سهيلة عمر تكتب: مقارنة بين إنجيل يوحنا وإنجيل برنابا حول صلب المسيح ورفعه إلى السماء

سهيلة عمر تكتب: مقارنة بين إنجيل يوحنا وإنجيل برنابا حول صلب المسيح ورفعه إلى السماء

بقلم: سهيلة عمر

تثير الروايات المتعلقة بصلب السيد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام ورفعه إلى السماء نقاشًا دينيًا وتاريخيًا واسعًا، ولا سيما عند المقارنة بين ما يورده إنجيل يوحنا وما يرويه الكتاب المعروف باسم «إنجيل برنابا».

كنت قد تناولت في مقال سابق بعنوان «لغز إنجيل برنابا» الجدل القائم حول هذا الكتاب، وحقيقة مؤلفه ومصدر رواياته. وما زلت أرى أن هذا الجدل لا يزيل جميع التساؤلات، وأن الله أعلم بحقيقة الكتاب ونشأته.

وسواء أكان مؤلف إنجيل برنابا هو برنابا نفسه، أم شخصًا آخر واسع الاطلاع على الأديان السماوية، فإن ما يلفت انتباهي هو التقارب الذي أراه بين عدد من رواياته وبين التصور الإسلامي لشخصية السيد المسيح عليه السلام، مقارنة بالروايات الواردة في الأناجيل الأربعة المعتمدة لدى المسيحيين.

ومن هذا المنطلق، أعرض في المقال مقارنة بين رواية إنجيل يوحنا بشأن صلب المسيح وقيامته، ورواية إنجيل برنابا التي تقول إن شخصًا آخر أُلقي عليه شبه المسيح وصُلب بدلًا منه، بينما رفع الله عيسى عليه السلام إلى السماء.

ملاحظة تحريرية: يعرض هذا المقال قراءة الكاتبة للنصوص من منظور إسلامي. ولا تعني المقارنة أن صحة نسبة إنجيل برنابا إلى أحد تلاميذ المسيح ثابتة تاريخيًا؛ فالكتاب المتداول محل خلاف بحثي، ولا تعترف به الكنائس ضمن الأناجيل القانونية.

أولًا: موقف القرآن الكريم من صلب المسيح

أستند في هذه المقارنة إلى ما ورد في القرآن الكريم بشأن طبيعة رسالة السيد المسيح عليه السلام، ونفي قتله وصلبه، وإثبات رفعه إلى الله تعالى.

قال تعالى في سورة النساء، الآية 171:

«إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ».

كما جاء في سورة النساء، الآيتين 157 و158:

«وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ۝ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا».

وأرى أن هاتين الآيتين تمثلان الأساس الذي ينبغي الانطلاق منه عند قراءة الروايات المختلفة المتعلقة بمصير السيد المسيح عليه السلام.

ثانيًا: رواية إنجيل يوحنا بشأن صلب المسيح

يقدم إنجيل يوحنا، في الإصحاحات 18 إلى 20، رواية متسلسلة للأحداث التي سبقت القبض على يسوع ومحاكمته وصلبه ودفنه، ثم اكتشاف القبر الفارغ وظهوره لتلاميذه بعد القيامة بحسب الإيمان المسيحي.

القبض على يسوع في البستان

تبدأ الرواية بخروج يسوع مع تلاميذه إلى بستان وراء وادي قدرون، وهو موضع كان يعرفه يهوذا الإسخريوطي، الذي جاء برفقة جنود وخدام من رؤساء الكهنة والفريسيين للقبض عليه.

وتذكر الرواية أن يسوع واجه القادمين للقبض عليه، وسألهم عمن يبحثون، فأجابوا بأنهم يطلبون يسوع الناصري، ثم أُخذ موثقًا إلى السلطات الدينية.

المحاكمة أمام بيلاطس

بحسب إنجيل يوحنا، انتقل يسوع من التحقيق لدى السلطات الدينية إلى الوالي الروماني بيلاطس البنطي، حيث طُرحت اتهامات تتعلق بملكه المزعوم، ثم اتهامات دينية مرتبطة بقول خصومه إنه جعل نفسه ابن الله.

وتذكر الرواية أن بيلاطس أعلن عدم عثوره على علة تستوجب الحكم عليه، لكنه انتهى إلى تسليمه للصلب تحت ضغط المطالبين بذلك.

الصلب والدفن

تروي الأصحاحات أن الجنود ألبسوا يسوع ثوبًا أرجوانيًا ووضعوا على رأسه إكليلًا من الشوك، ثم اقتيد إلى موضع الجلجثة، حيث صُلب بين شخصين آخرين.

وتذكر الرواية كتابة عبارة «يسوع الناصري ملك اليهود» فوق الصليب، كما تورد حضور أمه وبعض أتباعه، ثم وفاته ودفنه في قبر جديد بمساعدة يوسف الرامي ونيقوديموس.

القبر الفارغ وظهورات المسيح

تتابع الرواية بزيارة مريم المجدلية للقبر في أول الأسبوع، واكتشاف أن الحجر قد رُفع عنه، ثم إبلاغ بطرس والتلميذ الآخر بما شاهدته.

ويورد إنجيل يوحنا ظهور يسوع لمريم المجدلية، ثم ظهوره للتلاميذ، وهو ما يرتبط في العقيدة المسيحية بالإيمان بقيامته من الموت.

وهذه الرواية تختلف جوهريًا عن الفهم الإسلامي الذي أتبناه، والمستند إلى النص القرآني النافي لقتل المسيح وصلبه.

ثالثًا: رواية إنجيل برنابا بشأن صلب شبيه المسيح

أما الكتاب المعروف باسم إنجيل برنابا، فيقدم رواية أخرى للأحداث، تختلف عن إنجيل يوحنا في هوية الشخص الذي صُلب، وفي تفسير اختفاء السيد المسيح وظهوره اللاحق لتلاميذه.

الخلاف مع السلطات الدينية

تروي فصول إنجيل برنابا أن يسوع واجه معارضة من رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين، وأن الخلاف تصاعد بسبب أقواله وتعاليمه، ولا سيما تأكيده عبوديته لله ونفي الألوهية عن نفسه.

وتتضمن الرواية حديثًا عن أورشليم، وتحذيرات من العقاب الإلهي، ومناقشات حول رسالة المسيح ومكانته، قبل انتقال الأحداث إلى التخطيط للقبض عليه.

يهوذا والتخطيط لتسليم يسوع

تذكر الرواية أن يهوذا الإسخريوطي اتفق مع رؤساء الكهنة على تسليم يسوع مقابل ثلاثين قطعة من الذهب، وأنه عرف المكان الذي لجأ إليه يسوع مع تلاميذه وراء وادي قدرون.

وفي هذه المرحلة، يظهر أحد أوجه التشابه بين الروايتين، وهو دور يهوذا في الوصول إلى مكان وجود يسوع، قبل أن تفترق الأحداث بصورة حاسمة.

رفع المسيح وتغيير هيئة يهوذا

وفق رواية إنجيل برنابا، فإن الله أمر ملائكته بإنقاذ يسوع عندما اقترب الجنود، فحملوه ورفعوه إلى السماء.

وتذكر الرواية أن يهوذا دخل الغرفة التي كان يسوع فيها، فتغير وجهه وصوته وهيئته حتى أصبح شبيهًا بيسوع، الأمر الذي أدى إلى اعتقاد الجنود والتلاميذ أنه الشخص المطلوب.

ومن ثم، تقول الرواية إن الجنود قبضوا على يهوذا بدلًا من يسوع، وإن محاولاته إثبات هويته الحقيقية لم تنجح.

صلب يهوذا بدلًا من المسيح

تواصل الرواية وصف محاكمة يهوذا وصلبه، مؤكدة أن الشبه بينه وبين يسوع جعل الحاضرين يعتقدون أن المصلوب هو المسيح نفسه.

كما تتحدث عن إنزال الجثمان ودفنه، ثم انتشار أخبار عن قيام يسوع، بينما تؤكد رواية برنابا أن يسوع لم يمت أصلًا.

وأرى في هذه الرواية تقاربًا مع ما جاء في القرآن الكريم من نفي قتل المسيح وصلبه، مع ضرورة التمييز بين النص القرآني نفسه وبين التفاصيل التي يضيفها إنجيل برنابا عن هوية الشبيه وكيفية وقوع الأحداث.

ظهور المسيح لأمه وتلاميذه

تذكر الرواية أن يسوع ظهر لاحقًا لأمه مريم وعدد من تلاميذه، وأخبرهم بأنه لم يمت، وأن الله حفظه من القتل.

كما تنسب الرواية إلى الملائكة شرح ما حدث ليهوذا، وتورد حوارًا بين يسوع وبرنابا بشأن سبب وقوع الالتباس بين الناس حول هوية المصلوب.

وتتضمن الرواية كذلك إشارة إلى مجيء الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، باعتباره من سيكشف حقيقة ما جرى، وفق النص المنسوب إلى إنجيل برنابا.

وصية برنابا ورفع المسيح مجددًا

في ختام الرواية، يطلب يسوع من برنابا أن يكتب ما حدث خلال وجوده بين الناس، وأن يوضح حقيقة ما جرى ليهوذا، حتى تزول الشبهة المتعلقة بصلب المسيح.

ثم تروي الأحداث اجتماع يسوع بتلاميذه، وتحذيره لهم من تصديق أنه مات وقام من الموت، قبل أن يُرفع إلى السماء أمامهم، وفق ما يورده الكتاب.

رابعًا: أوجه الاختلاف بين الروايتين

المسألة إنجيل يوحنا إنجيل برنابا المتداول
الشخص المقبوض عليه يسوع يهوذا بعد أن صار شبيهًا بيسوع
الشخص المصلوب يسوع يهوذا الإسخريوطي
مصير المسيح الموت والقيامة بحسب الرواية المسيحية النجاة من الصلب والرفع إلى السماء
ظهوره بعد الأحداث ظهور المسيح القائم من الموت ظهور المسيح الذي لم يمت
تفسير القبر الفارغ يرتبط بالقيامة يرتبط برواية اختفاء جسد يهوذا

خامسًا: كيف أنظر إلى هذه المقارنة؟

إن المقارنة بين الروايتين، في تقديري، تكشف اختلافًا جوهريًا في تفسير واحدة من أهم الوقائع المرتبطة بالسيد المسيح عليه السلام.

ففي حين يتناول إنجيل يوحنا الصلب والقيامة بوصفهما جزءًا أساسيًا من روايته، يقدم إنجيل برنابا تفسيرًا يقوم على نجاة المسيح ورفعِه، وصلب شخص آخر بدلًا منه.

وأرى أن هذا الجانب من رواية برنابا أقرب إلى الفهم الإسلامي المستند إلى قوله تعالى: «وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ».

ومع ذلك، فإن الآية القرآنية لا تسمي الشخص الذي وقع عليه الشبه، ولذلك ينبغي التفريق بين ما يقرره القرآن الكريم وما ترويه الكتب الأخرى من تفاصيل إضافية.

خاتمة

يبقى الجدل حول إنجيل برنابا ومؤلفه وتاريخ كتابته قائمًا، كما تبقى الروايات المتعلقة بصلب السيد المسيح ورفعه موضع اختلاف عقائدي بين الإسلام والمسيحية.

ومن خلال هذه المقارنة، أردت إطلاع القارئ على الفروق الأساسية بين روايتي إنجيل يوحنا وإنجيل برنابا، وبيان الأسباب التي تجعلني أميل إلى الرواية التي تنفي صلب السيد المسيح عليه السلام، انطلاقًا من إيماني بما ورد في القرآن الكريم.

والله أعلم بحقائق الأمور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبته سهيلة عمر، ولا يمثل بالضرورة الموقف التحريري لموقع نداء الوطن.