
بقلم : خالد رغدان
أكد الأخصائي النفسي خالد رغدان أهمية الانتباه إلى التغيرات النفسية والسلوكية المبكرة وعدم الانتظار حتى تتفاقم، مشيرًا إلى أن عددًا من الحالات التي تصل إلى مراحل تحتاج إلى تدخل علاجي أكبر قد تكون سبقتها أعراض أو تغيرات كان من الممكن تقييمها في وقت مبكر.
يرى الأخصائي النفسي خالد رغدان أن استمرار القلق أو اضطراب النوم أو العزلة أو التغيرات السلوكية، خصوصًا عندما تبدأ في التأثير على الدراسة أو العمل أو العلاقات، يستحق الانتباه والتقييم بدل تجاهله.
وفي المقابل، يشدد على ضرورة تجنب الإفراط في التشخيص، إذ لا يعني كل حزن اكتئابًا، ولا كل خجل اضطراب قلق، ولا كل تشتت اضطراب فرط حركة وتشتت انتباه.
وقال رغدان، في تصريحات صحفية حول أهمية التوعية بالصحة النفسية والتعامل مع أعراضها الأولى، إن من العبارات التي تتكرر داخل العيادات الاستشارية:
وأوضح أن هذه العبارة تعكس، من واقع الحالات التي يتعامل معها، أثر التأخر في طلب الاستشارة، مؤكدًا أن التقييم في الوقت المناسب يمكن أن يساعد في فهم المشكلة واختيار التدخل الملائم قبل ازدياد تأثيرها على حياة الشخص أو أسرته.
أعراض مبكرة قد لا تبدو خطيرة في البداية
وأشار خالد رغدان إلى أن بعض الصعوبات النفسية قد تظهر في البداية على هيئة تغيرات تبدو محدودة، مثل اضطراب النوم، أو القلق المتكرر، أو الميل المتزايد إلى العزلة، أو الحساسية الشديدة تجاه الرفض.
أما لدى الأطفال والمراهقين، فقد تظهر مؤشرات تستحق المتابعة مثل نوبات الغضب المتكررة، أو تغير واضح في السلوك، أو الانسحاب الاجتماعي، أو تراجع الأداء الدراسي، خصوصًا عندما تستمر هذه التغيرات أو تبدأ في التأثير على الحياة اليومية.
وتتفق هذه النقطة مع الإرشادات الطبية التي تميز بين التقلبات الطبيعية في مشاعر الأطفال وسلوكهم وبين التغيرات التي تستمر لأسابيع أو تسبب ضيقًا أو تؤثر على أداء الطفل في المنزل أو المدرسة أو علاقاته الاجتماعية.
كيف يمكن أن تتسع دائرة المشكلة؟
وحذر رغدان من الاعتماد دائمًا على فكرة أن التغير سيختفي تلقائيًا، موضحًا أن بعض الصعوبات يمكن أن تتداخل مع بعضها وتزيد العبء النفسي على الشخص.
القلق قد يؤثر في جودة النوم، واضطراب النوم قد يضعف التركيز، وتراجع التركيز يمكن أن ينعكس على الدراسة أو العمل، ثم يؤدي التعثر المستمر إلى تراجع الثقة بالنفس وزيادة الانسحاب والعزلة.
ولهذا، بحسب رغدان، لا ينبغي النظر إلى كل عرض بمعزل عن السياق العام، وإنما إلى مدة استمراره وشدته وتأثيره الفعلي على حياة الشخص.
رفض المدرسة.. ابحث عن السبب قبل الحكم على الطفل
وتوقف رغدان عند مثال رفض الطفل الذهاب إلى المدرسة، موضحًا أن التعامل مع هذا السلوك باعتباره عنادًا فقط قد يؤدي إلى إغفال السبب الحقيقي وراءه.
وأضاف:
وشدد على أن وجود أحد هذه الاحتمالات لا يمكن إثباته من السلوك وحده، وإنما يحتاج إلى تقييم مهني يأخذ في الاعتبار الطفل والأسرة والمدرسة والظروف المحيطة.
التدخل المبكر لا يعني بالضرورة علاجًا طويلًا
ونبه رغدان إلى اعتقاد وصفه بالخاطئ، وهو أن الذهاب مبكرًا إلى أخصائي نفسي يعني تلقائيًا الدخول في برنامج علاجي طويل أو مكثف.
وأوضح أن التدخل يعتمد على طبيعة الحالة، وقد يبدأ بتقييم مهني، أو تثقيف نفسي للأسرة، أو إرشاد الوالدين، أو متابعة الأعراض، أو تعديلات في البيئة المحيطة ونمط التعامل، فيما تحتاج حالات أخرى إلى تدخلات علاجية أكثر تخصصًا.
ماذا تقول الأبحاث عن التدخل المبكر؟
تدعم الأبحاث أهمية التدخل المبكر في عدد من الاضطرابات النفسية، مع اختلاف حجم الأدلة والنتائج باختلاف الاضطراب ونوع التدخل.
وتظهر الأدلة بصورة واضحة في مجال الذهان المبكر؛ إذ وجدت مراجعات منهجية وتحليلات تجميعية أن خدمات التدخل المبكر ارتبطت، خلال فترات العلاج المدروسة، بانخفاض الانقطاع عن العلاج ودخول المستشفى وتحسن عدد من المؤشرات السريرية والوظيفية مقارنة بالرعاية المعتادة.
لكن الأدلة العلمية تشير أيضًا إلى أن استمرار هذه الفوائد على المدى الطويل بعد انتهاء برامج التدخل المبكر ليس متساويًا في جميع النتائج، وهو ما يؤكد أهمية تجنب تعميم نتيجة بحثية خاصة باضطراب معين على جميع المشكلات النفسية.
لا تحول كل سلوك طبيعي إلى تشخيص نفسي
وفي المقابل، حذر خالد رغدان من الاتجاه المعاكس تمامًا، والمتمثل في الإفراط في التشخيص ومحاولة البحث عن اضطراب نفسي وراء كل شعور أو سلوك إنساني طبيعي.
الحزن العابر ليس بالضرورة اكتئابًا.
الخجل لا يعني دائمًا اضطراب القلق.
التشتت لا يعني تلقائيًا اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.
وأوضح أن دور الأخصائي لا يتمثل في البحث عن تشخيص لكل شخص، وإنما في التمييز بين ما يقع ضمن التجارب والتغيرات الطبيعية، وما يحتاج إلى إرشاد أو متابعة، وما يستدعي علاجًا نفسيًا متخصصًا.
متى يستحق الأمر تقييمًا مهنيًا؟
بحسب الإرشادات المتخصصة، تصبح استشارة المختص أكثر أهمية عندما تستمر الأعراض، أو تزداد شدتها، أو تبدأ في تعطيل قدرة الشخص على الدراسة أو العمل أو أداء مهامه المعتادة أو الحفاظ على علاقاته.
• تغير نفسي أو سلوكي مستمر أو متزايد.
• اضطرابات ملحوظة في النوم أو التركيز.
• انسحاب متزايد من الأسرة أو الأصدقاء.
• تراجع واضح في الدراسة أو العمل.
• فقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة.
• تأثير الأعراض بصورة ملموسة على الحياة اليومية.
ومتى تصبح المساعدة عاجلة؟
شدد رغدان على ضرورة عدم الانتظار عند ظهور مؤشرات حادة، وفي مقدمتها الحديث عن الانتحار أو إيذاء النفس، أو فقدان السيطرة بصورة تعرض الشخص أو الآخرين للخطر، أو ظهور هلاوس أو تغيرات نفسية وسلوكية شديدة ومفاجئة.
وجود أفكار انتحارية أو نية لإيذاء النفس أو الآخرين يستدعي طلب المساعدة العاجلة من الخدمات الصحية أو الطوارئ المتاحة محليًا، وعدم ترك الشخص في خطر مباشر بمفرده.
أسئلة وأجوبة
لا. المشاعر السلبية والقلق والحزن قد تكون جزءًا طبيعيًا من التجربة الإنسانية. تصبح الحاجة إلى التقييم أكبر عندما تستمر الأعراض أو تزداد أو تسبب ضيقًا ملحوظًا أو تؤثر في قدرة الشخص على ممارسة حياته المعتادة.
ليس بالضرورة. للتراجع الدراسي أسباب متعددة، وقد تكون تعليمية أو اجتماعية أو أسرية أو صحية أو نفسية. التقييم يساعد في البحث عن السبب بدل القفز مباشرة إلى تشخيص معين.
ليس بالضرورة. قد يرتبط بعوامل متعددة مثل التنمر أو القلق أو صعوبات التعلم أو ظروف أسرية أو أسباب أخرى، ولذلك ينبغي فهم السياق قبل الحكم على السلوك.
لا. طبيعة التدخل تعتمد على التقييم والحالة؛ وقد يحتاج الشخص إلى إرشاد أو متابعة أو تثقيف نفسي، بينما تتطلب حالات أخرى علاجًا أكثر تخصصًا.
عند وجود خطر مباشر، مثل أفكار أو خطط انتحارية، أو إيذاء النفس، أو سلوك يعرض الشخص أو الآخرين للخطر، أو أعراض نفسية شديدة ومفاجئة، ينبغي طلب المساعدة الصحية العاجلة.
يرى الأخصائي النفسي خالد رغدان أن الهدف من التدخل المبكر ليس البحث عن مرض خلف كل تغير نفسي، وإنما التقاط الإشارة عندما تصبح مستمرة أو مؤثرة، وفهم