
بقلم : هانم داود
ثقافة وفنون – نداء الوطن: تمتد السينما الفرانكفونية عبر بلدان وقارات متعددة، وتجمع تجارب تتقاطع في اللغة الفرنسية أو في شبكات الإنتاج والتبادل الثقافي المرتبطة بها. ومن فرنسا وبلجيكا وسويسرا وكيبيك إلى إفريقيا والمغرب العربي، تتعدد الحكايات والأساليب، لتفتح الشاشة مساحة للنقاش حول الهوية والذاكرة والهجرة والتحولات الاجتماعية.
غير أن هذا التنوع يستدعي التمييز بين الأفلام الناطقة بالفرنسية والأفلام المنتمية إلى فضاء التعاون السينمائي الفرانكفوني. فقد يرتبط فيلم تونسي أو مغربي بهذا الفضاء من خلال التمويل أو الإنتاج المشترك أو التوزيع، بينما تظل لغته الأساسية العربية أو الأمازيغية.
ما المقصود بالسينما الفرانكفونية؟
يشير المصطلح، في معناه اللغوي المباشر، إلى الأعمال التي تستخدم الفرنسية لغة أساسية أو بارزة في الحوار. أما في الاستعمال الثقافي والمؤسساتي الأوسع، فقد يشمل تجارب سينمائية من بلدان ترتبط بالفرنكفونية، حتى عندما تقدم أفلامها بلغات محلية.
ولهذا لا تمثل السينما الفرانكفونية مدرسة فنية واحدة، ولا يمكن اختزالها في امتداد للسينما الفرنسية. إنها فضاء تتجاور داخله صناعات وطنية مستقلة، ومخرجون تختلف مرجعياتهم وأساليبهم وظروف إنتاجهم.
تمييز أساسي: الإنتاج المشترك مع فرنسا لا يجعل الفيلم فرنسي اللغة تلقائيًا، كما أن انتماء بلد إلى المنظمة الدولية للفرنكفونية لا يعني تصنيف جميع أفلامه بوصفها أفلامًا فرانكفونية بالمعنى اللغوي.
محطات تاريخية: من لوميير إلى الموجة الجديدة
1895.. محطة تأسيسية في تاريخ العرض السينمائي
شكّل العرض التجاري العام لجهاز السينماتوغراف الخاص بالأخوين لوميير في باريس، يوم 28 ديسمبر/كانون الأول 1895، محطة تأسيسية في تاريخ السينما. لكنه جاء ضمن مسار أوسع من الاختراعات وتجارب الصورة المتحركة، ولذلك لا يصح اختزال نشأة الفن السابع في واقعة منفردة.
وكانت الأفلام آنذاك صامتة؛ لذا فإن أهمية هذه المحطة تتعلق بتطور السينما في فرنسا، وليس ببداية أفلام ناطقة بالفرنسية.
الواقعية الشعرية في الثلاثينيات
شهدت السينما الفرنسية خلال الثلاثينيات بروز أعمال ارتبطت بالواقعية الشعرية، لدى مخرجين من بينهم جان رينوار ومارسيل كارنيه. وقد جمعت هذه التجارب بين الاهتمام بالبيئات الاجتماعية والشخصيات المهمشة وبين بناء بصري ودرامي يمنح الواقع طابعًا شعريًا.
الموجة الجديدة وتحرير لغة الفيلم
في أواخر الخمسينيات والستينيات، برزت الموجة الجديدة الفرنسية مع أسماء مثل فرانسوا تروفو وجان لوك غودار وكلود شابرول، إلى جانب تجارب مؤثرة لأنييس فاردا وآخرين.
أسهمت الحركة في تجديد طرق الإنتاج والتصوير والسرد، وعززت حضور الرؤية الشخصية للمخرج. لكنها لم تكن قالبًا موحدًا؛ فقد اختلفت أفلام روادها في الموضوعات والجماليات وطريقة التعامل مع الشخصيات.
مسارات متعددة خارج فرنسا
وبالتوازي مع التحولات الفرنسية، تطورت تجارب سينمائية في كيبيك وبلجيكا وسويسرا وبلدان إفريقية ومغاربية. ولا يمكن التعامل مع تاريخها باعتباره مرحلة لاحقة من تاريخ فرنسا وحده؛ إذ لكل تجربة سياقها الوطني والثقافي، وأسئلتها المتعلقة باللغة والاستقلال والذاكرة وموقعها في العالم.
خصائص فنية تتكرر دون أن تشمل جميع الأفلام
تظهر في جانب من هذه السينما سمات ترتبط بسينما المؤلف والأعمال الاجتماعية، لكنها لا تنطبق على كامل إنتاجها؛ فالفضاء الفرانكفوني يضم أيضًا الكوميديا والأفلام التجارية والرسوم المتحركة وأفلام الأنواع المختلفة.
- الرؤية الشخصية للمخرج: منح الأسلوب والاختيارات السردية دورًا في التعبير عن موقف فني أو فكري.
- الاهتمام بالشخصيات: استكشاف العلاقات الإنسانية والدوافع النفسية والتوتر بين الفرد ومحيطه.
- الاشتباك مع المجتمع: تناول الهجرة والتفاوت الاجتماعي والذاكرة الاستعمارية والحقوق والحريات.
- التجريب البصري والسردي: استخدام التصوير في المواقع الحقيقية، أو السرد غير الخطي، أو المزج بين الوثائقي والروائي.
- التعدد اللغوي: انتقال الحوار بين الفرنسية ولغات أخرى بحسب الشخصيات والبيئة الاجتماعية.
السينما المغاربية: هوية وطنية وتعاون عابر للحدود
تحتل تونس والمغرب والجزائر موقعًا مهمًا في التبادل السينمائي بين العالم العربي وإفريقيا وأوروبا. وقد ترك الاستعمار أثره في البنى الثقافية وصور المنطقة على الشاشة، بينما فتحت مرحلة الاستقلال المجال لبناء سرديات محلية تستعيد حق المجتمعات في تمثيل نفسها.
وساعد الإنتاج المشترك والتعاون التقني والتوزيع الدولي بعض الأفلام المغاربية على الوصول إلى جمهور أوسع. ومع ذلك، تظل هذه الأعمال جزءًا من سينما بلدانها، ولا يلغي ارتباطها بمؤسسات فرانكفونية استقلال موضوعاتها أو تعدد لغاتها.
وتختلف دلالات استعمال الفرنسية من فيلم إلى آخر؛ فقد ترتبط بالهجرة أو التعليم أو العمل أو العلاقات العائلية. كما تحضر العربية بلهجاتها المحلية والأمازيغية، بحسب البلد والبيئة التي يتناولها العمل.
السينما التونسية.. المجتمع والذاكرة وأسئلة الحرية
قدمت السينما التونسية تجارب متعددة في معالجة التحولات الاجتماعية والذاكرة والعلاقات بين الفرد والسلطة. ومن الأسماء التي أسهمت في تشكيل مساراتها عبد اللطيف بن عمار ونوري بوزيد ومفيدة التلاتلي، مع اختلاف واضح في اهتمامات كل منهم وأسلوبه.
ويبرز في التجارب المعاصرة اسم كوثر بن هنية، التي تمزج في بعض أعمالها بين أدوات السينما الروائية والوثائقية، وتتناول قضايا إنسانية واجتماعية من زوايا غير تقليدية.
وترشح فيلمها «الرجل الذي باع ظهره» لأوسكار أفضل فيلم دولي في دورة 2021، بينما ترشح «بنات ألفة» لأوسكار أفضل فيلم وثائقي طويل في دورة 2024. ويعكس اختلاف الفئتين تنوع تجربتها، بعيدًا عن حصرها في شكل سينمائي واحد.
السينما المغربية.. تعدد اللغات وحضور التجارب المعاصرة
في المغرب، أسهم مخرجون مثل أحمد البوعناني ومومن السميحي في تطوير تجارب تبحث في الذاكرة والثقافة وأشكال التعبير السينمائي. وتواصلت هذه المسارات مع أجيال لاحقة طرحت أسئلة المجتمع والهجرة والشباب والعلاقات الإنسانية.
ومن الأسماء المعاصرة نبيل عيوش ومريم توزاني، اللذان قدما أعمالًا أثارت نقاشات حول تمثيل المجتمع والحرية الفردية وموقع الشخصيات المهمشة على الشاشة.
وقد شارك فيلما توزاني «آدم» و«القفطان الأزرق» في قسم «نظرة ما» بمهرجان كان. ويقدم «القفطان الأزرق»، وهو إنتاج مشترك مغربي فرنسي بلجيكي، مثالًا على فيلم يرتبط بشبكات الإنتاج الدولية مع احتفاظه ببيئته المغربية وحواره العربي.
التعاون لا يلغي الخصوصية: تتيح الشراكات الدولية موارد وفرص عرض، لكنها تفتح أيضًا نقاشًا حول شروط التمويل، وحرية الاختيار الفني، وقدرة الفيلم على الوصول إلى جمهوره المحلي.
كيف تدعم المؤسسات التنوع السينمائي؟
تسهم المنظمة الدولية للفرنكفونية، عبر «صندوق الصورة للفرنكفونية»، في دعم تطوير أفلام ومسلسلات وإنتاجها أو استكمالها في البلدان المؤهلة. ولا يقتصر الدعم على الأعمال الناطقة بالفرنسية؛ إذ يمكن أن يشمل أعمالًا باللغات المحلية، وفق شروط البرنامج ومتطلبات الترجمة.
وتساعد هذه الآليات على إتاحة فرص لمشروعات تواجه صعوبات تمويلية، إلى جانب دور المهرجانات وشبكات التوزيع في تعريف الجمهور بأعمال من خارج مراكز الإنتاج الكبرى.
أسئلة شائعة عن السينما الفرانكفونية
ما الفرق بين السينما الفرنسية والسينما الفرانكفونية؟
ترتبط السينما الفرنسية أساسًا بصناعة السينما في فرنسا، بينما يشير المصطلح الفرانكفوني إلى نطاق عابر للحدود، يُستخدم لوصف أفلام ناطقة بالفرنسية أو تجارب مرتبطة بفضائها الثقافي والمؤسساتي، بحسب السياق.
هل كل فيلم مغربي أو تونسي يُعد فرانكفونيًا؟
لا. يتوقف الوصف على لغة الفيلم وطبيعة ارتباطه بالفضاء الفرانكفوني والتعريف المستخدم. ولا تكفي جنسية المخرج أو بلد الإنتاج وحدهما للحكم.
هل يشترط أن تكون الفرنسية لغة الحوار الرئيسية؟
في التعريف اللغوي الضيق تكون الفرنسية أساسية أو بارزة. أما في برامج التعاون الثقافي، فقد تدخل أعمال باللغات المحلية، مع توفير ترجمة فرنسية وفق شروط الجهة الداعمة.
هل الموجة الجديدة هي بداية السينما الفرانكفونية؟
لا. الموجة الجديدة حركة مؤثرة في تاريخ السينما الفرنسية، لكنها لا تمثل بداية موحدة لجميع التجارب السينمائية المرتبطة بالفرنكفونية.
ما أهمية التجربتين التونسية والمغربية؟
تقدمان نماذج لتفاعل السينما الوطنية مع الإنتاج المشترك والتداول الدولي، مع حضور اللغات المحلية وقضايا المجتمع والذاكرة والهوية.
وتكشف هذه التجارب أن قيمة الفضاء الفرانكفوني تنبع من تعدد أصواته، لا من تشابهها. فالأفلام تكتسب حضورها حين تقدم رؤية خاصة لمجتمعاتها، وتتيح للحكايات المحلية أن تعبر الحدود دون أن تفقد لغتها وخصوصيتها.
مصادر التحقق: معهد لوميير، المنظمة الدولية للفرنكفونية، أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة، مهرجان كان السينمائي.