الاعتراف الصادم: أهواله ودلالاته وتداعياته

الاعتراف الصادم: أهواله ودلالاته وتداعياته

بقلم: عبد حامد

أخيرًا، وبعد عقود طويلة من الجدل حول السيادة اللبنانية ودور السلاح خارج مؤسسات الدولة، جاء إقرار حزب الله بملكية شحنة المتفجرات التي صادرتها السلطات اللبنانية ليطرح مجددًا أسئلة شائكة حول العلاقة بين الحزب والدولة، وحدود السلطة، ومصير القرار الوطني المستقل.

لم يكن هذا الإقرار، في تقديري، مجرد تفصيل أمني عابر؛ بل يمثل لحظة كاشفة لطبيعة الأزمة التي عاشها لبنان طويلًا، وما رافقها من انقسامات سياسية ومواجهات عسكرية وانهيارات اقتصادية واجتماعية دفع المواطن اللبناني أثمانها الباهظة.

اعتراف يفتح أسئلة السيادة

لقد أقر الحزب بأن شحنة المتفجرات المصادرة تعود إليه، مؤكدًا أنها مخصصة لمواجهة القوات الإسرائيلية في الجنوب. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا لا يتعلق فقط بوجهة هذه الشحنة، وإنما بحق الدولة اللبنانية في معرفة ما يجري على أراضيها، وفي ممارسة سلطتها على السلاح والقرارات الأمنية والعسكرية.

فهل يمكن الحديث عن دولة مكتملة السيادة إذا ظلت هناك قوى تمتلك قدرات عسكرية مستقلة عن مؤسساتها؟ وكيف يمكن حماية المواطن اللبناني من تداعيات قرارات الحرب والسلم إذا لم تكن هذه القرارات محصورة بالمؤسسات الدستورية؟

إن هذه الأسئلة لا تلغي واقع الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، ولا حق اللبنانيين في الأمن والحماية، لكنها تؤكد ضرورة أن تكون مسؤولية الدفاع عن البلاد خاضعة لإطار وطني واضح، لا أن تتحول إلى مصدر دائم للانقسام الداخلي.

لبنان بين الأزمات والمسؤوليات

لقد عرف لبنان أزمات متلاحقة أفقدته جانبًا كبيرًا من استقراره الاقتصادي والاجتماعي، ودفعت قطاعات واسعة من شعبه إلى مواجهة ظروف معيشية قاسية. وكانت أزمة المصارف والودائع واحدة من أكثر المحطات إيلامًا، بعدما وجد كثير من اللبنانيين أنفسهم عاجزين عن الوصول إلى مدخراتهم.

ولا يمكن اختزال أسباب هذا الانهيار في جهة واحدة، إذ تتداخل فيه مسؤوليات سياسية ومالية ومؤسسية متعددة. لكن ذلك لا يعفي القوى التي شاركت في السلطة أو أثرت في قرارات الدولة من المساءلة عن أدوارها.

وقد سبق أن تناولت في كتابات سابقة ما اعتبرته مظاهر خطيرة من الفساد والإهمال في الأسواق والمؤسسات، وما يمكن أن يترتب عليها من تهديد لصحة المواطنين وأمنهم الغذائي. وتظل هذه القضايا بحاجة إلى تحقيقات موثقة ومحاسبة قانونية، بعيدًا عن الاتهامات العامة التي لا تستند إلى أحكام أو أدلة معلنة.

أين تقف القوى السياسية الأخرى؟

إن تداعيات هذا الإقرار لا تقف عند حزب الله وحده، بل تمتد إلى القوى السياسية التي شاركت في إدارة الدولة اللبنانية خلال العقود الماضية، سواء من خلال التحالفات أو التسويات أو السكوت عن الاختلالات المتراكمة في بنية السلطة.

وهنا يبرز السؤال: ما موقف هذه القوى اليوم من مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة؟ وهل تمتلك الإرادة السياسية للانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء مؤسسات قادرة على فرض القانون على الجميع؟

إن إعادة الاعتبار للدولة لا تتحقق بالشعارات، وإنما بقرارات واضحة تضمن استقلال القضاء، وخضوع الجميع للقانون، وحماية المؤسسات من المحاصصة والتدخلات الخارجية.

السلاح والدولة والمواطن

في رأيي، تكمن خطورة المشهد في أن قضية شحنة واحدة من المتفجرات أعادت إلى الواجهة سؤالًا أكبر: أيهما يجب أن يتقدم، منطق التنظيم المسلح أم مصلحة الدولة والمجتمع؟

إن أمن المواطن اللبناني وكرامته ومستقبله لا ينبغي أن تكون أوراقًا في أي صراع سياسي أو إقليمي. كما أن الدفاع عن البلاد لا يجوز أن يتحول إلى مبرر دائم لتعليق دور مؤسساتها أو تجاوز سلطاتها.

ولا يمكن للبنان أن يستعيد عافيته ما لم تصبح السيادة مسؤولية وطنية جامعة، وما لم تتوقف القوى السياسية عن التعامل مع الدولة باعتبارها ساحة لتوازن النفوذ بدلًا من كونها مؤسسة لحماية المواطنين.

الكلمة الحرة في مواجهة الانقسام

وفي هذا السياق، أحيي المواقف التي تتبناها الصحافة اللبنانية الداعية إلى سيادة الدولة واستقلال قرارها، ومنها صحيفة «نداء الوطن» اللبنانية، التي تابعت مواقفها ووجدت في خطها التحريري تعبيرًا عن رؤية سياسية واضحة في الدفاع عن مؤسسات الدولة.

إن أهمية الصحافة الحرة لا تكمن في اتفاق الجميع معها، بل في قدرتها على طرح الأسئلة الصعبة، وفتح المجال للنقاش العام، ومساءلة أصحاب النفوذ والقرار.

الخلاصة

إن إقرار حزب الله بملكية شحنة المتفجرات المصادرة ليس اعترافًا بكل ما أصاب لبنان من أزمات، لكنه في تقديري حدث بالغ الدلالة، لأنه يعيد النقاش إلى جوهر المشكلة: من يمتلك القرار الأمني والعسكري، ومن يتحمل مسؤولية نتائجه أمام الشعب اللبناني؟

ويبقى الأمل أن تتحول هذه اللحظة إلى فرصة لمراجعة وطنية جادة تعيد للدولة سلطتها، وللمواطن ثقته بمؤسسات بلاده، وللبنان مكانته التي يستحقها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يمثل بالضرورة الموقف التحريري للموقع.

للاطلاع على خلفية الواقعة: تقرير رويترز بشأن إقرار حزب الله بملكية المتفجرات.

المصدر - الموقع الرسمي: نداء الوطن