
بقلم: تيسير خالد
اقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير مؤخراً زنزانة الأسير الفلسطيني حسن سلامة، ووجّه إليه من خلف القضبان تهديدات مباشرة بالقتل والإعدام. ونشر بن غفير مقطع فيديو يوثق المشهد، في واقعة أثارت إدانات فلسطينية واسعة وأعادت إلى الواجهة سياساته تجاه الأسرى الفلسطينيين.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يحوّل فيها بن غفير السجون والأسرى إلى جزء من خطابه السياسي والإعلامي؛ فقد سبقتها زيارات واقتحامات ومشاهد مصورة داخل السجون، من بينها ظهوره أمام الأسير مروان البرغوثي داخل زنزانته في آب/أغسطس 2025، واقتحامه سجن عوفر في شباط/فبراير 2026، حيث ظهر أسرى مقيدون وأُجبر بعضهم على الانبطاح أرضاً خلال العملية.
السجون كمنصة سياسية
هل كان اقتحام زنزانة حسن سلامة حادثة منفصلة؟ الجواب، في تقديري، لا.
فمنذ توليه وزارة الأمن القومي، التي تقع إدارة السجون ضمن نطاق مسؤولياتها، عمل بن غفير على تحويل ملف الأسرى الفلسطينيين إلى واحد من أكثر الملفات حضوراً في خطابه السياسي.
وقد سبق أن ظهر داخل زنزانة مروان البرغوثي، مخاطباً إياه بلغة تهديدية، كما رافق في شباط/فبراير 2026 عملية داخل سجن عوفر، ونشر لاحقاً مشاهد منها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
بالنسبة إليّ، لا يمكن فصل هذه المشاهد عن الاستخدام السياسي للصورة: وزير يدخل السجن محاطاً بالحراس والكاميرات، يقف أمام أسرى مقيدين، ثم تُنشر المشاهد أمام الجمهور بوصفها دليلاً على سياسة «القبضة الحديدية».
من العقوبة إلى الاستعراض
هذه السياسة تتجاوز، في رأيي، مجرد سلوك فردي أو زيارة تفقدية. إنها تعكس منهجاً يقوم على تحويل ظروف احتجاز الفلسطينيين إلى رسالة سياسية موجهة إلى جمهور داخلي.
وقد تفاخر بن غفير مراراً بتشديد ظروف الاعتقال وتقليص ما يعتبره امتيازات للأسرى، فيما وثقت منظمات حقوقية فلسطينية وإسرائيلية ودولية على مدى السنوات الأخيرة اتهامات تتعلق بنقص الغذاء والرعاية الطبية وسوء المعاملة والقيود على النظافة والاستحمام وظروف الاحتجاز.
وتزداد خطورة هذا المسار عندما يقترن بالتهديد العلني بالإعدام، وبالدفع نحو تشريعات تجعل عقوبة الموت جزءاً من السياسة الجنائية المطبقة على فلسطينيين مدانين بتنفيذ هجمات قاتلة.
وقد أقر الكنيست الإسرائيلي في 30 آذار/مارس 2026 قانوناً بهذا الشأن، بعد جدل سياسي وقانوني واسع.
من عوفر إلى زنزانة حسن سلامة
في سجن عوفر، ظهرت مشاهد لأسرى مقيدين أثناء عملية شارك فيها عناصر من إدارة السجون، فيما كان بن غفير حاضراً إلى جانب وسائل إعلام إسرائيلية.
وفي حالة حسن سلامة، لم يعد المشهد مجرد استعراض لظروف السجن؛ بل ظهر الوزير أمام أسير محتجز منذ عقود وهو يوجه إليه تهديداً مباشراً بالقتل والإعدام.
وما يلفت الانتباه هنا هو أن الكاميرا ليست شاهداً عرضياً على الحدث؛ إنها جزء من الحدث نفسه. فالمشهد يُصوَّر ثم يُنشر ويُعاد تداوله ليصبح مادة سياسية وإعلامية.
عندما تصبح الإهانة مادة دعائية
عرف التاريخ الحديث نماذج عديدة وظفت فيها الأنظمة الاستبدادية السجون والمعتقلين في صناعة صورة القوة والردع.
في تشيلي إبان حكم أوغستو بينوشيه ارتبطت مراكز الاحتجاز والتعذيب بالقمع السياسي الواسع، فيما أصبحت صور الانتهاكات داخل سجن أبو غريب خلال الاحتلال الأميركي للعراق واحدة من أشهر الشواهد المعاصرة على إذلال المحتجزين وسوء معاملتهم.
ولا أقول إن التجارب التاريخية متطابقة؛ فلكل تجربة سياقها وحجمها وظروفها. لكن المقارنة بالنسبة إليّ تبدأ من المنهج: تحويل جسد الأسير وكرامته وظروف احتجازه إلى أداة لإظهار سلطة الدولة أو قوة المسؤول السياسي.
قانون الإعدام والغطاء التشريعي
هنا تبرز مسألة أخرى لا تقل أهمية: الانتقال من الخطاب إلى التشريع.
فدعم بن غفير عقوبة الإعدام بحق فلسطينيين مدانين بتنفيذ هجمات قاتلة لم يبق مجرد شعار انتخابي، بل تحول إلى مسار تشريعي داخل الكنيست.
وفي قراءتي، تكمن الخطورة عندما تصبح التشريعات أداة لتوسيع قدرة السلطة على العقاب في مناخ سياسي يقوم أصلاً على التحريض والانتقام.
والتاريخ يقدم أمثلة كثيرة على أن وجود نص قانوني لا يجعل الممارسة عادلة بالضرورة؛ فالأنظمة الاستبدادية كثيراً ما سعت إلى إحاطة إجراءاتها القمعية بأطر تشريعية وإدارية تمنحها مظهراً قانونياً.
لماذا تستحضر المقارنة مع النازية؟
حين أستحضر هاينريش هيملر هنا، لا أقصد القول إن الظروف التاريخية أو حجم الجرائم أو المؤسسات متطابقة؛ فالهولوكوست جريمة تاريخية ذات سياق وحجم وخصائص موثقة لا يجوز اختزالها في تشبيه سياسي عابر.
لكنني أرى وجهاً للمقارنة في الطريقة التي يمكن أن تتحول بها مؤسسة السجن إلى أداة لكسر الإنسان قبل معاقبته، وفي حضور المسؤول السياسي بنفسه لمشاهدة الأسرى، وفي استخدام الحرمان والإذلال والانضباط القسري كجزء من منظومة السيطرة.
كان هيملر، بصفته قائد قوات الأمن الخاصة «إس إس» وأحد أبرز المسؤولين عن منظومة الإرهاب النازي والهولوكوست، مرتبطاً بصورة مباشرة بنظام معسكرات الاعتقال والاضطهاد النازي.
وفي رأيي، فإن ما يستدعي المقارنة ليس تطابق التجربتين، بل بعض الأدوات السياسية والنفسية: نزع الإنسانية عن المعتقل، تحويل معاناته إلى رسالة ردع، وإظهار المسؤول أمامه بوصفه صاحب سلطة مطلقة.
الحرمان باعتباره سياسة
تميز نظام معسكرات الاعتقال النازية بسياسات ممنهجة شملت التجويع والعمل القسري والحرمان من الرعاية الصحية والنظافة والإذلال والعنف، ضمن منظومة أوسع بكثير انتهت إلى القتل الجماعي والإبادة.
وفي السجون الإسرائيلية اليوم، تتهم مؤسسات حقوقية سلطات السجون بتطبيق قيود قاسية على الأسرى الفلسطينيين، تشمل الغذاء والنظافة والرعاية الطبية والاتصال بالعالم الخارجي.
وقد دافع بن غفير علناً عن تشديد ظروف احتجاز الأسرى الفلسطينيين، وقدم ذلك باعتباره إنجازاً سياسياً.
وهنا، بالنسبة إليّ، تقع نقطة المقارنة الأخطر: حين لا يصبح الحرمان نتيجة عرضية للسجن، بل سياسة يفاخر بها المسؤول أمام جمهوره.
مشروع «سجن التماسيح»
ولعل أحد أكثر المقترحات إثارة للجدل كان مشروع بن غفير لإحاطة منشأة مخصصة لاحتجاز فلسطينيين بخندق أو منطقة تضم تماسيح بهدف منع الهروب.
بدأت الفكرة كمقترح أثار السخرية، لكنها تجاوزت لاحقاً حدود التصريح الإعلامي؛ إذ درستها جهات في مصلحة السجون الإسرائيلية، وزار مسؤولون مزرعة للتماسيح، ثم اتُخذت خطوات تنظيمية أثارت اعتراضات قانونية وبيئية، قبل أن يصل المشروع إلى القضاء.
بالنسبة إليّ، لا تكمن دلالة هذه الفكرة في احتمال تنفيذها فقط، بل في أن مسؤولاً حكومياً يرى الحيوانات المفترسة جزءاً ممكناً من منظومة الردع المحيطة بالسجناء.
لكن ماذا عن «حديقة حيوانات بوخنفالد»؟
كانت هناك بالفعل حديقة حيوانات تابعة لقوات «إس إس» بجوار معسكر بوخنفالد، وضمت حيوانات من بينها الدببة.
غير أن تحويل وجود هذه الحديقة إلى ادعاء تاريخي قطعي بأن الأسرى كانوا يُلقون بصورة منهجية للحيوانات المفترسة يحتاج إلى توثيق تاريخي أكثر تحديداً، ولذلك فإن الأهم في المقارنة هنا ليس رواية غير محسومة، بل الحقيقة الموثقة عن نظام العنف والإذلال والعمل القسري والتجويع والقتل الذي حكم معسكرات الاعتقال النازية.
نزع الإنسانية
من أخطر ما تفعله أنظمة القمع هو إعادة تعريف السجين بحيث لا يعود إنساناً يتمتع بحقوق، بل رقماً أو عدواً مجرداً من الكرامة.
في معسكرات الاعتقال النازية كان نزع الهوية جزءاً من منظومة السيطرة على السجناء، إلى جانب الزي الموحد والأرقام والإذلال والعقوبات والعمل القسري.
وعندما أشاهد اليوم أسرى فلسطينيين مقيدين أو مجبرين على الانبطاح أمام الكاميرات، فيما يقف مسؤول سياسي ليتباهى بما يراه، فإن السؤال بالنسبة إليّ لا يتعلق فقط بما يحدث داخل السجن، بل بما يراد للجمهور أن يشعر به وهو يشاهد تلك الصور.
بن غفير وهيملر: أين تقع المقارنة؟
هاينريش هيملر ليس مجرد مسؤول سابق عن جهاز أمني؛ كان من الشخصيات المركزية في الدولة النازية ومن أبرز المسؤولين عن تنفيذ الهولوكوست ومنظومة معسكرات الاعتقال والإبادة.
ولذلك لا يمكن وضع أي سياسي معاصر ببساطة في خانته التاريخية ذاتها دون مراعاة الفروق الهائلة في السياق والحجم والنتائج.
لكن ذلك لا يمنع، في رأيي، من دراسة الأنماط التي تسبق الكوارث: خطاب نزع الإنسانية، الاحتفاء بإذلال الأسرى، تحويل القسوة إلى رأسمال سياسي، البحث عن غطاء تشريعي لمزيد من العقوبات، وجعل السجن مسرحاً للاستعراض أمام الجمهور.
هذه هي الزاوية التي أرى منها التشابه.
المشكلة لا تتوقف عند بن غفير
غير أن تحميل بن غفير وحده مسؤولية هذا المسار يخفي جانباً آخر من المشكلة.
فهو وزير في حكومة، وسياساته لا تتحرك في فراغ مؤسسي. وعندما تستمر هذه الممارسات والخطابات والمبادرات داخل مؤسسات الدولة، فإن السؤال يصبح أكبر من شخصية وزير واحد.
إنه سؤال عن الحدود التي تضعها الحكومة والمؤسسات والقضاء والمجتمع أمام خطاب الانتقام ونزع الإنسانية، وعن اللحظة التي تتوقف فيها السياسة عن التعامل مع السجين بوصفه إنساناً خاضعاً للقانون وتبدأ في التعامل معه بوصفه مادة للاستعراض السياسي.
الخلاصة
بالنسبة إليّ، بن غفير ليس نسخة تاريخية من هاينريش هيملر، ولا يمكن اختزال اختلاف الأزمنة والأنظمة وحجم الجرائم في معادلة بسيطة.
لكن التاريخ لا يفيدنا فقط عندما تتكرر الأحداث بالحجم نفسه؛ يفيدنا أيضاً عندما تتكرر بعض الآليات: نزع الإنسانية، إذلال السجين، تمجيد القسوة، استخدام الخوف سياسياً، ومحاولة منح العقاب المتطرف غطاءً قانونياً.
ومن هنا يأتي عنوان هذا المقال: إيتمار بن غفير لا يشبه هاينريش هيملر فقط من بعيد.
وإذا كانت إسرائيل تريد أن تقدم نفسها دولة قانون، فإن ما يجري داخل السجون، وما يقوله ويفعله وزير الأمن القومي أمام الأسرى والكاميرات، لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد مادة انتخابية أو استعراضاً عابراً؛ بل بوصفه اختباراً للحدود التي يمكن أن يبلغها التطرف عندما يتحول من خطاب إلى سياسة، ومن سياسة إلى قانون وممارسة.