
نداء الوطن - الفن والثقافة - في عالم الدراما الذي تتزايد فيه أهمية المشاهدة عبر الهواتف المحمولة، لم يعد الديكور مجرد خلفية تتحرك أمامها الشخصيات، بل أصبح عنصرًا بصريًا يشارك في سرد الأحداث، ويكشف جوانب من حياة الشخصيات ومستوياتها الاجتماعية والنفسية، ويساعد على بناء العالم الدرامي للعمل.
في هذا الحوار الخاص، تتحدث مديرة الديكور إيلاف حجازي عن فلسفتها في تصميم المواقع الدرامية، ومعايير اختيار الألوان والخامات والإضاءة، وكيفية استغلال المساحات الصغيرة في الأعمال المصوّرة بالإطار الرأسي، إلى جانب رؤيتها للعلاقة الإبداعية بين مديرة الديكور والمخرج ومدير التصوير.
الديكور في الدراما الرأسية: التفاصيل أهم من المساحة
ما المبدأ الأساسي الذي تعتمدين عليه في تصميم ديكورات الدراما؟
التفاصيل أهم من المساحة. لا أحتاج إلى بناء موقع تصوير كامل بقدر حاجتي إلى تصميم زاوية واحدة تظهر بصورة مثالية على شاشة هاتف محمول. فإذا كانت قطعة الديكور لن تظهر بوضوح داخل الإطار الرأسي بنسبة 9:16، فلا داعي لوجودها.
كيف تختارين ألوان الديكور؟
أتجنب الألوان الصريحة والزاهية؛ لأنها قد تبدو حادة أمام كاميرا الهاتف المحمول. وأفضل استخدام مجموعة من الألوان الهادئة والمطفأة، مثل الأبيض الدافئ، والرمادي المائل إلى البيج، والبيج الرملي، والأخضر الزيتوني، والكحلي المطفأ. كما أختار لونًا واحدًا بارزًا لإضفاء لمسة لونية مميزة من خلال إحدى قطع الإكسسوار.
ما الخامات التي تحقق أفضل نتيجة أمام كاميرا الهاتف المحمول؟
أفضل الخامات التي تتميز بملمس واضح، مثل الكتان، والخشب المطفي، والمخمل قصير الوبر، والزجاج المضلع، والرخام المطفي؛ لأنها تضيف عمقًا إلى الصورة. وفي المقابل، أتجنب الخامات شديدة اللمعان، مثل الستان اللامع، وكذلك البلاستيك والزجاج الشفاف، وفقًا لطبيعة المشهد والإضاءة.
كيف تتعاملين مع ضيق مساحة موقع التصوير؟
أركز على استغلال الجدران بدلًا من شغل مساحة الأرضية. وأعتمد على التكوين الرأسي من خلال الستائر الممتدة من السقف إلى الأرض، والأرفف الطويلة، ووحدات الإضاءة الموزعة على ارتفاعات مختلفة، واللوحات الطولية. بهذه الطريقة، أستطيع خلق عمق بصري من دون الحاجة إلى مساحة كبيرة.
ما القاعدة الأساسية التي تتبعينها في توزيع الإكسسوارات؟
أميل إلى الاكتفاء بثلاث قطع إكسسوار داخل الإطار الواحد، موزعة على مستويات مختلفة: قطعة في الأعلى، وأخرى في المنتصف، وثالثة في الأسفل. فزيادة العناصر قد تجعل الكادر مزدحمًا وتشتت انتباه المشاهد عن الحدث الأساسي.
ما الخطأ الأكثر شيوعًا في ديكورات الدراما؟
استخدام الأبيض الناصع على الجدران؛ لأنه قد يجعل لون البشرة يبدو باهتًا تحت بعض ظروف التصوير. لذلك أفضل الأبيض الدافئ أو الأبيض المائل إلى الكريمي، مع مراعاة طبيعة الإضاءة وألوان البشرة.
ما أهمية الأرضيات في التكوين البصري؟
الأرضيات عنصر مهم للغاية، خاصة أن الكاميرا الرأسية قد تتجه إلى الأسفل في كثير من اللقطات. لذلك أفضل السجاد ذي الخطوط الطولية والنقوش الهادئة، بما يتناسب مع تكوين المشهد وحركة الكاميرا.
كيف يكشف الديكور المستوى الاجتماعي للشخصيات؟
كيف تميزين بين منزل يبدو ثريًا ومنزل يعكس الثراء الحقيقي بصريًا؟
الثراء الحقيقي يظهر أحيانًا في المساحات الفارغة أكثر مما يظهر في كثرة الأثاث. فالمسافة المدروسة بين الأريكة والطاولة، وجودة الخشب بدلًا من كثرة القطع، والجدار الخالي من الزخارف مع تشطيبات عالية الجودة، كلها تفاصيل قد تعكس مستوى معيشيًا مرتفعًا.
ما التفاصيل التي يمكن أن تعكس المستوى الاجتماعي للطبقة المتوسطة العليا؟
يمكن أن يظهر ذلك في المطبخ، من خلال وجود جهاز مرتفع الثمن وسط أجهزة عادية، مثل ماكينة قهوة من علامة تجارية معروفة. وقد تكون الخزائن مصنوعة من الخشب الصناعي الجيد، مع استخدام مقابض معدنية ذات جودة مرتفعة. فالفكرة هنا هي إظهار تفاوت مدروس بين العناصر، وليس الاعتماد على الفخامة المطلقة.
وكيف يظهر المستوى الاجتماعي للطبقة المتوسطة؟
قد يظهر من خلال تكرار الأنماط والتصميمات، مثل تقارب نقوش السجادة والستائر، وشراء طقم أثاث كامل من مكان واحد، وكثرة إطارات الصور العائلية والبراويز. هذه التفاصيل يمكن أن تساعد في بناء صورة بصرية متماسكة عن نمط الحياة، وفقًا للسياق الدرامي.
كيف يمكن التعبير عن الفقر من دون مبالغة أو ابتذال؟
من خلال آثار الاستهلاك الطويل للأشياء، وليس بمجرد وضع عناصر متهالكة في المكان. فقد نرى كرسيًا أُعيد تنجيده أكثر من مرة، أو جدارًا طُلي فوق طبقات قديمة من الطلاء، أو مقبسًا كهربائيًا مائلًا، أو سجادة قُصت لتناسب مساحة محددة. هذه التفاصيل الصغيرة تجعل المكان أكثر واقعية وصدقًا.
ما العلاقة بين الألوان والمستوى المعيشي للشخصيات؟
أميل إلى تقليل عدد الألوان كلما أردت التعبير عن مستوى معيشي مرتفع، مع استخدام درجات هادئة ومطفأة. فالقاعدة التي أسترشد بها هي أن تقليل الألوان قد يمنح المكان إحساسًا أكبر بالرقي، بشرط أن يكون التكوين متوازنًا ومناسبًا للشخصية.
كيف تختلف الإكسسوارات من طبقة اجتماعية إلى أخرى؟
في التصور البصري الذي أعتمده، قد تكون الإكسسوارات في المنازل الثرية أكبر حجمًا وأقل عددًا، بينما تكون في المنازل المتوسطة أصغر حجمًا وأكثر عددًا. كذلك قد تؤدي الإكسسوارات في المنزل المتوسط وظائف عملية إلى جانب دورها الجمالي، في حين تُستخدم بعض القطع في المنازل الثرية للزينة بالدرجة الأولى.
كيف يمكن للديكور أن يعكس ثقافة الشخصية؟
لا يكفي وضع الكتب على الأرفف لإظهار ثقافة الشخصية؛ بل يجب الاهتمام بالتفاصيل المحيطة بها. فقد يظهر ذلك في نوع الكرسي الذي تجلس عليه أثناء القراءة، والإضاءة المناسبة بجوارها، وطريقة وجود الكتاب المفتوح على الطاولة. المهم أن تبدو العناصر جزءًا من حياة الشخصية اليومية، لا مجرد قطع وُضعت للزينة.
هل يمكن لتفصيلة صغيرة في الأرضيات أن تكشف المستوى المعيشي؟
نعم، ومن الأمثلة على ذلك وزرة الجدار، وهي الجزء الذي يغطي منطقة التقاء الجدار بالأرضية. فقد تكون مصنوعة من الخشب أو مصممة بصورة مخفية في بعض المنازل، بينما تكون من السيراميك في منازل أخرى. وقد تختلف ألوانها وارتفاعاتها بحسب طبيعة التشطيب. هذه التفاصيل الصغيرة يمكن أن تقدم مؤشرات مهمة عن ميزانية المكان وطريقة تنفيذه.
وماذا عن الحمام؟ ما الذي يمكن أن يكشفه عن المستوى المعيشي؟
الحمام من الأماكن التي تكشف تفاصيل دقيقة قد لا تظهر في بقية المنزل. فنوع خلاط المياه، وخامة حامل الصابون، سواء كان من البلاستيك أو الحجر، ومدى تناسق ألوان المناشف مع السيراميك، كلها عناصر تساعد على رسم صورة عن المستوى المعيشي للشخصيات.
كيف تصورين شخصية أصبحت ثرية حديثًا؟
قد أعتمد على وجود عدم انسجام مقصود بين العناصر. فقد تكون جميع المقتنيات مرتفعة الثمن، لكنها لا تتناسق مع بعضها من حيث الألوان أو الأسلوب. ويمكن استخدام هذا التباين للتعبير عن شخصية تمتلك المال حديثًا، لكنها لم تطور بعد أسلوبًا متكاملًا في اختيار مقتنياتها. أما الثراء المتوارث، فيمكن التعبير عنه من خلال الانسجام والبساطة، وليس بالضرورة من خلال ارتفاع أسعار كل قطعة.
ما دور الإضاءة في التعبير عن المستوى الاجتماعي؟
يمكن للإضاءة أن تسهم في بناء صورة اجتماعية للمكان. فقد نعتمد على مصدر ضوء قوي واحد في منتصف الغرفة لإظهار بساطة المكان، أو نستخدم عدة مصادر من الضوء الأبيض في منزل آخر. أما المنزل الذي نريد إظهاره بمظهر أكثر فخامة، فقد نوزع فيه مصادر الإضاءة على ارتفاعات مختلفة، مع استخدام الضوء الدافئ. وبالطبع، يتحدد الاختيار النهائي وفقًا لطبيعة المكان والمشهد.
العلاقة الإبداعية بين مديرة الديكور والمخرج
كيف تبدأ علاقتك المهنية بالمخرج؟
لا أنتظر حتى يخبرني المخرج بما يريده، بل أبدأ بتقديم تصور بصري مبدئي يتضمن مجموعة من الصور المرجعية التي توضح الألوان والخامات والإضاءة المقترحة. أعرض عليه رؤيتي للعالم البصري للعمل، ثم أسأله عن تصوره الخاص. ومن هنا يبدأ الحوار الإبداعي، بدلًا من أن تقتصر العلاقة على طلب مباشر، مثل تصميم غرفة نوم.
هل تقتصر مهمة مديرة الديكور على تنفيذ رؤية المخرج، أم أنها شريكة في الإبداع؟
مديرة الديكور شريكة في العملية الإبداعية. فالمخرج يروي القصة، بينما أعمل على تحديد المكان الذي ستجري فيه الأحداث وكيف سيخدم هذا المكان المعنى الدرامي. فإذا أراد المخرج تصوير مشاجرة، يمكن أن أطرح اختيارين: مطبخًا ضيقًا أو صالونًا واسعًا. ولكل اختيار دلالة مختلفة وتأثير مختلف في المشهد.
لذلك، لا أرى نفسي مجرد منفذة، بل أعمل على ترجمة الدراما إلى مساحة بصرية تدعم القصة وتمنحها أبعادًا إضافية.
كيف تتعاملين مع اختلافك مع المخرج بشأن اختيار الديكور؟
ألجأ إلى التجربة العملية. أصور الزاوية التي أقترحها، والزاوية التي يفضلها المخرج، باستخدام الممثل نفسه وظروف الإضاءة نفسها، ثم أعرض الصورتين على الهاتف المحمول حتى نتمكن من مقارنة النتيجة.
في الدراما، للصورة دور حاسم في اتخاذ القرار؛ لأن مشاهدة الكادر تساعد على حسم كثير من الخلافات التي قد يصعب حلها بالنقاش النظري وحده.
ما أصعب طلب قد يواجهك من مخرج المايكرو دراما؟
أن يطلب مني أن أجعل موقع التصوير يبدو فاخرًا بميزانية محدودة للغاية. وهذا أحد التحديات الحقيقية في العمل.
الحل لا يكون بالضرورة في استئجار قطع باهظة الثمن، بل قد يبدأ بإعادة تنظيم المكان والتخلص من العناصر الزائدة. فقد أزيل معظم الأثاث، وأطلي جدارًا واحدًا بلون غني، وأضيف مصباحًا بتصميم مميز. فالفكرة هي اختيار عدد محدود من العناصر وتوظيفها بدقة، بدلًا من الاعتماد على كثرتها أو ارتفاع أسعارها.
كيف تنسقين العمل مع مدير التصوير والمخرج في الوقت نفسه؟
أرى أننا نعمل ضمن منظومة متكاملة. أضبط الديكور بما يتناسب مع حركة الكاميرا التي يحددها مدير التصوير، بينما ينسق المخرج حركة الممثلين مع طبيعة المكان.
وقبل تصوير المشهد، نحدد معًا حركة العناصر الأساسية: أين سيتحرك الممثل، وكيف ستتحرك الكاميرا، وما العناصر التي ستظهر في الخلفية. هذا التنسيق المسبق ضروري للحفاظ على تماسك الصورة؛ لأن عمل أي طرف بمعزل عن الآخرين قد يؤثر في النتيجة النهائية.
نصيحة إيلاف حجازي للمبتدئين في إدارة الديكور
ما القاعدة الأساسية التي تعتمدين عليها في إظهار المستوى المعيشي للشخصية؟
بدلًا من الاكتفاء بالسؤال عن وظيفة الشخصية، أسأل: من أين تشتري احتياجاتها؟ وما نوع الأشياء التي تختارها؟ وكيف تستخدمها في حياتها اليومية؟
فالديكور، من وجهة نظري، يمكن أن يكون سجلًا بصريًا لمشتريات الشخصية وعاداتها، وليس مجرد انعكاس لذوقها الشخصي.
ما نصيحتك لكل من يبدأ العمل في مجال إدارة الديكور؟
في الدراما، الديكور ليس مجرد خلفية للأحداث، بل عنصر يمكنه أن يروي جزءًا من القصة قبل أن ينطق الممثل بكلمة واحدة.
اهتموا بالتفاصيل الصغيرة، حتى تلك التي تبدو محدودة الأهمية، وابنوا علاقة تعاون مع المخرج بدلًا من التعامل معه باعتباره منافسًا. فالتميز لا يكمن في تصميم أجمل ديكور، بل في تصميم الديكور الذي يجعل العمل الدرامي أكثر قوة وتأثيرًا، ويساعد المخرج على تقديم رؤيته بأفضل صورة ممكنة.
المصدر - الموقع الرسمي: نداء الوطن