
بقلم: سالي علاوي
في الخليل، لم يعد السلاح يظهر في المشهد الأمني باعتباره مجرد أداة محتملة لتنفيذ هجوم. فبين حملات الاعتقال والتفتيش وضبط الأسلحة والذخائر، تكشف الوقائع عن ملف أوسع يمتد من الحيازة والاستخدام في النزاعات المحلية إلى التجارة ومعدات يُشتبه في استخدامها في تصنيع السلاح، لكن من دون دليل يسمح بربط كل عملية اعتقال أو مداهمة بهذا الملف.
شهدت محافظة الخليل خلال الأسابيع الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في عمليات الاقتحام والاعتقال والتفتيش التي تنفذها القوات الإسرائيلية، بالتزامن مع الإعلان في بعض الحالات عن ضبط أسلحة وذخائر.
لكن القراءة الدقيقة للمشهد تحتاج إلى التمييز بين مسارين متوازيين: التصعيد العام في المداهمات والاعتقالات من جهة، والعمليات التي أعلنت الجهات الإسرائيلية صراحة أنها مرتبطة بأسلحة أو تخطيط لهجمات من جهة أخرى.
وتحاول نداء الوطن في هذا التقرير تتبع أبرز الوقائع المعلنة لفهم ما إذا كانت الخليل أمام حملة جديدة لجمع السلاح، أم أن ما يجري امتداد لسياسة أمنية أوسع ومستمرة منذ سنوات.
رشاش MG-34 فوق سطح منزل في الخليل
برز ملف السلاح بصورة واضحة في 17 سبتمبر، عندما أعلنت الشرطة الإسرائيلية العثور على رشاش من طراز MG-34 فوق سطح مبنى سكني في الخليل، إلى جانب نحو 100 طلقة من عيار 7.62 ملم.
وقالت الشرطة إن العملية استندت إلى معلومات استخبارية عقب تقارير عن تجربة إطلاق حديثة للسلاح، وإن الرشاش والذخيرة نقلا إلى الفحص الجنائي.
وأشارت مصادر إسرائيلية نقلًا عن بيان الشرطة إلى أن السلاح كان موضوعًا في موقع يطل باتجاه منشأة عسكرية، وأنه استُخدم في نزاعات محلية بين فلسطينيين، مع اعتبار وجوده خطرًا أمنيًا محتملًا.
أهمية هذه الواقعة: الرواية الإسرائيلية المنشورة لا تقول إن الرشاش استُخدم بالفعل في هجوم ضد إسرائيل؛ بل تقول إنه استُخدم في نزاعات محلية، مع اعتباره قادرًا على التحول إلى خطر أمني أوسع.
ماذا حدث في الخليل منذ بداية سبتمبر؟
منذ مطلع الشهر شهدت المحافظة سلسلة متلاحقة من الاعتقالات والاقتحامات.
في 1 سبتمبر، أفادت وكالة «وفا» باعتقال ثلاثة فلسطينيين من محافظة الخليل بعد مداهمة منازل في المنطقة الجنوبية من المدينة وبلدة تفوح.
وفي 8 سبتمبر، اعتقلت القوات الإسرائيلية عشرة فلسطينيين خلال اقتحامات في مدينة الخليل وبلدة دورا، شملت حارة الجعبري وقرى الطبقة والصرة وخرسا، مع تنفيذ عمليات مداهمة وتفتيش واسعة.
وفي 14 سبتمبر، أصيب شاب بالرصاص في بيت أولا واعتقل فلسطينيان من بيت أمر ودورا، إضافة إلى إقامة حواجز عسكرية على مداخل عدد من مناطق المحافظة.
شارع الإخوة.. اعتقالات وتحقيق ميداني
في مساء 15 سبتمبر، قالت «وفا» إن القوات الإسرائيلية داهمت منازل ومحال تجارية في شارع الإخوة بالمنطقة الجنوبية من مدينة الخليل.
ووفق المصادر المحلية التي نقلت عنها الوكالة، اعتُقل فلسطينيان واحتُجز عشرات آخرين وأُخضعوا لتحقيق ميداني.
وفي فجر اليوم التالي، اعتقلت القوات طفلًا يبلغ 15 عامًا وشابًا يبلغ 18 عامًا بعد احتجازهما لساعات، وفتشت منازل وأجهزة تسجيل كاميرات مراقبة تابعة لمحال ومنازل في المنطقة.
لكن لا توجد في هذه البيانات الفلسطينية إشارة إلى أن جميع المعتقلين أو المحتجزين كانوا مشتبهين بقضايا سلاح. ولذلك لا يصح دمج كل الاعتقالات التي شهدتها المحافظة في ملف أمني واحد يتعلق بحيازة الأسلحة.
حالة مختلفة: اعتقال بدعوى التخطيط لإطلاق نار
في المقابل، توجد حالات أعلنت الجهات الإسرائيلية بوضوح أنها مرتبطة بادعاءات حول نشاط مسلح.
ففي 14 سبتمبر أعلن الجيش الإسرائيلي اعتقال فلسطيني في الخليل، استنادًا إلى معلومات قال إنها وردت من جهاز «الشاباك»، واتهمه بالتخطيط لتنفيذ هجوم إطلاق نار ضد مدنيين إسرائيليين خلال فترة رأس السنة اليهودية.
وهذه حالة مختلفة عن قضية رشاش MG-34.
في الأولى، يتعلق الادعاء بشخص تتهمه السلطات الإسرائيلية بالتخطيط لهجوم.
أما في الثانية، فالشرطة قالت إن السلاح المضبوط استُخدم في نزاعات محلية، رغم اعتباره خطرًا أمنيًا محتملًا.
لماذا يهم هذا التفريق؟
لأن التعامل مع كل قطعة سلاح أو كل اعتقال باعتبارهما جزءًا من السيناريو نفسه يؤدي إلى صورة غير دقيقة.
فالوقائع المعلنة تشير إلى وجود أكثر من دائرة:
| الدائرة | طبيعتها |
|---|---|
| نشاط مسلح | حالات تعلن فيها إسرائيل وجود تخطيط لهجمات أو نشاط مسلح. |
| نزاعات داخلية | أسلحة تقول الشرطة الإسرائيلية إنها استخدمت في خلافات وصراعات محلية. |
| التصنيع والتجارة | مخارط أو معدات أو ذخائر يشتبه في ارتباطها بإنتاج أو تداول السلاح. |
| اقتحامات واعتقالات عامة | عمليات لا تكشف البيانات المنشورة بالضرورة عن ارتباطها المباشر بالسلاح. |
الخليل ليست أمام ملف جديد
الاهتمام الإسرائيلي بملف السلاح في الخليل لا يبدأ مع أحداث سبتمبر.
ففي نوفمبر 2024 أعلن الجيش الإسرائيلي مصادرة سبع مخارط في مدينة الخليل، وقال إنها كانت تستخدم في تصنيع وسائل قتالية.
وتوضح هذه العملية أن النشاط الإسرائيلي في هذا الملف لا يقتصر على مصادرة بندقية أو مسدس، وإنما يمتد إلى المعدات التي تقول القوات إنها مرتبطة بإنتاج السلاح.
كما شهدت المحافظة خلال يناير 2026 اقتحامات واسعة وعمليات احتجاز وتحقيق ميداني في يطا ومناطق أخرى، إلى جانب مداهمات في بيت أمر وترقوميا وغيرها.
من قطعة سلاح إلى سلسلة كاملة
يمكن النظر إلى السلاح بوصفه نهاية لسلسلة أطول، لا مجرد قطعة مادية منفردة.
فقد تشمل هذه السلسلة:
- مصدر الحصول على السلاح.
- نقله بين المناطق أو الأشخاص.
- الذخيرة اللازمة لاستخدامه.
- التخزين والإخفاء.
- البيع أو الاتجار.
- ورش ومعدات التصنيع أو التعديل.
- الاستخدام في جرائم أو نزاعات محلية.
- الاستخدام المحتمل في نشاط مسلح.
وهذه الزاوية تساعد في فهم سبب امتداد عمليات التفتيش أحيانًا إلى ورش ومخارط ومخازن، وليس فقط إلى الأشخاص الذين يحملون السلاح.
أرقام الجيش الإسرائيلي تخص الضفة لا الخليل وحدها
في 17 سبتمبر نشر الجيش الإسرائيلي بيانات عن نشاط قوات لواء «الناحال» في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية خلال الأشهر الأخيرة.
وقال إن القوات فتشت أكثر من 1200 موقع، وحققت مع نحو 930 مشتبهًا، واعتقلت نحو 230 شخصًا تصفهم بالمطلوبين، كما عثرت على أكثر من 100 قطعة ووسيلة قتالية، بينها بنادق M16 ومسدسات وذخيرة وأسلحة أوتوماتيكية.
ومن الضروري الانتباه إلى أن هذه الأرقام لا تخص محافظة الخليل وحدها، وإنما نشاط اللواء في عدة مناطق من الضفة الغربية.
هل توجد «حملة جمع سلاح» خاصة بالخليل؟
حتى الآن، لا تظهر في البيانات الرسمية التي أمكن مراجعتها وثيقة إسرائيلية تعلن عن بدء عملية مستقلة تحمل اسمًا من قبيل «حملة جمع السلاح في الخليل».
الموجود هو سلسلة من عمليات أمنية متواصلة تتضمن، بين أهداف أخرى، البحث عن أسلحة ومطلوبين ومعدات يشتبه في ارتباطها بإنتاج وسائل قتالية.
ولذلك فإن وصف ما يجري بأنه «حملة جديدة خاصة بالخليل» يحتاج إلى دليل إضافي غير متوفر في البيانات المنشورة حتى الآن.
لماذا ينتشر السلاح داخل المجتمع الفلسطيني؟
هذه المسألة أكثر تعقيدًا من أن تفسر بسبب واحد.
فوجود السلاح داخل المجتمع يمكن أن يرتبط بنزاعات عائلية وشخصية أو بالجريمة والاتجار غير القانوني، كما قد يرتبط في حالات أخرى بالنشاط المسلح أو باعتقاد بعض الأفراد أنهم يحتاجون إلى وسائل للحماية الذاتية.
وفي بيئة تتسم بالاقتحامات المتكررة والحواجز والتوتر الأمني واعتداءات المستوطنين، قد تنشأ لدى بعض الفلسطينيين تصورات عن ضعف الحماية والأمان.
لكن فهم هذه الخلفية لا يعني تبرير انتشار السلاح خارج الأطر القانونية، لأن السلاح الذي يُقتنى بدعوى الحماية يستطيع بدوره أن يصبح أداة في نزاع داخلي أو جريمة.
وهنا تكمن المفارقة: قد يرى شخص في السلاح وسيلة حماية، بينما يراه شخص آخر مصدر تهديد، وتراه الأجهزة الإسرائيلية جزءًا من خطر أمني محتمل حتى إذا لم يكن مستخدمًا في هجوم ضدها.
المشهد لا يحتمل تفسيرًا واحدًا
تكشف الوقائع المتاحة أن ملف السلاح في الخليل يتكون من دوائر متقاطعة.
هناك نشاط مسلح وادعاءات إسرائيلية بإحباط هجمات.
وهناك أسلحة تستخدم، وفق بيانات الشرطة الإسرائيلية نفسها، في نزاعات محلية.
وهناك عمليات تستهدف معدات تقول إسرائيل إنها تستخدم في التصنيع.
وفي الوقت نفسه، هناك مئات عمليات الاعتقال والمداهمة التي لا تُظهر البيانات المنشورة أن لها علاقة مباشرة بالسلاح.
لذلك فإن اختزال كل السلاح في الخليل باعتباره موجهًا لمواجهة إسرائيل، أو اختزاله بالكامل في الجريمة الداخلية، لا يعكس الصورة المركبة.
السؤال ليس فقط: من يحمل السلاح؟
إذا كانت السلطات الإسرائيلية تتعامل مع الأسلحة بوصفها جزءًا من بنية أوسع، فإن فهم الظاهرة فلسطينيًا يحتاج بدوره إلى تجاوز التركيز على حامل البندقية وحده.
السؤال الأعمق هو:
من أين جاء السلاح؟ وكيف انتقل؟ ومن موّله أو باعه؟ وأين حصل صاحبه على الذخيرة؟ وهل توجد شبكات تجارة أو تصنيع تقف خلفه؟
وهذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية عندما تظهر في المحافظة أسلحة أوتوماتيكية أو معدات تصنيع وليس مجرد أسلحة فردية بسيطة.
الخليل بين الأمن الإسرائيلي والأمن المجتمعي
في نهاية المطاف، هناك مستويان مختلفان للأمن في هذه القضية.
الأول هو المنظور الإسرائيلي الذي يتعامل مع انتشار السلاح في الضفة باعتباره خطرًا يمكن أن يتحول إلى نشاط مسلح ضد أهداف إسرائيلية.
والثاني هو الأمن داخل المجتمع الفلسطيني نفسه، حيث يمكن للسلاح غير المنظم أن يتحول إلى أداة في الجريمة أو النزاعات العائلية والشخصية.
والتداخل بين المستويين هو ما يجعل ملف السلاح في الخليل شديد التعقيد.
الخلاصة: لا توجد حتى الآن معطيات تثبت إطلاق حملة إسرائيلية مستقلة جديدة لجمع السلاح في الخليل، لكن الوقائع تشير إلى استمرار نشاط أمني واسع يشمل البحث عن أسلحة وذخائر ومعدات تصنيع، إلى جانب اعتقالات ومداهمات أوسع لا يمكن ربطها جميعًا بالسلاح. والقضية لا تتوقف عند من يحمل البندقية اليوم، بل تمتد إلى السؤال عن مصدرها، ومسار انتقالها، والجهة التي قد تصل إليها غدًا.
أسئلة شائعة حول ملف السلاح في الخليل
ما السلاح الذي أعلن عن ضبطه في الخليل؟
أعلنت الشرطة الإسرائيلية العثور على رشاش MG-34 فوق سطح مبنى سكني مع نحو 100 طلقة من عيار 7.62 ملم.
هل قالت إسرائيل إن الرشاش استخدم في هجوم؟
لا. قالت الشرطة إنه استُخدم في نزاعات محلية، لكنها اعتبرت أنه يشكل خطرًا أمنيًا محتملًا.
هل جميع الاعتقالات الأخيرة في الخليل مرتبطة بالسلاح؟
لا توجد معلومات منشورة تثبت ذلك، والبيانات الفلسطينية بشأن عدد من الاعتقالات لا تشير إلى اتهامات متعلقة بالسلاح.
هل أعلنت إسرائيل عن حملة خاصة لجمع السلاح في الخليل؟
لم تظهر حتى الآن في المصادر الرسمية التي جرى الاطلاع عليها وثيقة تعلن عن حملة مستقلة بهذا الاسم، لكن مصادرة الأسلحة ومعدات التصنيع جزء من النشاط الأمني الإسرائيلي المستمر في الضفة.
هل سبق ضبط معدات لتصنيع السلاح في الخليل؟
نعم. أعلن الجيش الإسرائيلي في نوفمبر 2024 مصادرة سبع مخارط في مدينة الخليل وقال إنها استخدمت لتصنيع وسائل قتالية.
ماذا تعني أرقام 1200 موقع و230 معتقلًا؟
هي أرقام أعلنها الجيش الإسرائيلي عن نشاط لواء الناحال في عدة مناطق من الضفة الغربية خلال أشهر، ولا تخص محافظة الخليل وحدها.
لماذا لا يمكن تفسير انتشار السلاح بسبب واحد؟
لأن الاستخدامات المعلنة والمتداولة تشمل النزاعات المحلية والجريمة والتجارة والنشاط المسلح والحماية الذاتية، وهي سياقات مختلفة تحتاج إلى الفصل بينها.
سالي علاوي