة بهدف تعزيز سيطرتها على غزة وتعظيم نفوذها السياسي، وصولًا إلى منافسة منظمة التحرير الفلسطينية على شرعية التمثيل.

كما حذرت من أن هذا المسار قد يقود في النهاية إلى ما وصفته بـ«الانتحار السياسي والعسكري».

السابع من أكتوبر.. المقاومة أم محاولة تغيير المعادلة؟

اعتقد كثيرون أن عملية السابع من أكتوبر جاءت أساسًا في سياق قضية الأسرى والمسجد الأقصى والمواجهة مع الاحتلال، وما زال هذا التفسير حاضرًا لدى قطاعات واسعة.

لكن رواية أخرى برزت لاحقًا من خلال تصريحات سفيان أبو زايدة، الوزير السابق في السلطة الوطنية الفلسطينية والقيادي السابق في حركة فتح، بشأن اتصالات ورسائل قال إنها جرت قبل الحرب.

وأتعامل هنا مع ما طرحه أبو زايدة باعتباره روايته للأحداث، وليس حقيقة نهائية مستقلة عن التحقق؛ إلا أن أهميتها بالنسبة إلى قراءتي تكمن في أنها تفتح الباب أمام سؤال مختلف حول علاقة العملية بالمسار التفاوضي غير المباشر الذي سبق الحرب.

وبحسب تلك الرواية، حمل أبو زايدة رسائل مرتبطة بالسنوار إلى الجانب الإسرائيلي في مرحلة كانت فيها المفاوضات الإنسانية تواجه الجمود.

رسائل ما قبل الحرب

لا أرى أن كشف أبو زايدة جاء بالضرورة ليحسم بصورة قاطعة الأهداف الحقيقية لعملية السابع من أكتوبر، لكنه يقدم معطيات تستحق القراءة في سياق العلاقة المعقدة التي كانت قائمة بين حماس وإسرائيل قبل الحرب.

وبصرف النظر عن دوافع توقيت الكشف، فإنني أرى في تلك الرواية ما ينسجم مع تحذيرات سابقة كتبتها حول انتقال الحركة من محاولة إدارة التفاوض والضغط إلى مواجهة يمكن أن تتجاوز قدرتها على التحكم في النتائج.

وقد كتبت قبل العملية بفترة قصيرة على صفحتي الشخصية تحت عنوان: «حماس ما بين الردة والانتحار».

لماذا استخدمت مصطلح «الردة»؟

لم أقصد بالمصطلح معنى دينيًا، وإنما استخدمته توصيفًا سياسيًا لما اعتبرته تراجعًا عن استراتيجيات وبرامج وشعارات سابقة.

وقد استندت في قراءتي إلى تصريحات ومواقف متعاقبة ليحيى السنوار، وإلى انتقال الحركة من خطاب يرفض الاعتراف بشرعية إسرائيل والتسويات السياسية إلى البحث عن صيغة تسمح لها بالحفاظ على وجودها وسلطتها في غزة.

وفي هذا السياق، برزت كذلك قنوات اتصال ووساطات متعددة، ومن بينها اتصالات مع شخصيات مرتبطة بتيار محمد دحلان، بهدف تحريك الملفات الإنسانية والاقتصادية المرتبطة بغزة.

لكن استمرار جمود هذه المسارات، في تقديري، دفع قيادة حماس إلى الاعتقاد بأن التهديد بعمل عسكري كبير يمكن أن يستخدم أداة ضغط لتغيير موقف إسرائيل.

السابع من أكتوبر والباب الذي لم تستطع حماس إغلاقه

لم تكن عملية السابع من أكتوبر مجرد عملية عسكرية عابرة؛ فقد تحولت إلى نقطة فاصلة أعادت تشكيل المشهد الفلسطيني والإسرائيلي والإقليمي.

والخطأ الاستراتيجي، من وجهة نظري، كان في عدم تقدير حجم الرد الإسرائيلي المحتمل، وعدم امتلاك تصور قادر على حماية الشعب الفلسطيني من النتائج الكارثية لمواجهة بهذا الحجم.

كما أن قيادة الحركة لم تدرك، وفق قراءتي، أن حكومة نتنياهو يمكن أن تستخدم العملية مبررًا لشن حرب واسعة على قطاع غزة، بما ترتب عليها من دمار ونزوح وخسائر بشرية هائلة.

العمل العسكري لا يتحول تلقائيًا إلى مكسب سياسي

راهنت حماس على أن الحرب والضغط الدولي قد يؤديان في النهاية إلى تحقيق بعض المكتسبات، لكن العمل العسكري - مهما بلغ حجمه - لا يتحول تلقائيًا إلى مكسب سياسي.

فذلك يحتاج إلى قدرة على إدارة النتائج، وامتلاك البدائل، وقراءة موازين القوى، ومعرفة نقطة التوقف، ووجود تصور واضح لليوم التالي.

دخول أي مواجهة دون تصور واضح لما بعدها قد يحول القوة العسكرية من وسيلة لتحقيق هدف سياسي إلى عبء على المشروع الذي يفترض أنها جاءت لخدمته.

ومن هنا أرى أن دخول حماس المواجهة دون ضمانات لليوم التالي جعل ما أسميه «الردة» يلتقي مع «الانتحار».

فالأولى، وفق استخدامي للمصطلح، تعني التراجع عن استراتيجيات وبرامج سابقة بحثًا عن مكاسب سياسية وضمان استمرار السلطة، بينما جاء «الانتحار» عندما أصبحت نتائج المواجهة أكبر من قدرة الحركة على التحكم بها.

المعضلة بعد الحرب

اليوم تواجه حماس معادلة شديدة التعقيد. فمهما تراجعت عن خطابها السابق، فإن هذا التراجع قد لا يكون كافيًا لإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب.

وفي المقابل، فإن الاستمرار في منطق المواجهة دون أفق سياسي يضع الشعب الفلسطيني أمام أثمان إضافية، في وقت أصبحت فيه قضية إعادة بناء غزة ومنع التهجير والحفاظ على القضية الوطنية أولويات وجودية.

وكان السؤال سابقًا: هل تستطيع حماس التحول من حركة مسلحة تسعى إلى الحفاظ على سلطتها إلى طرف سياسي يقبل بالتعددية ويضع السلاح تحت سلطة وطنية وقانونية ويشارك في إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني؟

لكن الوقائع التي أنتجتها الحرب جعلت هذا السؤال أكثر صعوبة وتعقيدًا.

المطلوب: استراتيجية وطنية لا انتصارًا فصائليًا

كثيرًا ما طالبنا حركة حماس بأن تنتقل من البحث عن انتصارها الخاص إلى البحث عن مصلحة وطنية مشتركة، وأن يصبح السلاح خاضعًا لقرار وطني، وأن تكون السلطة خاضعة للقانون، وأن تصبح المقاومة جزءًا من استراتيجية سياسية وطنية واضحة وصولًا إلى الدولة.

فالمقاومة التي لا ترتبط بهدف سياسي قابل للتحقيق يمكن أن تُستنزف، والسياسة التي تتخلى عن أوراق القوة دون مشروع وطني يمكن أن تفشل هي الأخرى.

المطلوب هو معادلة وطنية تجمع بين السياسة والقانون ووحدة القرار والمصلحة الفلسطينية العليا.

فالردة - بالمعنى السياسي الذي استخدمته هنا - ليست حلًا، والانتحار ليس بطولة، والشعب الفلسطيني لا يستطيع أن يبقى رهينة لدورة تبدأ بالمواجهة وتنتهي بالدمار، ثم تبدأ من جديد.

لقد أصرت حماس، وفق قراءتي، طويلًا على معادلة التراجع من أجل البقاء، إلى أن جاءت المواجهة التي تجاوزت قدرتها على إدارة نتائجها، ليصبح ما أسميه «الانتحار» هو النتيجة التي أعقبت «الردة».

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة موقف نداء الوطن.