أقدم خريطة مصوّرة لفلسطين عمرها نحو 1500 عام.. أسرار فسيفساء مادبا والمدن التي رسمتها

أقدم خريطة مصوّرة لفلسطين عمرها نحو 1500 عام.. أسرار فسيفساء مادبا والمدن التي رسمتها

نداء الوطن – تاريخ وآثار

أقدم خريطة مصوّرة لفلسطين عمرها نحو 1500 عام.. أسرار فسيفساء مادبا والمدن التي رسمتها

تاريخ وآثار | فلسطين والأردن في العصر البيزنطي

قبل نحو 1500 عام، وقبل ظهور الخرائط الحديثة بقرون طويلة، رسم فنانون مدن فلسطين والقدس ونهر الأردن والبحر الميت باستخدام قطع صغيرة من الحجارة الملونة. لم تكن الخريطة مرسومة على ورق أو جلد، بل كانت جزءًا من أرضية كنيسة في مدينة مادبا الأردنية، وما زالت بقاياها محفوظة حتى اليوم.

تُعرف هذه القطعة الأثرية باسم خريطة مادبا الفسيفسائية، وتُعد أقدم خريطة مصوّرة أصلية باقية للأراضي المقدسة، وفق توصيف مؤسسة سميثسونيان، وأحد أهم الشواهد الجغرافية على مدن المنطقة خلال القرن السادس الميلادي.

واللافت أن الخريطة لا تكتفي بتسجيل أسماء المدن، بل تصور شوارع القدس وأسوارها ومبانيها، وتعرض مواقع جغرافية ما زال كثير منها معروفًا حتى اليوم.

معلومة سريعة: تقع خريطة مادبا داخل كنيسة القديس جورج للروم الأرثوذكس في الأردن، ويرجح الباحثون أنها أُنجزت في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي، أي قبل نحو 1450 إلى 1500 عام.

ما خريطة مادبا؟ ولماذا تعد اكتشافًا استثنائيًا؟

خريطة مادبا عمل فني وجغرافي مصنوع من الفسيفساء، وهي تقنية تعتمد على ترتيب مكعبات صغيرة من الحجر الملون لتشكيل صور وكتابات ورسوم تفصيلية.

وقد صُممت الخريطة خلال العصر البيزنطي، وتصور أجزاء من فلسطين والأردن ومصر ومناطق مجاورة، مع اهتمام خاص بالقدس والمواقع الدينية والتاريخية.

وتؤكد وزارة السياحة والآثار الأردنية أن الخريطة تضمنت إشارات إلى نحو 157 مدينة وقرية وموقعًا، وأن جزءًا فقط من مساحتها الأصلية بقي محفوظًا.

وهذا يجعلها وثيقة أثرية تساعد الباحثين على دراسة أسماء الأماكن وشبكات الطرق والمعالم العمرانية كما كانت معروفة في تلك الحقبة.

القدس في قلب الخريطة.. شوارع وأسوار ومعالم عمرانية

تحتل القدس مكانة بارزة في خريطة مادبا، إذ تظهر بصورة أكبر وأكثر تفصيلًا من كثير من المدن الأخرى.

ويستطيع الباحثون التعرف على تخطيط المدينة البيزنطية من خلال الرسوم التي تمثل الأسوار والبوابات والشارع الرئيسي المعروف باسم «الكاردو»، إضافة إلى كنائس ومبانٍ مهمة في ذلك العصر.

ومن أبرز المعالم التي تظهر في تمثيل القدس كنيسة القيامة والكنيسة الجديدة المعروفة باسم «نيا»، التي شُيدت في القرن السادس الميلادي.

وقد ساعد تصوير هذه المباني الباحثين على تقدير تاريخ تنفيذ الخريطة ومقارنة تفاصيلها بالاكتشافات الأثرية اللاحقة.

توضيح تاريخي: خريطة مادبا ليست خريطة حدود سياسية بالمفهوم الحديث، بل عمل جغرافي وديني من العصر البيزنطي يصور المدن والمواقع المعروفة آنذاك. وتكمن أهميتها في توثيق الجغرافيا التاريخية والمعالم العمرانية.

مدن فلسطينية تظهر في فسيفساء مادبا

لا تقتصر الخريطة على القدس، بل تضم أسماء وصورًا لمواقع عديدة في فلسطين والمنطقة، بعضها ورد بأسمائه اليونانية المستخدمة في العصر البيزنطي.

الموقع أهميته في الخريطة
القدس أبرز تمثيل عمراني، ويشمل شوارع وأسوارًا ومعالم دينية.
نابلس تظهر باسمها التاريخي «نيابوليس» المرتبط بالمدينة الرومانية والبيزنطية.
بيت لحم من المواقع الدينية البارزة في جغرافية المنطقة البيزنطية.
أريحا من المواقع التاريخية في منطقة غور الأردن.
نهر الأردن والبحر الميت معالم طبيعية رئيسية تساعد على فهم توزيع المواقع الجغرافية.

وتُظهر الخريطة أيضًا مناطق تمتد نحو مصر وجنوب سوريا، بما يعكس تصورًا جغرافيًا واسعًا لشرق البحر المتوسط خلال تلك المرحلة.

كيف عرف الباحثون عمر الخريطة؟

يرجح معظم الباحثين أن خريطة مادبا أُنجزت في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي.

ومن القرائن المهمة التي يستند إليها التأريخ ظهور كنيسة «نيا» في القدس، التي اكتمل بناؤها في عام 543 ميلادية، إلى جانب مقارنة المباني المصورة والمعالم التي لم تظهر في الخريطة.

ولهذا تضع دراسات أثرية عديدة تاريخ إنجاز الخريطة في فترة تقارب منتصف القرن السادس وحتى العقود الأخيرة منه، مع وجود نقاشات علمية حول التاريخ الأدق.

وبذلك لا يمكن تحديد سنة واحدة مؤكدة لإنجازها، لكن نسبتها العامة إلى العصر البيزنطي في القرن السادس تستند إلى أدلة أثرية وتاريخية معروفة.

كيف اكتُشفت خريطة مادبا بعد قرون من اختفائها؟

ارتبطت إعادة اكتشاف الخريطة بأعمال بناء كنيسة جديدة للروم الأرثوذكس في مدينة مادبا، فوق بقايا كنيسة بيزنطية أقدم.

وتشير سجلات تاريخية إلى التعرف على وجود الخريطة في ثمانينيات القرن التاسع عشر، بينما جرى الكشف عنها ودراستها بصورة أوضح خلال أعمال البناء في تسعينيات القرن نفسه.

وقد شُيدت كنيسة القديس جورج الحالية عام 1896، وبقيت أجزاء من الخريطة الفسيفسائية ضمن أرضيتها.

وبمرور الوقت، أصبحت الخريطة واحدة من أبرز معالم مادبا الأثرية والسياحية، وموضوعًا لدراسات متخصصة في التاريخ والجغرافيا والآثار البيزنطية.

هل بقيت خريطة مادبا كاملة؟

لم تصل الخريطة إلى العصر الحديث بحالتها الأصلية الكاملة، إذ تعرضت أجزاء منها للتلف والفقد على مدى قرون.

وتشير وزارة السياحة والآثار الأردنية إلى أن نحو ربع الخريطة الأصلية فقط بقي محفوظًا، وأنها كانت تغطي مساحة أكبر بكثير من الأجزاء التي يمكن مشاهدتها اليوم.

ورغم هذا الفقد، ما زالت الأجزاء الباقية تحتوي على معلومات تاريخية مهمة، خاصة في تصوير القدس وبعض المدن والطرق والمواقع الطبيعية.

لماذا تهم خريطة مادبا تاريخ فلسطين؟

تكتسب الخريطة أهمية خاصة لأنها تقدم شاهدًا ماديًا قديمًا على أسماء مدن فلسطينية ومعالمها قبل ظهور الخرائط الحديثة بزمن طويل.

كما تتيح المقارنة بين أسماء المواقع القديمة وأسمائها الحالية، وتساعد الباحثين على دراسة التحولات العمرانية والجغرافية التي شهدتها المنطقة.

وتكمن قيمتها أيضًا في أن صانعها لم يكتف بكتابة أسماء الأماكن، بل حاول تمثيل معالمها بصريًا، وهو ما يجعلها مصدرًا يجمع بين الفن والتاريخ والجغرافيا.

ومع ذلك، يجب التعامل معها في سياقها التاريخي؛ فهي تصور المنطقة من منظور جغرافي وديني بيزنطي، ولا تمثل سجلًا شاملًا لكل القرى أو المواقع التي كانت قائمة في ذلك العصر.

أين يمكن مشاهدة خريطة مادبا اليوم؟

توجد الأجزاء الأصلية الباقية من الخريطة في أرضية كنيسة القديس جورج للروم الأرثوذكس بمدينة مادبا الأردنية.

وتُعرف مادبا باسم «مدينة الفسيفساء» بسبب كثرة الأعمال الفسيفسائية الأثرية التي عُثر عليها فيها، خصوصًا من العصرين البيزنطي والأموي.

ويمكن للمهتمين بالتاريخ والآثار التعرف على الخريطة من خلال المواد التعريفية الرسمية الخاصة بالسياحة والآثار الأردنية، إضافة إلى الدراسات والمجموعات الأرشيفية المتخصصة.

أسئلة شائعة عن خريطة مادبا

كم عمر خريطة مادبا؟

يرجع تاريخها إلى النصف الثاني من القرن السادس الميلادي، أي إلى نحو 1450–1500 عام.

هل خريطة مادبا أقدم خريطة في العالم؟

لا. توجد خرائط أقدم في حضارات أخرى، لكنها تُعد أقدم خريطة مصورة أصلية باقية للأراضي المقدسة، بحسب مؤسسة سميثسونيان.

هل تظهر القدس في الخريطة؟

نعم، وتُعد القدس من أكثر المدن تفصيلًا فيها، إذ تظهر شوارعها وأسوارها وعدد من معالمها البيزنطية.

هل تظهر نابلس وبيت لحم وأريحا؟

نعم، تضم الخريطة تمثيلات لمواقع فلسطينية متعددة، ومنها نابلس باسمها التاريخي نيابوليس، وبيت لحم وأريحا.

أين توجد الخريطة الأصلية الآن؟

توجد الأجزاء الباقية منها داخل كنيسة القديس جورج في مدينة مادبا الأردنية.

الخلاصة.. خريطة من الحجارة تحفظ ذاكرة المكان

ليست خريطة مادبا مجرد زخرفة فسيفسائية قديمة، بل وثيقة تاريخية استثنائية حفظت صورة لمدن فلسطين والمنطقة قبل نحو خمسة عشر قرنًا.

ومن القدس إلى نابلس وبيت لحم وأريحا، تكشف الأجزاء الباقية منها كيف رأى فنانو العصر البيزنطي جغرافية المنطقة، وتمنح الباحثين نافذة نادرة على تاريخ المكان وتطور معالمه.

ورغم ضياع أجزاء كبيرة من الخريطة، بقيت قطع الحجارة الصغيرة شاهدة على مدن وأسماء ومعالم ما زالت حاضرة في ذاكرة المنطقة وتاريخها.

المصدر – الموقع الرسمي: نداء الوطن