
نداء الوطن – فلسطين: بين جبلي عيبال وجرزيم، وفي قلب شمال الضفة الغربية، تمتد مدينة نابلس الفلسطينية بوصفها واحدة من أبرز الحواضر التاريخية في بلاد الشام. إنها مدينة تتداخل فيها الأزقة الحجرية والأسواق القديمة مع الحكايات الكنعانية والرومانية والإسلامية، وتفوح من أحيائها رائحة الصابون البلدي، بينما تتصدر الكنافة النابلسية قائمة أشهر الحلويات الفلسطينية.
وتُعرف نابلس بلقب «جبل النار»، كما ارتبط اسمها بالتجارة والعلم والصناعة والمقاومة، واحتفظت على امتداد قرون بمكانة ثقافية واقتصادية بارزة. فما قصة هذه المدينة؟ ولماذا سُميت نابلس؟ وما سر ألقابها التاريخية؟ وأين تقع أهم معالمها التي تستحق الزيارة؟
- الدولة: فلسطين.
- الموقع: شمال الضفة الغربية، بين جبلي عيبال وجرزيم.
- الاسم التاريخي: نيابولس (Neapolis)، أي المدينة الجديدة.
- أشهر الألقاب: جبل النار، دمشق الصغرى، عش العلماء.
- أبرز المنتجات: الكنافة النابلسية، الصابون النابلسي، زيت الزيتون.
- أبرز المعالم: البلدة القديمة، جبل جرزيم، تل بلاطة، بئر يعقوب، برج الساعة.
أين تقع مدينة نابلس في فلسطين؟
تقع نابلس في شمال الضفة الغربية، على مسافة تقارب 60 إلى 70 كيلومترًا شمال مدينة القدس، بحسب مسار القياس. وتتمركز المدينة في وادٍ تحيط به المرتفعات، حيث يرتفع جبل عيبال إلى الشمال وجبل جرزيم إلى الجنوب.
وقد منحها هذا الموقع الجغرافي شكلًا عمرانيًا مميزًا يمتد من الشرق إلى الغرب، كما جعلها نقطة اتصال تاريخية بين مناطق فلسطين المختلفة، ومركزًا تجاريًا يخدم عددًا كبيرًا من القرى والبلدات المحيطة.
وتتميز نابلس بتضاريسها الجبلية وينابيعها وأراضيها الزراعية، وهي عوامل ساعدت في ازدهار صناعة زيت الزيتون والصابون والحرف التقليدية.
ما أصل اسم نابلس؟ ومن أسس المدينة؟
يرتبط اسم نابلس الحالي بالاسم الروماني «نيابولس» أو «فلافيا نيابولس»، الذي يعني «المدينة الجديدة». وقد أُنشئت المدينة الرومانية في عهد الإمبراطور فسبازيان نحو عام 72 ميلاديًا، إلى الغرب من موقع شكيم الكنعانية القديمة، التي تُعرف آثارها اليوم باسم تل بلاطة.
لكن تاريخ الاستيطان البشري في المنطقة أقدم بكثير من تأسيس المدينة الرومانية؛ إذ تكشف آثار تل بلاطة عن وجود مركز حضري كنعاني يعود إلى آلاف السنين.
ومع تعاقب العصور، تحول الاسم الروماني تدريجيًا في الاستعمال المحلي والعربي إلى «نابلس»، وهو الاسم الذي استقر للمدينة حتى اليوم.
ويمكن الاطلاع على سرد تاريخي موسع عبر الموقع الرسمي لبلدية نابلس، الذي يوثق مراحل نشأة المدينة وتطورها.
لماذا تُسمى نابلس جبل النار؟
يُعد «جبل النار» من أشهر الألقاب المرتبطة بنابلس، وهو لقب يحمل دلالات تاريخية وشعبية تتصل بمواقف المدينة وأهلها في مواجهة الحملات العسكرية والسلطات المتعاقبة، ولا سيما خلال مراحل المقاومة والانتفاضات في التاريخ الفلسطيني الحديث.
وتتعدد الروايات الشعبية بشأن البداية الدقيقة لاستخدام هذا اللقب، لذلك يصعب الجزم بأن حادثة تاريخية واحدة كانت السبب الوحيد وراء ظهوره.
ومع مرور الزمن، أصبح «جبل النار» رمزًا لهوية نابلس في الذاكرة الفلسطينية، يعبر عن الصمود والاعتزاز بتاريخ المدينة وأهلها.
نابلس عبر التاريخ: من شكيم الكنعانية إلى المدينة الفلسطينية الحديثة
تعود الجذور التاريخية لمنطقة نابلس إلى الحضارة الكنعانية، حين ازدهرت مدينة شكيم القديمة في موقع تل بلاطة. وكانت المنطقة مركزًا مهمًا للتجارة والعبادة والاستقرار البشري، قبل أن تتعاقب عليها قوى وإمبراطوريات مختلفة.
وفي العصر الروماني، تأسست نيابولس التي شهدت نشاطًا عمرانيًا واسعًا، بما في ذلك الشوارع المنظمة والمنشآت العامة والمرافق الدينية.
ثم عرفت المدينة تحولات كبيرة خلال العصر البيزنطي، قبل دخولها في نطاق الحكم العربي الإسلامي في القرن السابع الميلادي، لتصبح مع الوقت مركزًا تجاريًا وعلميًا بارزًا.
وفي العصور المملوكية والعثمانية، ازدهرت أسواق نابلس وصناعاتها، ولا سيما تجارة زيت الزيتون والصابون، واتسعت صلاتها التجارية مع مدن بلاد الشام ومصر والحجاز.
وشهدت المدينة خلال القرن العشرين محطات سياسية واجتماعية مؤثرة، وصولًا إلى النكبة الفلسطينية عام 1948، ثم احتلال الضفة الغربية عام 1967، وما تلا ذلك من انتفاضات وتحولات أثرت في الحياة اليومية والاقتصاد والعمران.
البلدة القديمة في نابلس.. متحف حي بين الأزقة والأسواق
تُعد البلدة القديمة القلب التاريخي لنابلس، وتتميز بأزقتها الضيقة المرصوفة بالحجارة، والبيوت ذات الأقواس والقناطر، والأسواق المسقوفة، والمساجد والحمامات التقليدية والمباني التاريخية.
ومن أبرز حاراتها التاريخية الياسمينة والقريون والعقبة والقيسارية والحبلة والغربية، إلى جانب أحياء ومناطق أخرى تشكل النسيج العمراني القديم للمدينة.
وتحتضن البلدة أسواقًا اشتهرت بالتجارة والحرف، مثل خان التجار وسوق الحدادين، فضلًا عن محال الحلويات والمخابز ومصانع الصابون القديمة.
ولا تقتصر قيمة البلدة القديمة على المباني؛ فهي فضاء اجتماعي يعيش فيه السكان ويمارسون أنشطتهم اليومية، وتنتقل فيه العادات والمهن من جيل إلى آخر.
للتعرف إلى تفاصيل الأسواق والعمارة، يمكن مراجعة دليل البلدة القديمة في نابلس.
الكنافة النابلسية.. أشهر ما تقدمه المدينة للعالم
يكاد اسم نابلس لا يُذكر في العالم العربي من دون أن تحضر الكنافة النابلسية، التي أصبحت واحدة من أبرز رموز المطبخ الفلسطيني.
وتتميز الكنافة التقليدية باستخدام الجبن المناسب للحلويات، مع عجينة الكنافة والسمن والقطر، وتُقدم ساخنة في المحال المتخصصة والأسواق الشعبية.
وتوجد أشكال متعددة للكنافة، منها الناعمة والخشنة، لكن الكنافة النابلسية احتفظت بمكانة خاصة بفضل شهرة حرفيي الحلويات في المدينة وتوارثهم أساليب إعدادها.
وقد تجاوز انتشارها حدود فلسطين، لتصبح طبقًا حاضرًا في مطاعم ومحال الحلويات في دول عربية عديدة، مع بقاء نابلس مرجعًا أساسيًا في الذاكرة الشعبية المرتبطة بهذه الحلوى.
الصابون النابلسي.. صناعة فلسطينية عريقة وصلت إلى اليونسكو
تُعرف نابلس بصناعة الصابون التقليدي المعتمد أساسًا على زيت الزيتون، وهي صناعة ارتبطت بتاريخ المدينة الاقتصادي والاجتماعي لقرون طويلة.
وتشمل مراحل التصنيع التقليدية طهي المكونات، وصب المزيج، وتركه حتى يتماسك، ثم تقطيعه وتجفيفه وترتيبه بطرق مميزة داخل المصابن.
وكانت مصانع الصابون من أهم المنشآت الاقتصادية في نابلس خلال العهد العثماني، وأسهمت في تنشيط تجارة زيت الزيتون وربط المدينة بالأسواق الإقليمية.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2024، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» حرفة صناعة الصابون النابلسي على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، في اعتراف دولي بأهمية هذا الموروث الفلسطيني.
ويؤكد هذا الإدراج قيمة الحرفة والمعرفة المتوارثة المرتبطة بها، ولا يعني أن مدينة نابلس بكاملها أُدرجت على قائمة التراث العالمي.
جبل جرزيم.. مكانة دينية وتاريخية فريدة
يرتفع جبل جرزيم جنوب نابلس، ويطل على المدينة ومحيطها، ويُعد من أبرز المواقع الدينية والتاريخية في فلسطين.
ويكتسب الجبل أهمية خاصة لدى الطائفة السامرية، التي تعتبره مكانًا مقدسًا، وتواصل إقامة شعائر وطقوس دينية مرتبطة بتاريخها وهويتها.
وتضم المنطقة آثارًا تعكس تعاقب فترات تاريخية مختلفة، كما يوفر الجبل إطلالات واسعة على نابلس والمرتفعات المحيطة بها.
وللاطلاع على قيمته التاريخية والدينية، يمكن زيارة صفحة جبل جرزيم والسامريين لدى مركز التراث العالمي في اليونسكو، المدرجة ضمن القائمة التمهيدية، وليس قائمة التراث العالمي النهائية.
تل بلاطة.. آثار شكيم الكنعانية
يقع تل بلاطة عند المدخل الشرقي لنابلس، ويُعد من أبرز المواقع الأثرية التي تكشف الجذور القديمة للاستيطان الحضري في المنطقة.
ويرتبط الموقع بمدينة شكيم الكنعانية، وقد أظهرت الحفريات فيه بقايا أسوار ضخمة وبوابات ومبانٍ ومعابد ومرافق تعود إلى فترات تاريخية مختلفة، خاصة العصر البرونزي.
ويمنح تل بلاطة الزائر فرصة لفهم تاريخ المنطقة قبل تأسيس نابلس الرومانية، وكيف تطورت المراكز الحضرية في فلسطين منذ آلاف السنين.
وتتوفر معلومات أثرية تفصيلية في المتحف الافتراضي الفلسطيني التابع لقطاع السياحة والآثار.
بئر يعقوب.. معلم ديني عند المدخل الشرقي
يُعد بئر يعقوب من المعالم الدينية البارزة في منطقة نابلس، ويقع بالقرب من موقع تل بلاطة التاريخي.
وترتبط به تقاليد دينية مسيحية قديمة، ولا سيما الرواية الإنجيلية المتعلقة بلقاء السيد المسيح بالمرأة السامرية عند البئر.
ويستقطب الموقع اهتمام الزوار والباحثين في التاريخ الديني، باعتباره جزءًا من المشهد الروحي والتاريخي المتنوع الذي يميز نابلس ومحيطها.
برج الساعة والحمامات التاريخية والقصور القديمة
تضم نابلس مجموعة من المعالم العمرانية التي تعكس ازدهارها خلال الفترات المملوكية والعثمانية، ومن أشهرها برج الساعة في منطقة باب الساحة، الذي أصبح علامة بارزة في مركز المدينة.
كما تحتفظ البلدة القديمة بآثار الحمامات التقليدية، ومنها حمام الشفاء وحمام الهنا، إلى جانب قصور وبيوت تاريخية ارتبطت بعائلات نابلسية معروفة، مثل طوقان والنمر وعبد الهادي.
وتتميز هذه المباني بالواجهات الحجرية والساحات الداخلية والأقواس والزخارف، وهي شواهد على مراحل ازدهار المدينة التجاري والاجتماعي.
سبسطية.. رحلة تاريخية في محيط نابلس
إلى الشمال الغربي من نابلس تقع بلدة سبسطية التاريخية، التي تضم آثارًا مهمة تعود إلى عصور متعددة، من بينها الفترات الرومانية والبيزنطية والإسلامية.
ورغم أن سبسطية بلدة مستقلة وليست حيًا من أحياء مدينة نابلس، فإن قربها الجغرافي يجعلها من أبرز الوجهات التي يمكن التعرف إليها ضمن جولة تراثية في محافظة نابلس.
جامعة النجاح الوطنية ودور نابلس في التعليم
لا تقتصر مكانة نابلس على تاريخها وآثارها؛ فهي أيضًا مركز تعليمي وثقافي مهم، وتحتضن جامعة النجاح الوطنية، إحدى أبرز مؤسسات التعليم العالي الفلسطينية.
وقد ساهم وجود المؤسسات التعليمية والمراكز الثقافية في تعزيز دور المدينة في إعداد الكفاءات المهنية والعلمية وخدمة المجتمع الفلسطيني.
ويمكن الاطلاع على معلومات إضافية عن المدينة وتراثها من خلال الصفحة التعريفية بمدينة نابلس على موقع جامعة النجاح الوطنية.
اقتصاد نابلس.. من التجارة التقليدية إلى القطاعات الحديثة
اشتهرت نابلس تاريخيًا بوصفها مركزًا تجاريًا وصناعيًا يخدم شمال فلسطين، واعتمد جانب من نشاطها الاقتصادي على تجارة المنتجات الزراعية، ولا سيما الزيتون وزيته، والصابون والحلويات والمنسوجات والحرف.
ومع تطور المدينة، توسعت الأنشطة الاقتصادية لتشمل الخدمات والتعليم والصناعات الغذائية والتجارة والمهن الحديثة، مع استمرار حضور الأسواق التقليدية في الحياة اليومية.
غير أن الاقتصاد المحلي يتأثر بالقيود المفروضة على الحركة والتنقل والتجارة في الضفة الغربية، وهي عوامل تنعكس على وصول البضائع والعمال والزوار إلى المدينة.
أشهر الأماكن التي تستحق الزيارة في نابلس
تتيح نابلس للمهتمين بالتراث الفلسطيني تجربة متنوعة تجمع التاريخ والطعام التقليدي والحرف القديمة والمواقع الدينية. ومن أبرز الوجهات التي يمكن التعرف إليها:
- البلدة القديمة وأسواقها التاريخية.
- خان التجار ومحال الحرف والحلويات التقليدية.
- برج الساعة في باب الساحة.
- مصانع الصابون النابلسي التراثية.
- جبل جرزيم والمواقع المرتبطة بالتراث السامري.
- تل بلاطة الأثري.
- بئر يعقوب.
- المعالم التاريخية في سبسطية بمحافظة نابلس.
وقبل التخطيط لأي زيارة، يُنصح بالتحقق من إمكانية الوصول إلى المواقع وساعات استقبال الزوار والأوضاع الميدانية، إذ قد تتغير حركة التنقل والوصول إلى بعض المناطق.
أسئلة شائعة عن مدينة نابلس
أين تقع نابلس؟
تقع في شمال الضفة الغربية بفلسطين، بين جبلي عيبال وجرزيم، شمال مدينة القدس.
لماذا سميت نابلس بهذا الاسم؟
اشتق اسمها من «نيابولس»، وهو اسم المدينة الرومانية الذي يعني «المدينة الجديدة».
بماذا تشتهر مدينة نابلس؟
تشتهر بالكنافة النابلسية والصابون المصنوع من زيت الزيتون والبلدة القديمة والأسواق التراثية، إلى جانب تاريخها التجاري والثقافي.
ما الجبلان المحيطان بنابلس؟
جبل عيبال من الشمال، وجبل جرزيم من الجنوب.
هل مدينة نابلس مسجلة في قائمة التراث العالمي؟
توجد ملفات ترشيح تتعلق بمدينة نابلس التاريخية وجبل جرزيم ضمن القائمة التمهيدية لليونسكو، لكن ذلك يختلف عن الإدراج النهائي في قائمة التراث العالمي. أما حرفة صناعة الصابون النابلسي فقد أُدرجت في قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية عام 2024.
هل سبسطية جزء من مدينة نابلس؟
سبسطية بلدة تاريخية مستقلة تقع ضمن محافظة نابلس، وليست حيًا داخل المدينة نفسها.
نابلس.. مدينة تحفظ تاريخ فلسطين في تفاصيلها
من آثار شكيم الكنعانية إلى الشوارع الرومانية والأسواق العثمانية، ومن الصابون النابلسي إلى الكنافة التي حملت اسم المدينة إلى العالم، تحتفظ نابلس بمكانة خاصة في التاريخ والهوية الفلسطينية.
وليست نابلس مجرد مجموعة من المعالم القديمة؛ إنها مدينة حية، يتجدد فيها التراث مع كل جيل، وتبقى أزقتها وأسواقها وجبالها شاهدة على عمق الحضور الفلسطيني واستمرار الحياة رغم التحديات.
مصادر ومراجع: بلدية نابلس، جامعة النجاح الوطنية، المتحف الافتراضي الفلسطيني، اليونسكو – جبل جرزيم، دليل التراث والسياحة الفلسطينية.