
صحة نفسية – نداء الوطن: حذر الأخصائي النفسي خالد رغدان من الخلط الشائع بين مفاهيم الاضطرابات النفسية والعقلية، مؤكدًا أن ربط المعاناة النفسية بـ«الجنون» أو «ضعف الشخصية» يساهم في زيادة الوصمة الاجتماعية وقد يدفع بعض الأشخاص إلى تأخير طلب المساعدة المتخصصة.
وأوضح رغدان أن الإنسان قد يمارس حياته اليومية ويعمل ويتعامل بصورة تبدو طبيعية أمام الآخرين، بينما يعيش في داخله معاناة نفسية حادة لا يلاحظها المحيطون به.
وفي المقابل، قد يواجه شخص آخر اضطرابًا في التفكير أو الإدراك، فيسارع البعض إلى إصدار أحكام قاسية عليه، رغم أن التقييم النفسي الحديث يتعامل مع هذه الحالات باعتبارها اضطرابات تحتاج إلى فهم وتشخيص وعلاج مناسب، وليس إلى وصم صاحبها.
أبرز ما يوضحه الأخصائي خالد رغدان:
- ليس كل حزن اكتئابًا.
- ليس كل خوف اضطراب قلق.
- ليس كل تفكير متكرر وسواسًا قهريًا.
- الاضطرابات النفسية قد تؤثر في التفكير والمشاعر والسلوك والجسد معًا.
- ظهور أعراض ذهانية لا يعني تلقائيًا وجود اضطراب مزمن.
- طلب المساعدة النفسية ليس دليلًا على الضعف.
- التشخيص يصف الحالة ولا يختزل هوية الإنسان.
هل يختلف الاضطراب النفسي عن العقلي؟
ردًا على السؤال المتكرر حول الفرق بين الاضطراب النفسي والعقلي، أوضح خالد رغدان أن الفصل الحاد بين المصطلحين لا يعكس بصورة دقيقة الطريقة التي تنظر بها العلوم النفسية الحديثة إلى الإنسان.
وقال إن الإنسان يمثل منظومة متكاملة، فلا يعمل التفكير بمعزل عن المشاعر، كما لا تنفصل المشاعر عن السلوك أو الإدراك أو وظائف الجسم.
«الإنسان منظومة واحدة متكاملة، فلا يوجد عقل يعمل بمعزل عن المشاعر، ولا مشاعر منفصلة عن طريقة التفكير».
وضرب رغدان مثالًا بالاكتئاب، موضحًا أنه لا يقتصر على الشعور بالحزن، بل قد يؤثر في نظرة الإنسان إلى نفسه ومستقبله، وقدرته على التركيز، ونومه وشهيته ودافعيته وعلاقاته الاجتماعية.
والأمر نفسه ينطبق على القلق، الذي لا يظل في حدود المشاعر، بل قد يؤثر في الانتباه وطريقة تفسير المواقف والسلوك، ويمكن أن يظهر أيضًا في صورة أعراض جسدية.
ماذا يعني مصطلح «الاضطرابات النفسية»؟
أشار رغدان إلى أن التصنيفات الإكلينيكية الحديثة تستخدم مفهوم «الاضطرابات النفسية» بصورة واسعة لوصف الحالات التي تؤثر بدرجات مختلفة في:
- التفكير.
- المشاعر والانفعالات.
- السلوك.
- الإدراك.
- القدرة على أداء الوظائف اليومية.
وأوضح أن تعبير «الاضطراب العقلي» قد يستخدم في اللغة العامة أو بعض الترجمات للإشارة بصورة أكبر إلى الحالات التي يظهر فيها اضطراب واضح في التفكير أو اختبار الواقع.
ماذا عن الهلاوس والضلالات؟
أوضح خالد رغدان أن بعض الاضطرابات قد تصاحبها أعراض مثل الهلاوس أو الضلالات واضطراب اختبار الواقع، كما يحدث في بعض الحالات الذهانية.
لكنه شدد على أن ظهور أعراض ذهانية لا يعني تلقائيًا أن الشخص يعاني من اضطراب ذهاني مزمن، إذ يمكن أن ترتبط هذه الأعراض بحالات مختلفة تتطلب تقييمًا متخصصًا لتحديد أسبابها.
مهم:
وجود عرض نفسي واحد لا يكفي لتشخيص اضطراب بعينه. التشخيص المهني يعتمد على تقييم شامل للأعراض ومدتها وشدتها وتأثيرها في حياة الشخص.
ليس كل حزن اكتئابًا
وحذر رغدان من الاتجاه المعاكس أيضًا، وهو تحويل كل تجربة إنسانية صعبة إلى تشخيص نفسي.
وأكد أن الحزن بعد فقدان شخص عزيز قد يكون استجابة إنسانية طبيعية، كما أن القلق قبل امتحان أو مقابلة أو حدث مهم قد يكون جزءًا طبيعيًا من استعداد الإنسان للمواجهة.
وقال:
«ليس كل حزن اكتئابًا، وليس كل خوف اضطراب قلق، وليس كل تفكير متكرر وسواسًا قهريًا».
وأوضح أن المشكلة تتحول إلى اضطراب يحتاج إلى تقييم عندما تصبح الأعراض شديدة أو مستمرة، وتتجاوز الاستجابة الطبيعية للموقف، وتؤثر بصورة واضحة في حياة الإنسان ووظائفه اليومية.
قاعدة يلخص بها رغدان الفكرة:
«لا تُمرِض كل ألم، ولا تُهمِل كل ألم».
متى تتحول المعاناة الطبيعية إلى اضطراب يحتاج إلى مساعدة؟
بحسب خالد رغدان، لا يعتمد الأمر فقط على وجود المشاعر السلبية، بل على مجموعة عوامل من بينها المدة والشدة والتكرار ومدى تأثير الأعراض في الحياة اليومية.
فقد تصبح الحاجة إلى التقييم المتخصص أكثر أهمية عندما تؤثر الحالة بصورة واضحة في:
- النوم.
- العمل.
- الدراسة.
- العلاقات الأسرية والاجتماعية.
- القدرة على التركيز.
- القدرة على الاعتناء بالنفس.
- القدرة على اتخاذ القرارات وممارسة النشاط اليومي.
الوصمة الاجتماعية قد تؤخر العلاج
اعتبر رغدان أن الوصمة المرتبطة بالصحة النفسية تمثل أحد أبرز العوائق التي تمنع بعض الأشخاص من الوصول إلى العلاج في الوقت المناسب.
وأشار إلى أن البعض يخشى وصفه بأنه «مريض نفسي»، بينما قد تحاول بعض الأسر إخفاء معاناة أحد أفرادها تجنبًا لنظرة المجتمع.
وفي حالات أخرى، قد يواجه الشخص عبارات تقلل من معاناته وتصف ما يمر به بأنه «دلع» أو مبالغة أو أوهام.
وأكد رغدان أن إنكار المعاناة النفسية لا يؤدي إلى اختفائها، وأن طلب المساعدة عند الحاجة يمثل قرارًا مسؤولًا يساعد على فهم المشكلة والتعامل معها بشكل أفضل.
هل طلب العلاج النفسي دليل على ضعف الشخصية؟
بحسب رغدان، فإن اللجوء إلى الأخصائي النفسي أو الطبيب النفسي لا يعني أن الإنسان ضعيف، وإنما قد يكون خطوة واعية عندما تتجاوز المشكلة قدرته على التعامل معها بمفرده.
وأوضح أن الكثير من الاضطرابات النفسية يمكن التعامل معها بصورة أفضل عند اكتشافها والتدخل في مراحل مبكرة، بدل الانتظار حتى تتفاقم الأعراض.
متى يجب استشارة أخصائي نفسي؟
دعا خالد رغدان إلى عدم انتظار الوصول إلى مرحلة الانهيار الكامل قبل طلب المساعدة.
وحدد مجموعة من المؤشرات التي تستدعي الانتباه والتقييم المتخصص:
- استمرار المعاناة أو تكرارها وتأثيرها بوضوح في النوم أو الدراسة أو العمل أو العلاقات.
- ظهور أفكار تتعلق بإيذاء النفس أو الانتحار.
- وجود فقدان واضح للقدرة على التعامل مع الواقع أو التمييز بين الواقع والتهيؤات.
- حدوث تغيرات شديدة أو مفاجئة في التفكير أو السلوك.
تنبيه صحي مهم:
إذا كانت هناك أفكار جادة حول إيذاء النفس أو الانتحار، أو خطر مباشر على الشخص أو من حوله، فيجب طلب مساعدة طبية عاجلة وعدم ترك الشخص بمفرده، والتواصل مع خدمات الطوارئ أو أقرب جهة صحية مختصة.
التشخيص ليس هوية الإنسان
وشدد الأخصائي النفسي خالد رغدان على أن التشخيص النفسي يمثل وسيلة لفهم الحالة ووضع خطة مناسبة للتعامل معها، ولا ينبغي أن يتحول إلى هوية تلاحق الشخص.
«الإنسان ليس اكتئابه ولا قلقه ولا اضطرابه ثنائي القطب، هو إنسان يمر بحالة تحتاج إلى تفهم ورعاية وعلاج مناسب».
وأضاف أن السؤال الأكثر فائدة ليس: «هل أنت مريض نفسي أم عقلي؟»، وإنما:
- ماذا يحدث معك؟
- منذ متى بدأت المعاناة؟
- كيف أثرت في حياتك؟
- هل أصبحت تعيق النوم أو العمل أو الدراسة أو العلاقات؟
- هل تحتاج إلى مساعدة متخصصة؟
الصحة النفسية ليست غياب الحزن
أكد رغدان في ختام حديثه أن الصحة النفسية لا تعني أن يكون الإنسان سعيدًا طوال الوقت، فالحزن والخوف والقلق والغضب جزء من التجربة الإنسانية.
لكن المهم هو قدرة الشخص على التعامل مع هذه المشاعر دون أن تتحول إلى معاناة شديدة ومستمرة تعطل حياته.
ويظل الفهم المبكر وطلب المساعدة عند الحاجة وتجنب الوصمة من أهم العوامل التي تساعد الأشخاص على الوصول إلى رعاية أكثر فاعلية.
الخلاصة:
لا يمكن اختزال الفرق بين الاضطراب النفسي والعقلي في تقسيم بسيط بين المشاعر والعقل، لأن التفكير والانفعال والسلوك والإدراك مترابطة. كما أن وجود الحزن أو القلق لا يعني تلقائيًا وجود اضطراب، بينما تصبح الحاجة إلى التقييم أكثر أهمية عندما تكون الأعراض شديدة أو مستمرة أو تؤثر في قدرة الإنسان على ممارسة حياته اليومية.
أسئلة وأجوبة حول الاضطرابات النفسية والعقلية
ما الفرق بين الاضطراب النفسي والعقلي؟
لا يوجد فصل بسيط وحاد بينهما في الممارسة النفسية الحديثة، لأن الاضطرابات قد تؤثر في التفكير والمشاعر والسلوك والإدراك والوظائف اليومية في الوقت نفسه.
هل كل حزن يعني الاكتئاب؟
لا. الحزن قد يكون استجابة طبيعية لموقف صعب أو فقدان، بينما يتطلب تشخيص الاكتئاب تقييم شدة الأعراض ومدتها وتأثيرها في الحياة اليومية.
هل القلق دائمًا مرض نفسي؟
لا. القلق بدرجة معينة جزء طبيعي من حياة الإنسان، لكنه قد يحتاج إلى تقييم عندما يصبح شديدًا أو مستمرًا أو يؤثر بصورة كبيرة في العمل والنوم والدراسة والعلاقات.
هل الهلاوس تعني أن الشخص فقد عقله؟
لا. الهلاوس أو الاضطراب في اختبار الواقع يمكن أن تظهر في حالات متعددة، ويحتاج تحديد السبب إلى تقييم متخصص بدل إطلاق أحكام أو أوصاف وصمية.
متى يجب الذهاب إلى أخصائي نفسي؟
عندما تكون المعاناة مستمرة أو شديدة وتؤثر في الحياة اليومية، أو تظهر تغيرات واضحة في التفكير والسلوك أو القدرة على التعامل مع الواقع.
هل طلب العلاج النفسي دليل على الضعف؟
لا. طلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة يمكن أن يكون خطوة مسؤولة تساعد الشخص على فهم ما يمر به والحصول على الرعاية المناسبة.
هل التشخيص النفسي يحدد شخصية الإنسان؟
لا. التشخيص يصف مجموعة من الأعراض والحالة الصحية ويساعد في اختيار العلاج المناسب، لكنه لا يمثل هوية الإنسان أو قيمته.