إلى متى يكتفي العرب بالإدانة؟ صرخة من أجل اليمن والسعودية وكرامة الأمة

إلى متى يكتفي العرب بالإدانة؟ صرخة من أجل اليمن والسعودية وكرامة الأمة

بقلم: عبد حامد

إلى متى يظل العالم العربي أسير بيانات الشجب والإدانة، بينما تتسع جراحه من فلسطين إلى اليمن، ومن بلاد الرافدين إلى لبنان وسوريا؟ وإلى متى تبقى دماء الأبرياء وآلام الشعوب مجرد أخبار عابرة، لا توقظ في النفوس ما يكفي من الغيرة والتضامن والمسؤولية؟

ضاعت فلسطين الحبيبة تحت وطأة الاحتلال، وعانت بلاد الرافدين ويلات الحروب، وذاق لبنان مرارة الانقسامات وسطوة السلاح الخارج عن مؤسسات الدولة، فيما كاد اليمن السعيد يفقد ما تبقى من أسباب الحياة والاستقرار.

وفي خضم هذه المآسي، وقفت المملكة العربية السعودية، بما تمثله من ثقل عربي وإسلامي، في مواجهة تحديات جسيمة، وقدمت، من وجهة نظري، تضحيات كبيرة في سبيل أمنها واستقرار المنطقة، ودعم الأشقاء في أوقات المحن والشدائد.

ولقد شهدنا خلال السنوات الماضية ما تعرضت له المملكة من تهديدات واعتداءات، وما تحملته من أعباء سياسية وأمنية وإنسانية، في وقت كانت فيه الأمة العربية أحوج ما تكون إلى وحدة الموقف وتكامل الجهود.

اليمن السعيد.. حين تصبح الحياة اليومية مأساة

لم يعد اليمن السعيد سعيدًا كما عرفناه في صفحات التاريخ وذاكرة العرب. فقد أثقلت الحروب كاهله، وتفاقمت معاناة شعبه، ووجد الملايين أنفسهم في مواجهة الفقر والجوع والمرض والنزوح وفقدان الأمن.

وفي مناطق عديدة، أسهمت ممارسات جماعة الحوثي واستمرار الصراع في تعميق الأزمة الإنسانية، وتعطيل حياة الناس، وحرمان عائلات كثيرة من أبسط مقومات العيش الكريم.

وأي مأساة أعظم من أن يبحث الأب عن رغيف خبز فلا يجده، وأن تنتظر الأم دواء لطفلها فلا يصل، وأن يكبر الأطفال على أصوات الخوف بدلًا من أصوات المدارس والضحكات؟

إن الألم اليمني ليس شأنًا محليًا معزولًا، بل جرح عربي وإنساني ينبغي أن يبقى حاضرًا في ضمير كل من يؤمن بحق الإنسان في الحياة والكرامة والأمان.

تعز.. مدينة الصبر التي تستحق أكثر من التعاطف

وعلى وجه الخصوص، يقف أهلنا في تعز، مدينة البطولة والثبات والصبر، شاهدًا على سنوات طويلة من المعاناة التي لا تختصرها العناوين ولا تفي بحقها الكلمات.

هناك آباء وأمهات وأخوات وأطفال دفعوا أثمانًا باهظة للحرب والحصار والاشتباكات وتعطل سبل الحياة. وهناك أجيال نشأت وهي تحلم بما ينبغي أن يكون حقًا طبيعيًا لكل إنسان: بيت آمن، ومدرسة مفتوحة، ومستشفى قادر على إنقاذ المرضى.

فكيف يستطيع عربي أن يشاهد هذه الأهوال التي يتعرض لها أهلنا في تعز، وفي غيرها من المدن اليمنية والعربية، ثم لا تتحرك في قلبه مشاعر الغيرة والرحمة والمسؤولية؟

وكيف لنا أن نتعايش مع مشاهد الألم حتى تصبح مألوفة، ومع أخبار الضحايا حتى تتحول إلى أرقام تمر أمام أعيننا ثم ننساها؟

أين ضمير المثقف والفنان أمام آلام الأمة؟

أتساءل، بكل ألم ومرارة: كيف لمن يصف نفسه بالفنان أو المثقف أو صاحب الرسالة أن ينفصل تمامًا عن آلام أمته، وأن يعيش في عالم من اللهو والاحتفال، بينما تتدفق دماء الأبرياء في أكثر من بقعة عربية؟

لست أدعو إلى إلغاء الفرح من حياة الناس، فالإنسان يحتاج إلى الأمل كما يحتاج إلى الخبز. لكنني أدعو إلى ألا يصبح الفرح غطاءً للنسيان، وألا تتحول الثقافة والفنون إلى مساحة صامتة أمام الظلم والمأساة.

إن الكلمة الصادقة، واللوحة المعبرة، والأغنية الإنسانية، والموقف الشجاع، كلها تستطيع أن تحمل رسالة تضامن وتعيد إلى الواجهة معاناة من لا يجدون من يسمع أصواتهم.

ما جدوى القوة العربية إذا غابت الإرادة المشتركة؟

ثم يفرض السؤال نفسه: ما جدوى الجيوش العربية، وما جدوى ما يُنفق على الأسلحة والمعدات العسكرية من أموال هائلة، إذا عجزت الأمة عن توظيف قدراتها في حماية أمنها المشترك وصون حياة شعوبها وردع الاعتداءات عنها؟

إن امتلاك القوة لا يكفي ما لم ترافقه إرادة سياسية واعية، ورؤية استراتيجية، وتنسيق عربي جاد، يجعل من حماية الإنسان العربي واستقرار أوطانه أولوية تتقدم على الخلافات والحسابات الضيقة.

وإذا لم تحركنا روابط العروبة، واللغة، والتاريخ، والمصالح المشتركة، فماذا عسى أن يحركنا؟

وإذا لم توقظ فينا قيم الإسلام السمحة معاني الرحمة والتكافل والتناصر وحماية الأبرياء، فكيف نفهم رسالتنا الأخلاقية والإنسانية؟

إن الأمة التي تتفرق أمام الأخطار، وتكتفي بمراقبة ما يجري حولها، إنما تترك مستقبلها عرضة لمزيد من الأزمات والاضطرابات.

السعودية ومصر.. والحاجة إلى موقف عربي متماسك

إن ما تواجهه المملكة العربية السعودية من تحديات لا ينبغي أن يُنظر إليه بمعزل عن الأمن القومي العربي، فاستقرار المملكة وأمنها جزء أساسي من استقرار المنطقة بأسرها.

ومن هنا، فإنني أرى في المواقف العربية الداعمة للمملكة، ومنها الموقف المصري، خطوة مهمة على طريق استعادة روح التضامن والتنسيق بين الأشقاء.

فمصر العروبة، بما لها من مكانة تاريخية وثقل سياسي وبشري وعسكري، تستطيع، إلى جانب المملكة وسائر الدول العربية، أن تسهم في بناء موقف أكثر فاعلية تجاه الأخطار التي تواجه المنطقة.

والمطلوب ليس مجرد شعارات حماسية، بل عمل مشترك يحمي الدول والشعوب، ويدعم الحلول العادلة، ويخفف معاناة المدنيين، ويمنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من الحروب والدمار.

بيانات الشجب والإدانة.. إلى متى؟

أما الدول، ولا سيما الشقيقة منها، التي يقتصر موقفها على إصدار بيانات الشجب والإدانة والاستنكار، فأقول لها: لقد خبرنا هذا الأسلوب طوال عقود طويلة، ولم يكن وحده كافيًا لحماية الشعوب أو وقف المآسي.

لقد سمعنا عبارات القلق البالغ، والاستنكار الشديد، والدعوة إلى ضبط النفس، مرات لا تحصى، بينما كانت مدن تُدمر، وعائلات تُهجر، وأوطان تدفع أثمانًا فادحة.

إن الدبلوماسية ضرورة، والبيانات الرسمية قد تكون جزءًا من أدواتها، لكنها لا ينبغي أن تكون البديل الوحيد عن المبادرات السياسية والإنسانية الفاعلة، أو عن تحمل المسؤولية الجماعية تجاه ما يجري في منطقتنا.

هل فقدنا القدرة على الشعور بآلام بعضنا؟

كنت، حين ينتابني الحزن دون سبب واضح، أبحث عن تفسير لهذا الشعور، وأجدني أعود إلى فكرة إنسانية طالما لامست وجداني: أن الروابط العميقة بين الكائنات قد تجعل الألم يتجاوز حدود المكان والمسافة.

وتُروى في هذا السياق حكايات عن تجارب أُجريت على حيوانات وأمهات فُصلت عن صغارها، ويُقال إنها أظهرت استجابات للقلق والخوف رغم البعد. ولا أطرح هذه الحكايات بوصفها حقائق علمية مثبتة، بل بوصفها صورة رمزية تثير سؤالًا أخلاقيًا عميقًا.

إذا كانت الرحمة والحنان من الصفات التي نراها حتى في عالم الحيوان، فكيف بالإنسان الذي وهبه الله العقل والضمير والقدرة على التعاطف؟

كيف نرى أوطانًا عربية تتألم، وشعوبًا تُهجر، وأطفالًا يفقدون الأمان، ثم نمضي في حياتنا كأن ما يحدث لا يعنينا؟

إنني لا أطالب بأن يعيش الناس في حزن دائم، بل بأن تبقى في قلوبهم مساحة حقيقية لآلام الآخرين، وأن تتحول هذه المشاعر إلى مواقف وأعمال تنصر المظلوم وتخفف عن المحتاج.

رحم الله شهداء الواجب في نجران

وفي ختام هذه الكلمات، أتقدم بخالص العزاء والمواساة إلى المملكة العربية السعودية، وإلى أسرتي الضابطين اللذين فقدا حياتهما في حادث تحطم مروحية استطلاعية تابعة للحرس الوطني السعودي بمنطقة نجران، يوم الأحد 18 أكتوبر 2026.

وقد أعلن المتحدث باسم قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن أن المروحية، وهي من طراز «AH-6i»، سقطت نتيجة عطل فني، ما أدى إلى وفاة ضابطين من طاقمها الجوي.

وتداولت وسائل إعلام سعودية اسمي الرائد الطيار علي بن إبراهيم بن طلحة، والملازم الطيار عبدالعزيز بن عيد بن هرسان المسردي، فيما أشارت روايات من مقربين إلى أن الأخير كان يستعد لحفل زفاف مقرر في 29 أكتوبر الجاري.

وإنها لفاجعة إنسانية موجعة أن تتحول أيام الاستعداد للفرح إلى أيام عزاء، وأن تتبدل أحلام الأسرة بلقاء الأحبة إلى دعوات بالرحمة والمغفرة.

رحم الله الفقيدين، وألهم أسرتيهما وذويهما الصبر والسلوان، وحفظ المملكة العربية السعودية وسائر بلاد العرب من كل سوء.

وأختم بسؤال لا أجد له جوابًا يطمئن القلب: متى تدرك أمتنا أن آلام شعوبها مسؤولية مشتركة، وأن التضامن الحقيقي لا يقاس ببلاغة البيانات، بل بما نبذله من جهد لحماية الإنسان وصون كرامته ومستقبله؟

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثل بالضرورة الموقف التحريري لموقع نداء الوطن.