
بقلم: إبراهيم أبو عواد – كاتب من الأردن
ليس كل كاتب تُترجم أعماله إلى لغات أجنبية كاتبًا كبيرًا بالضرورة، وليس كل رواية تجد طريقها إلى دور النشر الغربية قد اجتازت امتحان الأدب بمعاييره الصارمة. فالترجمة، مهما اتسعت دائرتها، لا تمنح النص شهادة تفوق فني، كما أن الاحتفاء النقدي والإعلامي لا يعفي الرواية من السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا في كل قراءة جادة: ماذا أضافت إلى الأدب؟ وما الذي يجعلها جديرة بالبقاء بعد أن تتراجع حرارة القضية التي تتناولها، وتخفت الضجة المحيطة بها، ويتغير مزاج القراء والناشرين؟
من هنا يمكن أن نبدأ النقاش حول حضور روايات الكاتبة الفلسطينية سحر خليفة في اللغات الأجنبية، وهو حضور لا يمكن إنكاره؛ فقد تُرجمت بعض أعمالها إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية وغيرها، وحظيت باهتمام جامعي ونقدي، ونالت بعض أعمالها جوائز أدبية.
لكن الأمر الذي يستحق التوقف عنده، في تقديري، ليس عدد اللغات التي وصلت إليها هذه الروايات، بل طبيعة العوامل التي جعلتها مرغوبة في أسواق ثقافية بعينها، وما إذا كان الاهتمام بها نابعًا من قيمتها الأدبية وحدها، أم أن موضوعاتها السياسية والاجتماعية وهويتها الفلسطينية واشتغالها بقضايا المرأة قد أدت دورًا حاسمًا في تسويقها وتقديمها إلى القارئ الغربي.
ولا أرى من الحكمة التعامل مع الترجمة والجوائز والانتشار الدولي كما لو كانت أحكامًا نهائية في القيمة الفنية؛ فالمؤسسات الثقافية، مثل سائر المؤسسات، تختار وتستبعد وتسلط الضوء على موضوعات معينة، وتستجيب لاهتمامات السوق والجامعة والسياسة، فضلًا عن استجابتها للأدب نفسه.
الأدب الفلسطيني بين القيمة الفنية والحضور السياسي
الأدب الفلسطيني لا يحتاج إلى مجاملة، ولا يستفيد من رفع أعماله فوق المساءلة، بل يحتاج إلى نقد يميز بين قوة التجربة الإنسانية وقوة بنائها الفني، ويفرق بين شرعية القضية وتحويل القضية إلى فن حي لا يختزل البشر في مواقف وشعارات.
فالرواية ليست تقريرًا عن مرحلة تاريخية، ولا ملفًا توثيقيًا عن الاحتلال، ولا دراسة اجتماعية توزع فيها الأدوار بين القامع والمقموع، والتقليدي والمتحرر، والمرأة المضطهدة والرجل المستبد.
تستطيع هذه العناصر جميعًا أن تدخل الرواية، لكن دخولها لا يكفي وحده لصناعة الأدب. فلا بد أن تتغير طبيعتها حين تدخل العالم الروائي، وأن تصبح أكثر تشابكًا وترابطًا وإدهاشًا، وأن تتجاوز المعنى المباشر إلى آفاق إنسانية وجمالية أرحب.
روايات سحر خليفة وتمثيل المجتمع الفلسطيني
توضع روايات سحر خليفة ضمن تقليد أدبي يستخدم العلاقات بين الجنسين وسيلة لتمثيل أحوال المجتمع والشعب، أي إن الحياة الخاصة تصبح مدخلًا لقراءة البنية الوطنية والاجتماعية.
وهذه الملاحظة النقدية تفتح بابًا للتساؤل عن التوتر الذي قد ينشأ حين يطغى التمثيل السياسي والاجتماعي على استقلال الشخصية الروائية.
فعندما تُكتب الرواية من داخل انشغال سياسي أو اجتماعي شديد، يظل خطر اختزال الشخصية قائمًا؛ فقد يصبح الرجل ممثلًا للسلطة الأبوية، أو رمزًا للتخلف، أو صورة للمقاومة، بينما تتحول المرأة إلى عنوان للتحرر أو الضحية التي يُراد من القارئ التعاطف معها.
وعندئذ تتراجع المسافة بين الشخصية والفكرة التي تمثلها، وقد يصبح السلوك الروائي نوعًا من البرهنة على مواقف محددة مسبقًا، بدل أن يكون اكتشافًا للحياة الإنسانية بتفاصيلها وتعقيداتها.
ولا يستطيع أي روائي، مهما كانت خبرته، أن يقدم شخصية واحدة بوصفها صورة مكتملة لجماعة واسعة ومتعددة الطبقات والتجارب. فحين تتحول الشخصية إلى نموذج تمثيلي شامل، فإنها تخاطر بفقدان خصوصيتها، ويُختزل المجتمع في صورة واحدة.
قضايا المرأة وحدود الخطاب النسوي في الرواية
تحتل قضايا المرأة والعلاقات الأسرية والقيود الاجتماعية مساحة بارزة في تجربة سحر خليفة الروائية، وقد أسهم وصفها بالكاتبة النسوية المتمردة على القيم الاجتماعية السائدة في تعريف قطاعات من القراء الأجانب بأعمالها.
لكن المشكلة، من وجهة نظري، تبدأ حين يُعامل الانتماء إلى تيار فكري أو اجتماعي كما لو كان في ذاته دليلًا على الجودة الفنية.
فالنسوية، مثل الواقعية أو الاشتراكية أو الوجودية، ليست رتبة أدبية ولا قيمة فنية مستقلة، والفكرة التي يدافع عنها الكاتب لا تمنحه حصانة من النقد.
وأرى أن بعض أعمال سحر خليفة تعاني من محدودية التنوع اللغوي والأسلوبي، ومن تغليب الموقف الفكري على البناء الفني؛ إذ لا تتغير اللغة الروائية دائمًا بما يتناسب مع اختلاف الشخصيات وأحوالها النفسية، كما أن الحوارات، في تقديري، لا تمتلك في مواضع متعددة إيقاعًا خاصًا بكل شخصية.
ويبدو لي أن بعض الصور والتفاصيل لا تترك أثرًا يتجاوز المعلومات التي تنقلها، لأن اللغة تخضع في كثير من الأحيان لفكرة مسبقة تتمحور حول السلطة الأبوية والعلاقات الأسرية والتمرد على البنى الاجتماعية التقليدية.
وليس الاعتراض هنا على حق الروائية في تناول هذه القضايا، وإنما على الكيفية الفنية التي تتحول بها الأفكار إلى شخصيات وأحداث ولغة روائية.
التأثر بالمناهج الغربية وسؤال الهوية الثقافية
تمثل المناهج النقدية الغربية، ومنها النظريات النسوية والمقاربات التي تدرس الخطابات الأبوية، أدوات مهمة في تحليل الأدب والمجتمع، غير أن نقل المفاهيم من سياق ثقافي إلى آخر يثير أسئلة تتعلق بخصوصية التجربة المحلية.
وفي قراءتي لتجربة سحر خليفة، يبدو تأثير هذه المقاربات واضحًا في تناول العلاقات بين الرجل والمرأة، وفي تمثيل البنية الأسرية والاجتماعية الفلسطينية والعربية.
وأرى أن بعض هذه المعالجات قد تميل إلى تقديم المجتمع في إطار ثنائيات حادة، بما يحد من مساحة التعدد والاختلاف داخل التجربة الإنسانية.
ولا يعني هذا رفض الاستفادة من النظريات الأجنبية، وإنما الدعوة إلى إخضاعها للنقد والمراجعة عند تطبيقها على مجتمعات لها تاريخها وثقافتها وخصوصيتها.
لماذا يهتم الناشر الغربي بروايات المرأة العربية؟
إن الاهتمام الغربي بترجمة روايات الكاتبات العربيات اللواتي يتناولن موضوعات مثل قمع المرأة والاستغلال الاجتماعي والعلاقات الأسرية والقيود التقليدية، يمكن قراءته في ضوء تفاعل عوامل ثقافية وتسويقية وسياسية متداخلة.
وأقترح في هذا السياق التوقف عند عاملين أساسيين، دون الادعاء بأنهما يفسران وحدهما جميع قرارات الترجمة والنشر.
أولًا: الصور النمطية والتوقعات المسبقة
توجد في بعض الخطابات الثقافية الغربية صور نمطية تختزل المجتمعات العربية والإسلامية في بنى اجتماعية جامدة، وتقدم المرأة فيها بوصفها ضحية دائمة للقمع والإقصاء.
وعندما تركز رواية مترجمة على هذه الجوانب وحدها، فقد يجد بعض القراء فيها ما يؤكد توقعاتهم السابقة عن المجتمع الذي تتناوله.
كما يمكن أن تشكل هذه الموضوعات نافذة جذابة لقراء يبحثون عن معرفة عالم اجتماعي يعتقدون أنه خفي أو محاط بالمحرمات.
لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الرواية من عمل أدبي ذي رؤية خاصة إلى مرجع وحيد يُطلب منه تفسير مجتمع بأكمله.
ثانيًا: سوق النشر وصناعة الجوائز الأدبية
تخضع صناعة النشر، مثل غيرها من الصناعات الثقافية، لاعتبارات تجارية وترويجية، وقد تميل بعض دور النشر إلى الأعمال التي تحمل رسائل اجتماعية واضحة وقابلة للتقديم الإعلامي.
وتجد الروايات التي تناقش التحرر والتمرد والعلاقات بين الفرد والمجتمع فرصًا في أسواق ودوائر أكاديمية مهتمة بهذه القضايا.
غير أن هذه الملاحظة لا تكفي لإثبات أن ترجمة رواية بعينها جاءت على حساب قيمتها الفنية، بل تستدعي دراسة خيارات الناشرين والنقاد ولجان الجوائز وأسباب استقبال كل عمل.
إن سؤالي النقدي يتعلق بإمكان تغليب الجاذبية الموضوعية والسياسية على الاعتبارات الجمالية، وبمدى حضور النص بوصفه بناءً فنيًا مستقلًا لا مجرد وثيقة اجتماعية.
الرواية الفلسطينية بين الترجمة والتمثيل الثقافي
إن الغرب لا يترجم الأدب بمعزل عن الاهتمامات والصور التي تتشكل في مؤسساته الثقافية. والرواية الفلسطينية، بحكم موضوعها وموقعها التاريخي والسياسي، تمتلك قدرة على جذب اهتمام القارئ الأجنبي الذي يريد فهم الاحتلال والحياة اليومية تحته، أو التعرف إلى المجتمع الفلسطيني من خلال الأدب.
وليس في ذلك عيب في ذاته؛ فالأدب يتيح معرفة لا تقدمها التقارير السياسية وحدها.
لكن المشكلة تظهر حين يصبح النص مطلوبًا أساسًا لأنه يفي بتوقعات مسبقة عن المجتمع الذي يصوره، أو حين يُسوَّق بوصفه وثيقة تتيح للقارئ الأجنبي معرفة مجتمع بأكمله من خلال رواية واحدة.
فالقارئ الغربي لا يحصل على صورة فلسطين كاملة بمجرد قراءة رواية فلسطينية، ولا يحق للناشر أن يوحي له بأن رواية واحدة تختصر حياة الرجال والنساء والمجتمع بأسره.
والأدب الفلسطيني أكبر من أي كاتب، كما أن القضية الفلسطينية أوسع من أن تُختزل في رواية أو مجموعة روايات، ولا ينبغي أن تتحول مكانة الكاتب إلى احتكار لتمثيل شعبه، أو أن تصبح الترجمة الأجنبية معيارًا نهائيًا لتقدير الأدب العربي.
المأزق النقدي: هل يتحول النص إلى سلعة ثقافية؟
إن الترحيب الغربي بروايات سحر خليفة وترجمتها يفتح الباب أمام أسئلة مشروعة بشأن العلاقة بين الأدب والهوية والسوق الثقافية.
ومن وجهة نظري، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب المبدع هو أن يتراجع صوته الفني الخاص أمام متطلبات الترويج أو توقعات المؤسسات والناشرين.
فحين تصبح الترجمة أو الجوائز غاية تتقدم على متعة الإبداع وصدق التجربة، قد يفقد النص جانبًا من استقلاله الجمالي، ويتحول إلى منتج يستجيب لما يُتوقع منه بدل أن يوسع أفق القارئ ويفاجئه.
وأرى أن بعض روايات سحر خليفة تتيح مناقشة هذا الإشكال بسبب حضور القضايا النسوية والاجتماعية بقوة، وبسبب علاقتها المتشابكة بتمثيل المجتمع الفلسطيني أمام القارئ الأجنبي.
لكن التقييم النهائي يجب أن يبقى متعلقًا بما يقدمه النص من لغة وشخصيات وبناء سردي وابتكار فني، لا بمجرد انتشار اسمه أو حضوره في أسواق الترجمة.
ثماني ملاحظات نقدية على تجربة سحر خليفة الروائية
يمكن تلخيص أبرز المآخذ التي أطرحها على عدد من أعمال سحر خليفة في النقاط التالية:
- سطحية الخطاب الروائي: تغليب الرسالة السياسية والاجتماعية على التشكيل الفني في بعض المواضع، بما يحد من تعدد الدلالات وحرية التأويل.
- محدودية التجديد اللغوي: الاعتماد أحيانًا على نبرة سردية مألوفة لا تحقق التنوع المطلوب بين الشخصيات والمواقف.
- التكرار الأسلوبي: إعادة استخدام أدوات سردية متقاربة في أكثر من عمل، بما قد يضعف عنصر الدهشة.
- ضعف الاستقلال النفسي لبعض الشخصيات: ميل بعض الشخصيات إلى تمثيل نماذج اجتماعية أو أيديولوجية على حساب خصوصيتها الإنسانية.
- المباشرة الفكرية: التعبير عن المواقف والأفكار بصورة تقريرية بدل تجسيدها في صراعات درامية متعددة المستويات.
- تبسيط العلاقات الإنسانية: اختزال بعض الصراعات الاجتماعية والعلاقات بين الجنسين في ثنائيات تقلل تعقيد التجربة البشرية.
- تغليب التوثيق على التخييل: طغيان قيمة تسجيل الواقع الفلسطيني، في بعض النصوص، على الابتكار الفني وإعادة تشكيل الواقع روائيًا.
- تشتت المحاور الموضوعية: ازدحام بعض الأعمال بالقضايا السياسية والاجتماعية والنسوية على حساب وحدة البناء وترابط الأحداث.
الترجمة ليست الحكم النهائي على الأدب
إن حضور الأعمال الأدبية في اللغات الأجنبية يتيح لها الوصول إلى قراء جدد، ويمنحها فرصًا إضافية للنقاش والتأثير، لكنه لا يعفيها من النقد ولا يضعها خارج معايير التقييم الفني.
كما أن الاعتراض على جوانب من تجربة روائية لا يعني إنكار حضورها الثقافي أو أهمية الأسئلة التي تطرحها، وإنما يفتح المجال أمام قراءة أكثر استقلالًا وتنوعًا.
فالقيمة الأدبية لا تُقاس بعدد الترجمات والجوائز وحدها، وإنما بقدرة النص على ابتكار عالم فني حي، وتقديم شخصيات معقدة، وصناعة لغة تمتلك خصوصيتها وقوتها التعبيرية.
وإذا كان الأدب الفلسطيني قد حقق حضورًا عالميًا متزايدًا، فإن الحاجة تبقى قائمة إلى نقد جاد لا يكتفي بالاحتفاء، ولا يستبدل التحليل الجمالي بالمواقف السياسية، بل يقرأ كل عمل انطلاقًا من بنيته الفنية وقدرته على تقديم تجربة إنسانية تتجاوز الشعارات والأحكام المسبقة.
إبراهيم أبو عواد
كاتب من الأردن