
بقلم: سهيلة عمر
ما أشبه ما نعيشه في قطاع غزة وعموم فلسطين، من حرب ودمار وتجويع وحصار، بصور تاريخية ودينية بقيت حاضرة في ذاكرة الشعوب بوصفها نماذج للصمود في مواجهة الخوف والحصار.
ومن بين هذه الصور التي تستوقفني غزوة الأحزاب في التاريخ الإسلامي، وقصة حصار بيت فلوى في سفر يهوديت، لما تحمله القصتان، رغم اختلاف الزمن والسياق والمصادر، من معاني الصبر والثبات وعدم الاستسلام لليأس.
وبالنسبة إليّ، فإن العبرة الأهم ليست في القول إن التاريخ يعيد نفسه حرفيًا، وإنما في أن الشعوب المحاصرة قد تمر بلحظات تبدو فيها موازين القوة شديدة الاختلال، ومع ذلك يبقى الأمل والثبات عنصرين حاسمين في مواجهة الخوف والانكسار.
أولًا: حصار المدينة في غزوة الأحزاب
تُعرف غزوة الأحزاب كذلك باسم غزوة الخندق. وقد وقعت عندما اجتمعت قوى وقبائل عدة، في مقدمتها قريش وغطفان وحلفاؤهما، وتوجهت إلى المدينة لمواجهة المسلمين.
وعندما علم النبي محمد ﷺ باقتراب الأحزاب، ارتبطت خطة الدفاع عن المدينة بحفر الخندق في الجهة المكشوفة منها، وهي الفكرة التي تنسبها روايات السيرة إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه.
وصلت قوات الأحزاب وفرضت حصارًا على المدينة، في وقت كان فيه المسلمون أمام قوة تفوقهم عددًا، وعاش سكان المدينة أيامًا شديدة من الخوف والضغط.
وتتناول سورة الأحزاب هذه الحالة بوضوح، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.
إنها صورة شديدة التعبير عن اللحظة التي يبلغ فيها الخوف أقصاه، وتضيق الخيارات أمام الإنسان، ويصبح الصمود نفسه اختبارًا.
الخندق.. عندما واجه التدبير اختلال موازين القوة
لم تكن مواجهة الأحزاب قائمة على التكافؤ العددي. كان الخندق وسيلة دفاعية أعاقت القوات المهاجمة ومنعت تحول تفوقها العددي إلى اقتحام سريع للمدينة.
وتذكر روايات السيرة الإسلامية كذلك دور نعيم بن مسعود في إحداث الخلاف والشك بين أطراف التحالف، فيما انتهى الحصار بانسحاب الأحزاب بعدما أخفقوا في تحقيق هدفهم، في ظروف صاحبتها الرياح والبرد واضطراب معسكرهم.
وقد لخّص القرآن نهاية المواجهة بقوله تعالى:
﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾.
وكان من دعاء النبي ﷺ في تلك الظروف:
«اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم».
ماذا عن بني قريظة؟
تورد مصادر السيرة الإسلامية أن بني قريظة دخلوا خلال حصار المدينة في اتصالات ومفاوضات مع الأحزاب، وترتبط الرواية المشهورة بدور حُيي بن أخطب في إقناع كعب بن أسد بتغيير موقفه من الاتفاق القائم مع النبي ﷺ.
وبعد انتهاء حصار الأحزاب، حاصر المسلمون بني قريظة، وانتهى الأمر بتحكيم سعد بن معاذ، الذي كان من زعماء الأوس، في قضيتهم.
وترد تفاصيل هذه الأحداث بصيغ متفاوتة في المصادر التاريخية والسير، ولذلك فإن استحضارها هنا هدفه بيان شدة الظروف التي أحاطت بالمدينة خلال غزوة الأحزاب، لا الدخول في الجدل التاريخي حول جميع تفاصيلها.
ثانيًا: قصة يهوديت وحصار بيت فلوى
لفتت نظري كذلك قصة سفر يهوديت، وبخاصة حصار مدينة بيت فلوى وما تعرض له سكانها من خوف ونقص في الماء وضغط دفع بعضهم إلى التفكير في الاستسلام.
وفي هذا الجزء تحديدًا وجدت تشابهًا معنويًا مع ما يعيشه الناس تحت الحصار: الخوف، شح الموارد، الشعور بأن الوقت ينفد، ثم الصراع بين اليأس والتمسك بالأمل.
هل سفر يهوديت سجل تاريخي؟
هنا من المهم التمييز بين القيمة الدينية والأدبية للسفر وبين إثبات أحداثه تاريخيًا.
فسفر يهوديت مكتوب بأسلوب القصة التاريخية، ويذكر ملوكًا وجيوشًا ومدنًا وحملات عسكرية، إلا أن محاولة مطابقته حرفيًا مع التسلسل التاريخي المعروف تثير إشكالات واضحة.
ومن أشهر الأمثلة أن السفر يصف نبوخذنصر بأنه ملك آشور في نينوى، بينما نبوخذنصر الثاني المعروف تاريخيًا كان ملكًا لبابل، وكانت نينوى قد سقطت قبل فترة حكمه.
كما لا تتوافر أدلة تاريخية مستقلة تثبت قصة هولوفرنس ويهوديت بالشكل الذي يسرده السفر.
ولهذا يتعامل كثير من الباحثين مع السفر بوصفه أدبًا دينيًا أو قصة تاريخية ذات رسالة لاهوتية، وليس سجلًا تاريخيًا حديثًا يمكن إثبات كل تفاصيله.
مكانة سفر يهوديت ليست واحدة لدى جميع التقاليد الدينية؛ فهو من الأسفار القانونية الثانية لدى الكنيسة الكاثوليكية، وتقبله الكنائس الأرثوذكسية ضمن أسفار العهد القديم، بينما لا يدخل في القانون العبري، وتصنفه التقاليد البروتستانتية ضمن الأسفار الأبوكريفية.
قصة يهوديت باختصار
تبدأ القصة بحملة عسكرية يقودها هولوفرنس بأمر من نبوخذنصر لإخضاع الشعوب الرافضة لسلطانه.
وبعد انتصارات متتابعة، يصل الجيش إلى المناطق القريبة من اليهودية، فيستعد بنو إسرائيل للدفاع عن أنفسهم ويحصنون الممرات المؤدية إلى أورشليم.
ويظهر في الرواية أحيور العموني، الذي يحذر هولوفرنس من الاستهانة ببني إسرائيل، ويربط مصيرهم بعلاقتهم بالله.
ثم يحاصر هولوفرنس بيت فلوى، وتشتد الأزمة حتى يبدأ الماء بالنفاد ويطالب بعض السكان قادتهم بالاستسلام إذا لم يأتِ الفرج خلال أيام.
يهوديت ترفض وضع موعد للفرج
في هذه اللحظة تظهر يهوديت، وهي أرملة يصفها السفر بالتدين والشجاعة، وتعترض على تحديد قادة المدينة مهلة لله قبل الاستسلام.
وجوهر خطابها لهم أن الإنسان لا يستطيع أن يحدد لله موعدًا للخلاص، وأن عليهم الثبات وعدم جعل اليأس حكمًا نهائيًا على مصيرهم.
وهذه، بالنسبة إليّ، واحدة من أقوى الرسائل في القصة: لا تجعل شدة اللحظة تقنعك بأن المستقبل قد حُسم.
من الحصار إلى انهيار الجيش المهاجم
وفق رواية السفر، تخرج يهوديت مع خادمتها إلى معسكر هولوفرنس، وتتمكن من كسب ثقته، ثم تستغل نومه بعد شرب الخمر وتقتله وتعود إلى المدينة برأسه.
وعندما يكتشف الجيش المهاجم مقتل قائده، يصيبه الاضطراب والذعر، فيهجم المدافعون ويطاردون القوات المنسحبة.
وتتحول يهوديت في نهاية القصة إلى رمز للخلاص، وتنشد نشيدًا تمجد فيه الله وتؤكد أن كثرة الجيوش وقوتها لا تعني أن النتيجة محسومة مسبقًا.
غزة.. والعبرة من القصتين
لا أقول إن غزة هي المدينة المنورة في غزوة الأحزاب، ولا إن ما يجري اليوم نسخة من قصة بيت فلوى. لكل حدث زمانه وأسبابه وظروفه السياسية والعسكرية والإنسانية المختلفة.
لكنني أرى في القصتين معنى يستحق أن نتوقف عنده نحن الفلسطينيين: الحصار ليس نهاية التاريخ، واختلال ميزان القوة لا يعني أن الأمل انتهى.
لقد مر أهل قطاع غزة وعموم فلسطين بسنوات قاسية من القتل والدمار والنزوح والجوع وفقدان الأحبة، وأصبح مجرد استمرار الناس في حياتهم وتمسكهم بأرضهم وأسرهم امتحانًا يوميًا للصبر.
وفي أحلك اللحظات، يحتاج الإنسان إلى ما يذكره بأن اليأس نفسه قد يكون أشد ما يفرضه الحصار على النفس.
ليس المطلوب أن نبحث في التاريخ عن نسخة مطابقة لحاضرنا، بل أن نتذكر أن أجيالًا وشعوبًا كثيرة مرت بلحظات اعتقدت فيها أن كل الأبواب أغلقت، ثم تغيرت الظروف التي بدت يومًا غير قابلة للتغيير.
الأمل لا يعني تجاهل الواقع
الإيمان بالفرج لا ينبغي أن يعني تجاهل الألم أو التقليل من حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون، كما لا يغني عن العمل والسعي لحماية الناس ووقف الحرب وتأمين الغذاء والدواء والمأوى وإعادة الحياة إلى المجتمع.
لكن الإنسان يحتاج، إلى جانب ذلك كله، إلى ألا يسمح للحصار بأن يهزم داخله القدرة على تصور يوم أفضل.
ومن هنا أستعيد الدعاء النبوي:
«اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم».
اللهم احفظ أهل فلسطين، واستر عوراتهم وآمن روعاتهم، وارحم شهداءهم، واشف جرحاهم، وأطعم جائعهم، وآوِ مشردهم، وارفع عنهم الحرب والحصار والبلاء.
سهيلة عمر
أسئلة شائعة
ما غزوة الأحزاب؟
هي غزوة الخندق التي حاصرت خلالها قريش وغطفان وقوى متحالفة معها المدينة، واعتمد المسلمون في الدفاع عنها على حفر الخندق في المناطق المكشوفة.
لماذا سميت بغزوة الأحزاب؟
لأن عدة قبائل وقوى تحالفت في حملة واحدة ضد المسلمين في المدينة.
هل وردت غزوة الأحزاب في القرآن؟
نعم، تناولت سورة الأحزاب أحداث الحصار وحالة الخوف التي عاشها المسلمون ونهاية الحملة، ولا سيما في الآيات 9 إلى 27.
ما سفر يهوديت؟
هو نص ديني يروي قصة أرملة تدعى يهوديت وإنقاذها قومها من جيش يقوده هولوفرنس. وتختلف مكانته بين التقاليد الدينية المسيحية واليهودية.
هل قصة يهوديت مثبتة تاريخيًا؟
توجد إشكالات زمنية وجغرافية في الرواية تجعل كثيرًا من الباحثين المعاصرين يتعاملون معها باعتبارها أدبًا دينيًا أو قصة تاريخية ذات غرض لاهوتي، وليس سجلًا تاريخيًا يمكن إثبات جميع أحداثه.
ما وجه المقارنة بين غزة وغزوة الأحزاب وقصة يهوديت في المقال؟
المقارنة التي تقدمها الكاتبة معنوية، وتدور حول الحصار والخوف والصمود ورفض اليأس، ولا تفترض تطابق الأحداث أو الظروف التاريخية والسياسية.
ينشر نداء الوطن مقالات الرأي بوصفها مساحة لكتابها، ولا تمثل بالضرورة المواقف التحريرية للموقع.