خالد رغدان يكتب: الاضطرابات النفسية المرتبطة بالهرمونات

خالد رغدان يكتب: الاضطرابات النفسية المرتبطة بالهرمونات

قد تستيقظ امرأة في بعض الأيام وهي تشعر بأنها شخص آخر؛ يتبدل مزاجها، وتنخفض قدرتها على الاحتمال، ويرتفع مستوى القلق، ويضطرب النوم، وتصبح أبسط المواقف اليومية أكثر استفزازًا. ثم تمر أيام أخرى فتعود إلى طبيعتها وكأن شيئًا لم يكن.

وقد تقول أم بعد الولادة: «أنا أحب طفلي، فلماذا أشعر بهذا الحزن والاختناق؟». وقد تدخل امرأة مرحلة منتصف العمر فتجد نفسها أمام قلق أو تهيج أو اضطراب في النوم لم تعهده من قبل.

وفي المقابل، قد يعاني رجل من تغيرات في الطاقة أو المزاج أو الدافعية بالتزامن مع اضطراب في بعض الهرمونات، فيُفسر الأمر أحيانًا على أنه «كسل» أو «ضعف إرادة».

هنا تظهر حقيقة مهمة في الصحة النفسية: العقل لا يعمل منفصلًا عن الجسد. فالدماغ عضو بيولوجي شديد الحساسية للتغيرات التي تحدث داخل الجسم، ومن بينها التغيرات الهرمونية التي يمكن أن تؤثر في منظومات عصبية مرتبطة بالمزاج والنوم والطاقة والاستجابة للضغط النفسي.

لكن ذلك لا يعني أن كل اكتئاب أو قلق سببه هرموني؛ فالعلاقة أكثر تعقيدًا من اختزالها في هرمون واحد أو نتيجة تحليل واحدة.

الهرمونات ليست مجرد مواد في الدم

الهرمونات رسائل كيميائية تؤثر في عدد كبير من وظائف الجسم، وبعض هذه الوظائف يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالصحة النفسية.

ومن أبرز المنظومات والهرمونات التي تستحق الانتباه عند الحديث عن المزاج والصحة النفسية:

  • الإستروجين والبروجستيرون (Estrogen & Progesterone).
  • هرمونات الغدة الدرقية (Thyroid Hormones).
  • الكورتيزول (Cortisol) المرتبط بمنظومة الاستجابة للضغط النفسي.
  • البرولاكتين (Prolactin).
  • التستوستيرون (Testosterone).
  • إشارات عصبية وهرمونية أخرى تعمل ضمن شبكة بيولوجية متداخلة.

ولذلك فإن السؤال الأدق ليس: «هل الهرمونات تسبب المرض النفسي؟»، بل: كيف تتفاعل التغيرات الهرمونية مع الدماغ والجينات والنوم والضغوط النفسية والبيئة والتاريخ الصحي للشخص لتؤثر في قابلية ظهور الأعراض؟

لماذا يتأثر بعض الأشخاص أكثر من غيرهم؟

تظهر العلاقة بين التغيرات الهرمونية والصحة النفسية بصورة واضحة خلال مراحل معينة من حياة المرأة، ومنها الدورة الشهرية، والحمل، وفترة ما بعد الولادة، والمرحلة الانتقالية إلى انقطاع الطمث.

لكن التغير الهرموني الطبيعي لا يعني بالضرورة ظهور اضطراب نفسي.

تشير الأبحاث إلى أن بعض النساء قد يمتلكن حساسية بيولوجية أكبر للتقلبات الهرمونية الطبيعية؛ أي أن التغير نفسه الذي يمر دون تأثير نفسي كبير لدى امرأة قد يرتبط بتغيرات أكثر وضوحًا في المزاج أو السلوك لدى أخرى.

وهذا ما يجعل مفهوم الحساسية للتغيرات الهرمونية أكثر دقة من البحث فقط عن ارتفاع أو انخفاض رقم معين في تحليل الدم.

اضطراب ما قبل الطمث.. متى يصبح تغير المزاج مشكلة حقيقية؟

من أبرز الأمثلة على العلاقة بين التغيرات الهرمونية والمزاج اضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي أو Premenstrual Dysphoric Disorder – PMDD.

ومن الضروري التفريق بين أعراض ما قبل الدورة الشهرية الشائعة وبين PMDD، إذ تكون الأعراض في الاضطراب الأخير أشد وقد تؤثر بوضوح في الحياة اليومية والعمل والعلاقات.

وقد تشمل الأعراض:

  • الاكتئاب أو الشعور بالحزن واليأس.
  • القلق والتوتر.
  • التهيج أو الغضب الشديد.
  • التقلبات المزاجية.
  • ضعف التركيز.
  • تغيرات في الشهية.
  • اضطرابات النوم.
  • انخفاض الطاقة.
  • وفي الحالات الشديدة قد تظهر أفكار مرتبطة بإيذاء النفس أو الانتحار.

والأهم أن المشكلة ليست بالضرورة وجود مستويات «غير طبيعية» من الإستروجين أو البروجستيرون؛ فقد تكون مستويات الهرمونات ضمن النطاق الطبيعي، بينما تكون استجابة الدماغ للتقلبات الطبيعية أكثر حساسية لدى بعض النساء.

وهنا يتغير فهم المشكلة بالكامل. فبدل أن يقال للمرأة: «أنتِ حساسة أكثر من اللازم»، ينبغي البحث عن نمط الأعراض: هل تظهر بصورة متكررة في مرحلة محددة من الدورة؟ وهل تتحسن بعد بدء الدورة؟ وهل تؤثر في العمل أو العلاقات أو الحياة اليومية؟

ولهذا فإن تسجيل الأعراض والمزاج يوميًا عبر عدة دورات شهرية يمكن أن يوفر للطبيب أو المختص صورة أوضح من الاعتماد على الذاكرة وحدها.

بعد الولادة.. ليست كل أم حزينة «غير ممتنة»

من أكثر الأخطاء قسوة تفسير معاناة المرأة بعد الولادة بأنها ضعف في الشخصية، أو عدم تقدير للنعمة، أو عدم حب لطفلها.

الاكتئاب المحيط بالولادة حالة نفسية حقيقية يمكن أن تظهر خلال الحمل أو بعد الولادة، وتتداخل في حدوثها عوامل متعددة تشمل التغيرات البيولوجية والهرمونية، واضطراب النوم، والإجهاد، والتاريخ السابق للاضطرابات النفسية، والضغوط الاجتماعية والحياتية.

ومن المهم أيضًا التفريق بين ما يعرف بـ«كآبة النفاس» أو Baby Blues، وهي تغيرات مزاجية خفيفة وقصيرة المدة قد تظهر في الأيام الأولى بعد الولادة، وبين اكتئاب ما بعد الولادة الذي تكون أعراضه أشد أو تستمر لفترة أطول وتحتاج إلى تقييم وعلاج.

وقد تحتاج بعض الحالات إلى العلاج النفسي (Psychotherapy)، والدعم الأسري والاجتماعي، ومعالجة اضطرابات النوم قدر الإمكان، والتقييم الطبي، وأحيانًا العلاج الدوائي وفق حالة المريضة وتحت إشراف المختص.

ولا ينبغي اختزال اكتئاب ما بعد الولادة في «انخفاض هرمون واحد»، لأن الجسم والدماغ والعوامل النفسية والاجتماعية تتفاعل معًا.

منتصف العمر.. عندما يتغير الجسد وتتغير معه التجربة النفسية

المرحلة الانتقالية التي تسبق انقطاع الطمث (Perimenopause) ليست مجرد تغير في الدورة الشهرية أو ظهور الهبات الساخنة.

فالتقلبات الهرمونية خلال هذه المرحلة يمكن أن تترافق لدى بعض النساء مع اضطرابات في النوم، وزيادة القلق أو التهيج، وتغيرات في المزاج، وقد تظهر أو تتفاقم أعراض اكتئابية لدى بعضهن.

وقد تبدأ الحلقة بنوم سيئ، ثم يأتي الإرهاق، ثم تنخفض القدرة على تحمل الضغوط، ثم يزداد التهيج أو الانسحاب الاجتماعي، ليبدأ الشخص في تفسير كل ذلك باعتباره «تغيرًا في الشخصية».

بينما قد تكون هناك مجموعة متداخلة من العوامل البيولوجية والنفسية والحياتية تستحق تقييمًا متكاملًا.

الغدة الدرقية.. قصة لا ينبغي تجاهلها

هناك حالات طبية واضطرابات في الغدد الصماء يمكن أن تتشابه بعض أعراضها مع الأعراض النفسية.

فاضطرابات الغدة الدرقية، على سبيل المثال، قد ترتبط بتغيرات في الطاقة والمزاج والنوم والتركيز، إلى جانب أعراض جسدية أخرى.

قصور الغدة الدرقية قد يترافق مع التعب وبطء النشاط وأعراض اكتئابية، بينما قد يظهر فرط نشاط الغدة الدرقية في صورة عصبية أو قلق أو تهيج واضطراب في النوم وتسارع في ضربات القلب.

وهنا تظهر قاعدة مهمة في الممارسة الإكلينيكية: ليس كل ما يشبه الاكتئاب اكتئابًا أوليًا، وليس كل قلق سببه اضطراب قلق مستقل.

لذلك، عندما تكون الأعراض جديدة أو شديدة أو مصحوبة بتغيرات جسدية واضحة، قد يكون من المناسب إجراء تقييم طبي بالتوازي مع التقييم النفسي.

وماذا عن الرجال والتستوستيرون؟

الحديث عن العلاقة بين الهرمونات والصحة النفسية لا يقتصر على النساء.

فانخفاض التستوستيرون المرضي لدى الرجال قد يترافق في بعض الحالات مع انخفاض الطاقة، والتهيج، وصعوبة التركيز، وانخفاض الدافعية أو المزاج.

لكن وجود التعب أو انخفاض المزاج وحده لا يكفي للقول إن الرجل يعاني نقصًا في التستوستيرون؛ فالتشخيص الطبي يحتاج إلى تقييم الأعراض وقياس مستويات الهرمون بالطريقة والتوقيت المناسبين واستبعاد أسباب أخرى محتملة.

ولهذا فإن تناول هرمون التستوستيرون أو أي علاج هرموني بشكل ذاتي بناءً على أعراض عامة قد يؤدي إلى مشكلات أخرى بدل حل المشكلة الأصلية.

الكورتيزول.. لماذا لا تكفي نتيجة تحليل واحدة؟

الكورتيزول جزء أساسي من منظومة الاستجابة للضغط النفسي، ويعمل ضمن نظام معقد يعرف باسم Hypothalamic–Pituitary–Adrenal Axis (HPA Axis).

لكن الخطاب الشعبي حول الكورتيزول كثيرًا ما يختزل المسألة في عبارة: «الكورتيزول مرتفع، إذن أنت متوتر».

وهذا تبسيط شديد لمنظومة تتأثر بالنوم، والتوقيت اليومي، والحالة الصحية، والأدوية، والضغوط النفسية، وعوامل بيولوجية أخرى.

ولذلك لا ينبغي تحويل نتيجة تحليل منفرد إلى تشخيص نفسي أو تفسير شامل لكل ما يشعر به الإنسان.

الحل ليس البحث عن «هرمون واحد»

ربما تكون هذه أهم رسالة في الموضوع كله.

عندما يشعر الإنسان بتغير واضح أو مفاجئ في المزاج أو الطاقة أو النوم، فالأكثر فائدة ليس البحث مباشرة عن تحليل هرموني واحد وبناء تفسير كامل للحالة عليه، وإنما اللجوء إلى التقييم المتكامل.

1- ملاحظة نمط الأعراض

متى بدأت؟ وهل تتكرر؟ وهل ترتبط بالدورة الشهرية أو الحمل أو الولادة أو مرحلة عمرية معينة؟ وهل توجد فترات تختفي فيها الأعراض تمامًا؟

2- تقييم النوم

اضطراب النوم قد يزيد القلق والتهيج، ويضعف التركيز والمزاج، وقد يصبح جزءًا من دائرة متبادلة بين الأعراض النفسية والجسدية.

3- التقييم الطبي عند الحاجة

خصوصًا عندما تكون هناك أعراض جسدية واضحة أو تغيرات حديثة وغير معتادة تستدعي استبعاد أسباب عضوية أو هرمونية.

4- التقييم النفسي

وجود عامل هرموني محتمل لا ينفي احتمال وجود اكتئاب أو قلق أو صدمة نفسية أو ضغوط حياتية تحتاج إلى تدخل متخصص.

5- تجنب العلاج الذاتي بالهرمونات

الهرمونات ليست مكملات غذائية عادية، واستخدامها دون تشخيص وإشراف طبي قد يؤدي إلى مضاعفات أو يخفي السبب الحقيقي للأعراض.

متى تصبح الأعراض بحاجة إلى مساعدة عاجلة؟

إذا صاحب التغير في المزاج أفكار عن الانتحار أو إيذاء النفس أو إيذاء الآخرين، أو فقدان شديد للاتصال بالواقع، أو هلاوس، أو ارتباك شديد بعد الولادة، فهذه علامات تستدعي طلب مساعدة طبية ونفسية عاجلة، ولا ينبغي انتظار تحسن الأعراض من تلقاء نفسها.

النفس والجسد ليسا خصمين

هناك شخص يعيش منذ أشهر وهو يلوم نفسه لأنه «لم يعد كما كان»، وامرأة تظن أنها أصبحت عصبية بلا سبب، وأم بعد الولادة تخجل من مشاعرها لأنها تعتقد أن الأمومة يفترض أن تكون سعادة متواصلة، وشخص آخر يعتقد أن كل ما يحدث له «نفسي» بينما يحتاج أيضًا إلى تقييم طبي.

الحقيقة أن النفس والجسد ليسا خصمين.

الدماغ يتأثر بالجسم، والجسم يتأثر بالحالة النفسية، والهرمونات تتفاعل مع منظومات الدماغ، والضغط النفسي يؤثر بدوره في منظومات عصبية وهرمونية، وكل ذلك يحدث داخل إنسان واحد.

لذلك فإن التعامل الرصين مع الاضطرابات النفسية المرتبطة بالتغيرات الهرمونية لا يبدأ بعبارة: «هذه مشكلة نفسية»، ولا بعبارة: «هذه مشكلة هرمونات».

بل يبدأ بسؤال أكثر نضجًا:

ما الذي يحدث لهذا الإنسان بصورة متكاملة؟

وعندما نطرح هذا السؤال، يصبح التقييم أكثر دقة، والعلاج أكثر إنسانية، ويصبح الشخص أقل ميلًا إلى لوم نفسه على أعراض قد يكون وراءها تفاعل معقد بين البيولوجيا والنفس والنوم والظروف الحياتية.

وفهم العلاقة بين الهرمونات والصحة النفسية لا يعني أن نضع كل مشاعرنا تحت رحمة الهرمونات، بل يعني أن نتوقف عن إصدار الأحكام السريعة، وأن نحاول أولًا فهم ما يحدث قبل أن نقرر كيف ينبغي علاجه.


بقلم: خالد رغدان
أخصائي نفسي
مختص في علاج الإدمان – السلاح الطبي
قسم علاج الإدمان

تنويه: المعلومات الواردة في هذا المقال للتوعية العامة، ولا تُعد بديلًا عن التشخيص أو الاستشارة الطبية أو النفسية المتخصصة.