
واشنطن – نداء الوطن: كشف استطلاع حديث للرأي في الولايات المتحدة عن مفارقة لافتة داخل الجالية العربية الأميركية، إذ أعرب 78% من المشاركين من أصول عربية عن اعتقادهم بأن لديهم فرصة جيدة لتحسين مستوى معيشتهم، رغم ارتفاع تكاليف الحياة والمخاوف من التمييز والتوترات السياسية.
وأظهر الاستطلاع، الذي أجرته صحيفة «واشنطن بوست» بالتعاون مع كلية شار للسياسة والحكومة في جامعة جورج ميسون، أن تفاؤل العرب الأميركيين بمستقبلهم الاقتصادي يفوق بصورة واضحة نظيره لدى عموم الأميركيين، الذين بلغت نسبة المتفائلين بينهم 40% وفق المقارنة التي أوردتها الصحيفة.
وتأتي هذه النتائج في وقت تواجه فيه الأسر الأميركية تحديات متزايدة مرتبطة بأسعار السلع والخدمات والوقود، إلى جانب حالة من الاستقطاب السياسي بشأن الهجرة والسياسة الخارجية والهوية الوطنية.
78% متفائلون.. رغم عدم الرضا عن اتجاه البلاد
بحسب نتائج الاستطلاع المنشورة في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026، يرى 78% من العرب الأميركيين المشاركين أن بإمكانهم تحسين ظروفهم المعيشية في الولايات المتحدة، مقارنة بنسبة 40% لدى الأميركيين عمومًا.
لكن هذا التفاؤل الشخصي لا يعني الرضا عن الأوضاع العامة، إذ أعرب نحو ثلثي المشاركين عن عدم رضاهم عن الاتجاه الذي تسير فيه الولايات المتحدة.
وتكشف هذه المفارقة أن بعض أفراد الجالية العربية يميزون بين تقييمهم للظروف السياسية والاقتصادية الحالية وبين إيمانهم بقدرتهم على بناء مستقبل أفضل لهم ولأبنائهم.
أبرز أرقام الاستطلاع
78%: يرون فرصة جيدة لتحسين مستوى المعيشة.
نحو 80%: يرون وجود قدر من التحيز ضد العرب والمسلمين في الولايات المتحدة.
70% تقريبًا: يعتبرون الهوية الأميركية جزءًا مهمًا جدًا من هويتهم.
87%: يشعرون بحرية ممارسة شعائرهم الدينية.
التمييز لا يزال مصدر قلق للجالية العربية
رغم النظرة المتفائلة إلى المستقبل، يرى نحو ثمانية من كل عشرة مشاركين أن هناك بعض التحيز أو الكثير منه ضد العرب والمسلمين في المجتمع الأميركي.
ولا تعني هذه النسبة أن جميع المشاركين تعرضوا شخصيًا للتمييز، بل إنها تعكس تقييمهم لمدى انتشار الأحكام المسبقة في المجتمع.
كما أفاد نحو ربع المشاركين بأنهم أو أحد أفراد أسرهم واجهوا خلال العامين الماضيين صعوبات مرتبطة بالهجرة أو إجراءات الدخول والخروج من الولايات المتحدة، بما في ذلك الاستجواب في المطارات أو المشكلات المتعلقة بالسفر.
وتعكس هذه النتائج جانبًا من التحديات التي قد تواجه بعض الأسر العربية، حتى عندما تكون مستقرة اقتصاديًا واجتماعيًا داخل الولايات المتحدة.
الهوية الأميركية والانتماء إلى الجذور العربية
أظهر الاستطلاع أيضًا أن نحو ثلثي العرب الأميركيين المشاركين يعتبرون أنفسهم أميركيين عاديين، فيما يرى سبعة من كل عشرة أن كونهم أميركيين يمثل جانبًا مهمًا جدًا من هويتهم.
وتشير هذه النتائج إلى أن الانتماء إلى المجتمع الأميركي والاحتفاظ بالجذور العربية ليسا بالضرورة أمرين متعارضين بالنسبة إلى كثير من أبناء الجالية.
ويظهر هذا التداخل بين الهويتين بصورة خاصة بين الأسر التي استقرت في الولايات المتحدة منذ عقود، وبين الأجيال التي ولدت أو نشأت فيها مع استمرار ارتباطها بثقافة الآباء والأجداد.
الفلسطينيون والمصريون واللبنانيون ضمن المشاركين
شمل الاستطلاع بالغين من أصول عربية متنوعة، بينهم مشاركون من أصول فلسطينية ومصرية ولبنانية، إلى جانب أشخاص ترتبط جذورهم بسوريا والأردن والمغرب ودول عربية أخرى.
وبحسب التقرير، بلغت نسبة ذوي الأصول الفلسطينية نحو 21% من المشاركين، بينما شكل أصحاب الأصول المصرية واللبنانية نسبًا تقارب الخُمس لكل مجموعة.
وأورد التقرير تجارب مختلفة لأفراد من الجالية، من بينهم أميركيون من أصول فلسطينية تحدثوا عن ارتفاع تكاليف التأمين الصحي والوقود، وعن تأثير التطورات في الشرق الأوسط على مشاعرهم ومواقفهم السياسية.
وتبرز هذه التجارب تنوع ظروف العرب الأميركيين؛ فبعضهم يركز على الفرص الاقتصادية والتعليمية المتاحة، فيما ينشغل آخرون بمخاوف التمييز والسياسات الحكومية والأحداث التي تشهدها بلدانهم الأصلية.
ماذا عن الحرية الدينية؟
قال 87% من المشاركين إنهم يشعرون بحرية ممارسة معتقداتهم الدينية في الولايات المتحدة، رغم المخاوف الواسعة من وجود تحيز ضد العرب والمسلمين.
وضمت العينة مسلمين ومسيحيين، وهو ما يعكس التنوع الديني داخل الجاليات العربية الأميركية.
ويؤكد هذا التباين بين الإحساس بحرية ممارسة الدين وبين القلق من التمييز أن التجربة اليومية لأبناء الجالية قد تجمع بين فرص الاندماج ومظاهر التوتر الاجتماعي في الوقت نفسه.
كيف أُجري الاستطلاع؟
أُجري الاستطلاع بين 20 أغسطس/آب و7 سبتمبر/أيلول 2026، وشمل 412 بالغًا في الولايات المتحدة من أصول تعود إلى بلدان عربية، من بينهم 358 مشاركًا يعرّفون أنفسهم بأنهم عرب.
واستخدم القائمون عليه أساليب متعددة للوصول إلى المشاركين، نظرًا لصعوبة تمثيل الجالية العربية في استطلاعات الرأي الأميركية العامة بسبب حجمها السكاني المحدود نسبيًا.
وبلغ هامش الخطأ في النتائج المتعلقة بالعرب الأميركيين نحو 6.7 نقاط مئوية صعودًا أو هبوطًا، ما يستدعي قراءة النسب بوصفها تقديرات إحصائية، لا أرقامًا قطعية تنطبق على جميع أفراد الجالية.
ماذا تعني النتائج لمستقبل العرب في أمريكا؟
تقدم نتائج الاستطلاع صورة مركبة عن واقع الجالية العربية في الولايات المتحدة؛ فهي جالية ترى فرصًا لتحسين مستوى المعيشة وتحافظ على شعور قوي بالانتماء، لكنها في الوقت نفسه تعبر عن مخاوف تتعلق بالتمييز وغلاء المعيشة والسياسات العامة.
ومن الناحية الاجتماعية، توحي النتائج بأن الشعور بالتفاؤل لا يلغي الإحساس بالتحديات، كما أن الانتقاد السياسي لا يعني بالضرورة ضعف الانتماء إلى البلد الذي يعيش فيه الفرد.
وتبقى متابعة هذه التحولات مهمة لفهم احتياجات الجاليات العربية، خصوصًا في ملفات المشاركة السياسية والاندماج الاقتصادي والحريات المدنية.
الخلاصة
يرى معظم العرب الأميركيين المشاركين في الاستطلاع أن المستقبل قد يحمل لهم فرصًا أفضل، رغم الضغوط الاقتصادية ومخاوف التمييز. وهي مفارقة تكشف أن الأمل بالمستقبل والقلق من الحاضر يمكن أن يجتمعا داخل الجالية نفسها.
المصدر: صحيفة واشنطن بوست – نتائج استطلاع العرب الأميركيين المنشور في 17 أكتوبر 2026.