بكر أبوبكر
كثيرًا ما يكتشف الكاتب حتى المطلّع مقدار جهله كلما تبحّر في المواضيع، أو كلما انتبه لأمر لم يكن في باله سابقًا فيجد نفسه أمام باب جديد ينفتح أو أمام صفحات كانت غائبة عنه، وعندما يلج فيها يجد الثراء والغني مما كان غائبًا عنه.
ظننا أنفسنا مطلعين على الكثير من الأفكار والثقافات، وعلى كثير من تجارب ومدونات وكتب الأدباء والكُتاب، وكنا ظنّنا في غير محلّه. فمن له قدرة الاطلاع العميم الشامل على كل النتاجات حتى لو أفنى عمرين من عمره!
ولكن تظل ضرورة الالمام مما يجب الالتفات له على الأقل في مساحة الاهتمام للشخص في سياق أهدافه الذاتية أو العامة.
كتبت هذه المقدمة بعد أن قرأت للاديب والكاتب نبيل عودة ورقته الفلسفية اللطيفة الهامة حول دور العقل والتي أتبعتها بقصته الظريفة اللطيفة المبكية المسماة: كيف صار لله شعب مختار؟
قررت إثر ذلك أن أقرا أكثر لأزيل جهلي الكبير بكتابات ثرية وهامة وسلسة هي كتابات هذا الاديب والاعلامي والكاتب الفلسطيني النصراوي، ومن هنا بدأ النور يتدفق في قلبي وعقلي ليزيل مساحات الظلمة والجهل التي أحاطت بي بمثل هذه النتاجات.
لربما أقول أن ذات الحالة انتابتني عند قراءة أولى لكثير من الكتب أو الكتاب أوالمواضيع الأخرى الشيقة أو الهامة بالنسبة لي والتي لم أكن ألتفت إليها أو لم تكن ضمن اهتماماتي فدخلت على قلبي بإشارة أصبع منها مدخلًا جميلًا فأبحرت.
الكاتب الجميل نبيل عودة ونصوصه الثرية حول القضية الفلسطينية تنحو باتجاه التبسيط المعجز، والتعليق بعد عدد من الإشارات والجُمَل التي لا يتفق معها ضمن اقتباساته، فلا يدع القاريء حائرأ أو لا يدعه يفترض الحيادية للكاتب حول أمور هو كعربي وفلسطيني في صلبها بل سرعان ما يتدخل ليقول ها هي فلسطين، وهأنذا.
أعجبت بكتابات الأستاذ نبيل عودة (مواليد العام 1947م) رغم تعرفي المتأخر على انتاجاته لجهلٍ مني لذلك، ودعني أسوق أمثلة فهو عندما يطرح خيارات المؤرخ الإسرائيلي "بيني موريس" يتحدث بما هي قناعته حتى وهو يترجم له فيشير لمكامن الاعتراف ويلحقها بتقييم الكاتب.
وهو عندما يتعرض في مثال آخر للعرب الفلسطينيين في دولة الاستيطان الصهيوني لا يتجرد من انتمائه بتاتًا وكيف له أو لنا ذلك والآخرون طرف معتدى بلا شك؟ أما عندما يتعرض لأساطير التوراة وخرافاتها فإنه يقتبس من الكُتّاب الإسرائيليين وعلماء الآثار ومنهم الإسرائيليين الذين يرفضون خرافات مملكة (مشيخة/إمارة) داوود وسليمان، والخروج والهيكل من أساطير لأنه الفيلسوف صاحب العقل، وهو الذي لا يهمه -الى ما سبق- أن يدين الشيوعيين بموقفهم من قرار التقسيم مادامت فلسطين هي المبتغى ولا يهمه نسخ الأساطير وتفنيدها فالحقيقة هي ضالة الحكيم.
يكتب في "يوميات الفلسطيني الذي لم يعد تائهًا" ليقول: "لست أدري بالدافع الذي يشدني لأجلس أمام النهر متأملاً اندفاع الماء اللانهائي . كانت تمر علي عشرات الوجوه، تجذبني للحظات وانساها، لأعود أتأمل حركة الماء. وكثيرًا ما يعتريني شعور الوحدة القاتل، ولكني بقيت ملتزمًا لعادتي غير المفهومة.. احيانًا اقتنع باني الضائع الوحيد في هذا العالم؟.. او على الاقل في هذا المكان. وتبعًا لذلك استنتج بثقة اني التائه الوحيد أمام هذا النهر.. وأنه لا قيمة للزمن في حياة التائهين."
عندما تقرأ للكاتب نبيل عودة لا تشعر بالملل لسلاسة وجذالة أسلوبه الذي تراه يشبهك ويخاطبك في أي موقع كنت وإن كنت لا تريد الغوص في بحر كتاباته، وحتى لو اتفقت أو اختلفت معه ما هو حقك، فلك العودة لقصصة مثل نهاية الزمن العاقر، وحازم يعود هذا المساء، والشيطان الذي في نفسي وغيرها.