
بقلم: سهيلة عمر
يُعدّ إنجيل برنابا من أكثر الكتب المنسوبة إلى التراث المسيحي إثارة للجدل، لما يتضمنه من روايات عن السيد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، ونصوص تتحدث عن مجيء النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فضلًا عن اختلافات جوهرية بين مضمونه وما ورد في الأناجيل الأربعة المعتمدة لدى الكنائس المسيحية.
وقد دفعني هذا الكتاب إلى التساؤل عن حقيقة مؤلفه وتاريخ ظهوره، ومدى إمكان الاعتماد على ما جاء فيه، خاصة أن بعض نصوصه تبدو قريبة من التصور الإسلامي لشخصية المسيح، بينما تتضمن مواضع أخرى أفكارًا لا تتفق مع القرآن الكريم أو مع ما نعرفه عن تاريخ الأديان.
وفي هذه القراءة المنشورة على نداء الوطن، أحاول عرض أبرز جوانب هذا اللغز، والتمييز بين ما يقوله الكتاب عن نفسه وما يمكن إثباته تاريخيًا، ثم تقديم ملاحظاتي الشخصية حول محتواه.
هل يمكن اعتبار إنجيل برنابا شاهدًا تاريخيًا على بشارة المسيح بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، أم أن النص المتداول يعكس أفكارًا دينية نشأت في فترة تاريخية متأخرة؟
من هو برنابا؟ وهل كتب الإنجيل المنسوب إليه؟
برنابا شخصية معروفة في العهد الجديد، ويذكر سفر أعمال الرسل أنه كان يُدعى يوسف، وأن الرسل أطلقوا عليه اسم برنابا. كما ارتبط اسمه ببولس في بعض مراحل الدعوة المسيحية الأولى.
غير أن معرفة شخصية برنابا التاريخية لا تعني أن الكتاب المتداول اليوم تحت عنوان «إنجيل برنابا» من تأليفه؛ إذ لا تتوافر أدلة مخطوطية وتاريخية موثوقة تثبت أن النص الموجود يعود إلى القرن الأول الميلادي.
وهنا تكمن أولى المشكلات: فهناك فرق بين وجود شخصية تاريخية تحمل اسم برنابا، ووجود كتاب متأخر ينسب نفسه إليها.
متى ظهر إنجيل برنابا؟
تتناقل بعض الروايات أخبارًا عن ذكر كتاب باسم «إنجيل برنابا» ضمن قوائم قديمة للكتب غير المعتمدة كنسيًا، ومن بينها روايات تربط ذلك بما يُعرف بالمرسوم الجلاسي.
لكن مجرد ظهور هذا الاسم في قائمة قديمة، إذا ثبتت صحة نسبتها وتاريخها، لا يكفي لإثبات أن المقصود هو النص الإيطالي المتداول اليوم؛ فالتماثل في العنوان لا يثبت بالضرورة وحدة المؤلف أو المحتوى.
وتوجد كذلك قصة شائعة عن راهب يُدعى فرامرينو، قيل إنه عثر على نسخة من الكتاب في مكتبة البابا سيكستوس الخامس ثم اعتنق الإسلام بعد قراءتها. غير أن هذه القصة لا يمكن التعامل معها بوصفها واقعة تاريخية ثابتة دون أدلة مستقلة تؤيدها.
أما النسخة الإيطالية المعروفة من إنجيل برنابا فقد برزت في السجلات الأوروبية في مطلع القرن الثامن عشر، عندما ارتبط انتقالها باسم يوهان فريدريش كريمر والأمير أوجين السافوي، ثم آلت إلى مجموعات المكتبة الإمبراطورية في فيينا.
وتُعرف أيضًا شواهد على نسخة إسبانية، لكن ذلك لا يثبت أن النص يرجع إلى زمن المسيح أو إلى برنابا نفسه. ولهذا يرجّح باحثون أن تأليف النص المتداول يعود إلى أواخر العصور الوسطى أو بدايات العصر الحديث، مع استمرار النقاش بشأن مؤلفه وبيئته الأصلية.
وجود ذكر قديم لعنوان «إنجيل برنابا» لا يثبت أن المخطوطات المتأخرة تحمل النص نفسه. كما أن تاريخ العثور على مخطوطة ليس بالضرورة تاريخ تأليفها.
لماذا يختلف إنجيل برنابا عن الأناجيل الأربعة؟
تتجلى أبرز الاختلافات بين إنجيل برنابا والأناجيل المعتمدة لدى الكنائس المسيحية في عدة قضايا عقائدية أساسية.
أولًا: طبيعة السيد المسيح
يقدم إنجيل برنابا المسيح بوصفه إنسانًا ونبيًا مرسلًا من الله، وينفي عنه الألوهية والبنوة الإلهية. وهذه الصورة أقرب إلى العقيدة الإسلامية في عيسى ابن مريم عليه السلام، لكنها تختلف عن العقائد المسيحية السائدة التي تؤكد ألوهية المسيح.
ثانيًا: قصة الصلب
يروي الكتاب أن المسيح لم يُصلب، وأن يهوذا الإسخريوطي هو الذي أُلقي عليه شبهه وصُلب بدلًا منه.
ويتفق نفي صلب المسيح في الجملة مع الفهم الإسلامي لقوله تعالى في سورة النساء: «وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّه لهم»، إلا أن القرآن الكريم لا يسمّي الشخص الذي وقع عليه الشبه، ولذلك لا يصح تقديم تحديده في إنجيل برنابا بوصفه حقيقة قرآنية ثابتة.
ثالثًا: الذبيح من أبناء إبراهيم
ينسب الكتاب إلى المسيح قولًا يفيد بأن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام، وليس إسحاق. وهذه المسألة ترتبط باختلافات معروفة في التراث الديني وتفسير قصة إبراهيم عليه السلام.
رابعًا: البشارة بالنبي محمد
من أكثر المواضع إثارة للاهتمام في الكتاب ورود اسم محمد صلى الله عليه وسلم ضمن أحاديث ينسبها النص إلى المسيح، مع وصف رسول يأتي بعده ويحمل رسالة إلى الأمم.
لكن ورود اسم النبي محمد في نص لا تثبت نسبته إلى القرن الأول الميلادي لا يكفي، من الناحية التاريخية، لإثبات أن المسيح نطق بهذه العبارات نفسها.
ماذا يقول إنجيل برنابا عن النبي محمد؟
يتضمن الكتاب حوارات مطولة ينسبها إلى المسيح وتلاميذه، تتناول الرسول المنتظر وصفاته ومكانته وعلاقته بالرسالات السابقة.
وفي أحد المقاطع المنسوبة إلى المسيح، يرد حديث عن رسول يأتي بعده ويبلغ رسالة الحق. وفي مقطع آخر، يرد ذكر النبي محمد بالاسم ضمن سياق يتحدث عن الأنبياء والعهد الإلهي.
ومن وجهة نظري، فإن هذه المقاطع تستحق القراءة والمقارنة، لكن من الضروري التمييز بين نص يروي بشارة وبين دليل تاريخي يثبت صدور هذه البشارة بصيغتها الواردة.
أما البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم في العقيدة الإسلامية، فهي ثابتة في القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى على لسان عيسى ابن مريم في سورة الصف، الآية السادسة:
«ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد»
سورة الصف، الآية 6
وهذا النص القرآني مستقل في حجيته الدينية لدى المسلمين عن مسألة صحة إنجيل برنابا أو عدم صحتها.
هل توجد تناقضات داخل إنجيل برنابا؟
عند قراءة النص المتداول، تظهر مجموعة من المسائل التي تستدعي التأمل والنقد، ولا سيما عند مقارنته بالقرآن الكريم والأناجيل الأربعة والمعلومات التاريخية المتاحة.
المسيح ولقب «المسيا»
من المواضع اللافتة أن الكتاب ينسب إلى المسيح نفي كونه «المسيا» في بعض الحوارات، بينما يصف القرآن الكريم عيسى ابن مريم صراحة بأنه المسيح.
قال تعالى في سورة النساء، الآية 171: «إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه».
وهذا الاختلاف يثير تساؤلًا مهمًا عن خلفية مؤلف الكتاب وطريقة استخدامه للمصطلحات الدينية.
برنابا ضمن التلاميذ الاثني عشر
يضع النص برنابا ضمن التلاميذ الاثني عشر للمسيح، بينما لا يرد اسمه في قوائم الاثني عشر المعروفة في الأناجيل القانونية، ومنها القائمة الواردة في الإصحاح العاشر من إنجيل متى.
ولا يكفي هذا الاختلاف وحده لتحديد مؤلف النص، لكنه يمثل قرينة إضافية تستحق الدراسة عند بحث مدى اتصاله بالمسيحية الأولى.
روايات عن الملائكة والقيامة والخلق
يتوسع إنجيل برنابا في وصف القيامة والحساب والجنة والنار والملائكة، ويتضمن روايات وتفاصيل لا تتطابق جميعها مع التصور الإسلامي المعروف.
كما ترد فيه أقوال عن خلق العالم ومكانة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وصور من الحوار بين الله وخلقه، أرى أن بعضها يحتاج إلى نقد شديد، ولا يجوز نسبته إلى الوحي دون دليل صحيح.
ومن الملاحظات التي يثيرها النص كذلك اختلاف بعض رواياته عن التصور القرآني لأصل إبليس، فضلًا عن تفاصيل تتعلق بعدد السماوات وبعض الأحكام المرتبطة بالزواج.
وهذه الاختلافات تجعل من الصعب اعتبار الكتاب مطابقًا للعقيدة الإسلامية، حتى وإن احتوى على أفكار تتفق معها في مواضع أخرى.
هل ألّف الكتاب مسلم أم مسيحي أم شخص تأثر بثقافات متعددة؟
من الأسئلة التي شغلتني أثناء القراءة: كيف يمكن تفسير وجود معرفة واسعة بالعهد القديم والتقاليد المسيحية، إلى جانب أفكار قريبة من الإسلام، داخل كتاب واحد؟
قد يكون المؤلف شخصًا عاش في بيئة شهدت تفاعلًا بين التقاليد الدينية، واستفاد من مصادر مسيحية وإسلامية مختلفة. وقد يكون قد أعاد صياغة روايات دينية قديمة وفق رؤيته الخاصة.
لكن هذه الاحتمالات لا تسمح بالجزم بهوية المؤلف أو ديانته؛ فالمعرفة الواسعة بالمسيحية لا تنفي أن يكون الكاتب مسلمًا، كما أن وجود عناصر إسلامية في النص لا يثبت أنه كُتب بأيدي مسلمين.
والأقرب منهجيًا هو دراسة اللغة والمخطوطات والمصادر التي اعتمد عليها النص، بدل الاكتفاء بالاستنتاج من تشابه بعض الأفكار أو اختلافها.
ملاحظاتي الشخصية بعد قراءة إنجيل برنابا
أول ما لفت انتباهي أن الكتاب يدعو في مواضع كثيرة إلى البر والتوبة وتقوى الله والإخلاص، وهي قيم أخلاقية يمكن تقديرها من حيث معناها العام، دون أن يعني ذلك التسليم بصحة نسبة الكتاب أو اعتماد جميع ما ورد فيه.
كما لاحظت أن الحوارات المنسوبة إلى المسيح تتضمن أحيانًا أفكارًا ومناقشات تبدو قريبة من الجدل الديني الذي تطور في عصور لاحقة، الأمر الذي يدفعني إلى التساؤل عن زمن صياغتها.
ومن جهة أخرى، فإن وجود روايات قريبة من القصص القرآني لا يثبت وحده أنها كانت موجودة في نصوص مسيحية قديمة ثم حُذفت؛ فقد تكون وصلت إلى مؤلف الكتاب من تقاليد دينية أو روايات أخرى كانت متداولة في بيئته.
ولا أرى أن اختلاف إنجيل برنابا عن الأناجيل الأربعة يكفي لإثبات صحته، مثلما لا يكفي اتفاقه مع بعض المفاهيم الإسلامية للحكم بأن جميع رواياته صحيحة.
فإذا كان مؤلفه قد استقى مادته من مصادر متعددة، فإن احتمال إعادة الصياغة والإضافة يظل قائمًا، كما يظل قائمًا السؤال عن مدى أمانته في نقل الأقوال التي نسبها إلى المسيح عليه السلام.
إنجيل برنابا نص ديني مثير للاهتمام من زاوية تاريخ الأفكار والتفاعل بين الأديان، لكن محتواه لا يكفي لإثبات نسبته إلى برنابا التاريخي، ولا يجوز التعامل مع جميع رواياته بوصفها أقوالًا ثابتة عن السيد المسيح.
هل يحتاج المسلم إلى إنجيل برنابا لإثبات نبوّة محمد؟
في اعتقادي، لا تتوقف عقيدة المسلم في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم على صحة إنجيل برنابا أو بطلانه، ولا على إثبات أن كل عبارة وردت فيه تعود إلى زمن المسيح.
فالمسلم يستند في إيمانه إلى القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، ويستطيع دراسة النصوص الدينية الأخرى من باب المعرفة والمقارنة والبحث التاريخي، دون أن يجعلها أصلًا من أصول اعتقاده.
وهذا لا يمنع من دراسة إنجيل برنابا دراسة جادة، بل يجعل الدقة في التعامل معه أكثر أهمية، حتى لا تتحول الرغبة في العثور على أدلة مؤيدة إلى قبول روايات لا تسندها الشواهد التاريخية.
الخاتمة: بين الإيمان والبحث التاريخي
يبقى إنجيل برنابا كتابًا يثير أسئلة كثيرة حول تاريخ تأليفه ومصادره والغاية من نسبته إلى إحدى شخصيات المسيحية الأولى.
وقد وجدت فيه أفكارًا تتفق مع بعض ما نؤمن به في الإسلام، وأخرى لا أستطيع قبولها أو الاطمئنان إلى نسبتها إلى الأنبياء، فضلًا عن اختلافات تستحق النقد والمراجعة.
ولهذا أرى أن الموقف الأقرب إلى الإنصاف هو ألا نرفض الكتاب لمجرد مخالفته نصوصًا أخرى، وألا نقبله لمجرد موافقته بعض معتقداتنا، بل أن نقرأه في ضوء الأدلة المتاحة ونميز بين الاعتقاد الديني والبحث التاريخي.
وفي جميع الأحوال، فإن صحة إنجيل برنابا أو عدم صحتها لا تزيد من إيمان المسلم بالقرآن الكريم ولا تنقص منه. ويبقى العلم بحقيقة ما لم تثبته الأدلة عند الله سبحانه وتعالى.
المصدر – الموقع الرسمي: نداء الوطن.