البرلمانات بين الانتخاب والتعيين.. كيف أثرت الحروب في أوروبا والعالم العربي وما خيارات فلسطين؟

البرلمانات بين الانتخاب والتعيين.. كيف أثرت الحروب في أوروبا والعالم العربي وما خيارات فلسطين؟

الانتخابات والبرلمانات في زمن الحروب.. من أوروبا وأوكرانيا إلى العالم العربي وفلسطين

تقرير خاص – نداء الوطن

أعادت الحروب والأزمات الجيوسياسية سؤال الانتخابات إلى واجهة النقاش السياسي والقانوني: ماذا يحدث للمؤسسات المنتخبة عندما تصبح الحرب أو حالة الطوارئ أو الاحتلال أو فقدان السيطرة على جزء من الأرض عائقًا أمام وصول المواطنين إلى صناديق الاقتراع؟

وتقدم الحرب الروسية الأوكرانية، إلى جانب الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وتداعياتها الفلسطينية، حالتين مختلفتين تفتحان الباب أمام مقارنة أوسع بين أوروبا والعالم العربي: متى تستمر الانتخابات رغم الأزمة؟ ومتى تؤجل؟ وهل يمكن استبدال الاقتراع مؤقتًا بالتعيين عندما يستحيل التصويت في منطقة كاملة؟

📌 الخلاصة السريعة:

• لا توجد حاليًا بين دول الاتحاد الأوروبي الـ27 دولة استُبدل فيها البرلمان الوطني المنتخب بالكامل ببرلمان معيّن.
• توجد في بعض الدول الأوروبية مقاعد معينة أو أعضاء غير منتخبين مباشرة، لكن ضمن أنظمة يغلب عليها الانتخاب المباشر أو غير المباشر.
• الحرب الروسية الأوكرانية أثرت بقوة في البيئة السياسية والانتخابية الأوروبية، لكنها لم تؤد إلى إلغاء الانتخابات البرلمانية في دول الاتحاد الأوروبي.
• أوكرانيا حالة مختلفة: ليست عضوًا في الاتحاد الأوروبي، وأدت الحرب والأحكام العرفية فيها إلى عدم إجراء الانتخابات الوطنية في مواعيدها المعتادة.
• عربيًا توجد نماذج تبدأ من المجالس المعينة بالكامل، مرورًا بالمجالس المختلطة، وصولًا إلى البرلمانات المنتخبة وحالات تعليق المؤسسة التشريعية.
• فلسطين تتجه إلى انتخابات تشريعية في 28 نوفمبر 2026، فيما يُفترض إجراء الانتخابات الرئاسية في الربع الأول من 2027.
• حرب غزة والقدس تطرحان سؤالًا استثنائيًا: ماذا لو أمكن إجراء الانتخابات في منطقة وتعذر إجراؤها في أخرى؟
• أحد السيناريوهات التي تستحق الدراسة هو إنشاء آلية قانونية مسبقة للتمثيل المؤقت، قد تصل إلى التعيين، لكن ذلك يثير مسائل دستورية وتمثيلية كبيرة ولا يسمح به قانون الانتخابات التشريعية الحالي بصورة عامة.

أولًا: هل توجد داخل الاتحاد الأوروبي برلمانات معيّنة بدلًا من المنتخبة؟

يضم الاتحاد الأوروبي 27 دولة، وتقوم البرلمانات الوطنية فيها أساسًا على الانتخابات، سواء عبر مجلس واحد أو مجلسين. ولا تظهر في الوضع الحالي دولة عضو ألغت انتخاب برلمانها الوطني بالكامل واستبدلته بمجلس يختاره رئيس الدولة أو الحكومة بالتعيين.

لكن هذا لا يعني أن كل عضو في كل غرفة برلمانية أوروبية يُنتخب مباشرة من عموم المواطنين. فبعض الدول تستخدم الانتخابات غير المباشرة، وبعضها يمنح عددًا محدودًا من المقاعد عن طريق التعيين أو العضوية بحكم المنصب.

🔎 التمييز الضروري:

الانتخاب المباشر: المواطن يختار النائب مباشرة.
الانتخاب غير المباشر: تختار النائب هيئة أو مجالس منتخبة أو مجمع انتخابي.
التعيين: تختار سلطة دستورية العضو دون اقتراع انتخابي على المقعد.

ولهذا لا يصح وصف كل عضو لم ينتخبه المواطن مباشرة بأنه «عضو معيّن».

أيرلندا وإيطاليا.. التعيين موجود ولكن بصورة محدودة

في أيرلندا، على سبيل المثال، لا يُنتخب جميع أعضاء مجلس الشيوخ بالاقتراع الشعبي المباشر؛ إذ توجد طرق متعددة لاختيار أعضائه، من بينها مقاعد يختارها رئيس الوزراء. لكن مجلس النواب الأيرلندي منتخب، ولذلك لا يمكن وصف البرلمان الأيرلندي بأنه برلمان معيّن.

وفي إيطاليا يتكون مجلس الشيوخ أساسًا من أعضاء منتخبين، لكن الدستور ينص أيضًا على عضوية رؤساء الجمهورية السابقين مدى الحياة، ويسمح لرئيس الجمهورية بتعيين عدد محدود من أعضاء مجلس الشيوخ مدى الحياة من المواطنين الذين حققوا إنجازات استثنائية في المجالات الاجتماعية أو العلمية أو الفنية أو الأدبية.

وألمانيا وبلجيكا وسلوفينيا؟ الانتخاب غير المباشر ليس تعيينًا بالضرورة

توجد داخل الاتحاد الأوروبي أيضًا غرف برلمانية لا تتشكل بالاقتراع الشعبي المباشر بالطريقة التقليدية. ويرتبط بعضها بتمثيل الولايات أو الأقاليم أو المجتمعات المحلية والمهنية.

وهذه النماذج تؤكد أن السؤال الأدق ليس فقط «هل انتخب المواطن العضو مباشرة؟»، وإنما من اختاره، وما مصدر التفويض، وما الوظيفة التي يؤديها المجلس داخل النظام الدستوري؟

الحرب الروسية الأوكرانية.. هل أوقفت الانتخابات داخل الاتحاد الأوروبي؟

أحدث الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا منذ فبراير 2022 تحولًا كبيرًا في البيئة السياسية الأوروبية. ودخلت ملفات الأمن والدفاع والطاقة والعقوبات على روسيا ودعم أوكرانيا واللاجئين والتضخم والإنفاق العسكري في النقاشات السياسية والانتخابية داخل عدد كبير من الدول الأوروبية.

كما أصبح التدخل الخارجي والتضليل والمعلومات المضللة والهجمات السيبرانية جزءًا من المخاطر المرتبطة بالانتخابات. وقد حذر البرلمان الأوروبي قبيل انتخابات 2024 من التدخل الأجنبي ومحاولات التأثير في العمليات الديمقراطية، وتناول بصورة خاصة اتهامات ومحاولات تدخل مرتبطة بروسيا.

⚠️ لكن هناك فرق مهم:

الحرب أثرت في موضوعات الانتخابات والأمن المحيط بها والنقاش السياسي الأوروبي، لكن لا توجد قاعدة تسمح بالقول إن دول الاتحاد الأوروبي ألغت انتخاب برلماناتها الوطنية بسبب الحرب الروسية الأوكرانية واستبدلتها بالتعيين.

أوكرانيا.. الحالة التي غيّرت فيها الحرب الجدول الانتخابي

تختلف أوكرانيا عن الدول الـ27؛ فهي ليست عضوًا في الاتحاد الأوروبي، وإنما دولة مرشحة للعضوية وتسير في مسار الانضمام.

ومع استمرار الحرب والأحكام العرفية، لم تُجر الانتخابات الوطنية التي كان يفترض أن تأتي وفق الدورة الدستورية المعتادة. وترتبط المسألة بالإطار القانوني للأحكام العرفية، إلى جانب إشكالات عملية ضخمة تشمل مناطق القتال والأراضي الواقعة خارج سيطرة الحكومة والنزوح واللاجئين والجنود والأمن.

🇺🇦 الدرس الأوكراني:

الحرب يمكن أن تجعل إجراء الانتخابات الوطنية في موعدها المعتاد غير ممكن قانونيًا وعمليًا، لكن ذلك يختلف عن إنشاء برلمان معيّن؛ إذ تستمر المؤسسات القائمة ضمن الإطار الدستوري إلى أن تتغير الظروف القانونية والأمنية اللازمة لإجراء الانتخابات.

ثانيًا: خريطة البرلمانات في العالم العربي

تبدو الخريطة العربية أكثر تنوعًا. فهناك مجالس معينة بالكامل، ودول تجمع مجلسًا منتخبًا وآخر معيّنًا، ودول تخلط الانتخاب والتعيين داخل المجلس نفسه، إضافة إلى الانتخاب غير المباشر وحالات تعليق البرلمان أو تعطل الانتخابات نتيجة أزمات سياسية أو حروب.

السعودية.. مجلس الشورى بالتعيين

يتكون مجلس الشورى السعودي من رئيس و150 عضوًا يختارهم الملك من أصحاب العلم والخبرة والاختصاص. وبالتالي لا توجد انتخابات برلمانية شعبية لاختيار أعضاء مجلس الشورى، ويعود ذلك إلى البناء القانوني والسياسي للدولة الذي يجعل اختيار أعضاء المجلس بالتعيين الملكي.

قطر.. تجربة انتخابية ثم عودة إلى التعيين

شهدت قطر في 2021 أول انتخابات لمجلس الشورى، وانتخب 30 عضوًا من المجلس المكون آنذاك من 45 عضوًا، بينما عيّن الأمير 15.

لكن التعديلات الدستورية التي أقرت لاحقًا غيرت طريقة التشكيل، وأصبح المجلس يتكون من عدد لا يقل عن 45 عضوًا يصدر بتعيينهم قرار أميري. وفي أكتوبر 2025 صدر قرار بتعيين 49 عضوًا للمجلس الحالي.

الإمارات.. نصف منتخب عبر الهيئات الانتخابية ونصف معيّن

يتكون المجلس الوطني الاتحادي الإماراتي من 40 عضوًا. ومنذ 2006 يتم انتخاب 20 عضوًا عبر الهيئات الانتخابية، فيما يعيّن حكام الإمارات العشرين الآخرين.

البحرين.. النواب بالانتخاب والشورى بالتعيين

يتكون المجلس الوطني البحريني من مجلسين: مجلس النواب ويضم 40 عضوًا ينتخبون بالاقتراع العام المباشر والسري، ومجلس الشورى الذي يضم 40 عضوًا يتم تعيينهم بأمر ملكي.

عُمان.. الشورى منتخب والدولة معيّن

يتكون مجلس عُمان من مجلس الشورى، الذي ينتخب أعضاؤه مباشرة، ومجلس الدولة الذي يُعيّن أعضاؤه بمرسوم سلطاني. ويركز القانون في اختيار أعضاء مجلس الدولة على الخبرة والخدمة العامة والكفاءات العلمية والثقافية والاقتصادية وغيرها.

الأردن.. مجلس النواب منتخب والأعيان معيّن

يتكون مجلس الأمة الأردني من مجلس النواب المنتخب مباشرة ومجلس الأعيان الذي يعيّن الملك أعضاءه وفق الدستور. وبالتالي فالنظام البرلماني الأردني يجمع بين الشرعية الانتخابية للغرفة الأولى والتعيين في الغرفة الثانية.

الجزائر.. ثلث مجلس الأمة يعيّنه الرئيس

ينتخب المجلس الشعبي الوطني الجزائري، بينما يتكون مجلس الأمة من ثلثين ينتخبان بصورة غير مباشرة من بين أعضاء المجالس المحلية والولائية، وثلث يعيّنه رئيس الجمهورية من الشخصيات والكفاءات الوطنية في مجالات مختلفة.

مصر.. ثلث مجلس الشيوخ بالتعيين

يتكون مجلس الشيوخ المصري من 300 عضو؛ ينتخب ثلث بالنظام الفردي، وثلث بنظام القوائم، بينما يعيّن رئيس الجمهورية الثلث الأخير. أما مجلس النواب فيأتي أساسًا عبر الانتخابات وفق النظام الانتخابي المعمول به.

المغرب وتونس.. الانتخاب غير المباشر لا يعني التعيين

في المغرب ينتخب مجلس النواب مباشرة، بينما يأتي مجلس المستشارين من انتخابات غير مباشرة تمثل الجماعات الترابية والغرف المهنية وممثلي الأجراء وغيرهم وفق النظام الدستوري.

وفي تونس يوجد مجلس نواب الشعب، إلى جانب المجلس الوطني للجهات والأقاليم الذي يقوم تشكيله على الانتخاب غير المباشر. لذلك يجب عدم إدراج هذين النموذجين تحت عنوان «التعيين» لمجرد أن المواطنين لا يصوتون مباشرة لكل أعضاء الغرفة الثانية.

سوريا.. نموذج انتقالي يجمع الانتخاب غير المباشر والتعيين

في المرحلة الانتقالية السورية الحالية تشكل مجلس الشعب عبر نظام مختلف عن الاقتراع الشعبي المباشر الشامل؛ إذ جاءت غالبية المقاعد من عملية انتخاب غير مباشر عبر هيئات ناخبة، فيما خُصص جزء من المجلس للتعيين الرئاسي.

وقدمت الجهات المنظمة للتعيين باعتباره وسيلة لاستكمال التمثيل وإدخال خبرات وفئات مختلفة، وهو تبرير رسمي ينبغي تمييزه عن التقييم السياسي للنظام نفسه.

الكويت.. ليست حالة تعيين بل تعليق للبرلمان

تختلف الكويت عن النماذج السابقة. فقد أُجريت انتخابات مجلس الأمة في أبريل 2024، ثم صدر في 10 مايو 2024 أمر أميري بحل المجلس ووقف العمل ببعض مواد الدستور لمدة لا تزيد على أربع سنوات.

ونص الأمر على أن يتولى الأمير ومجلس الوزراء الاختصاصات المخولة لمجلس الأمة خلال هذه الفترة، وأن تصدر القوانين بمراسيم قوانين. ولذلك فإن الحالة الكويتية ليست «برلمانًا معيّنًا»، وإنما تعليق لمجلس منتخب ونقل لاختصاصاته خلال الفترة المحددة في الأمر.

🌍 بقية الخريطة العربية باختصار:

العراق: مجلس النواب منتخب مباشرة.
لبنان: مجلس النواب منتخب.
موريتانيا: الجمعية الوطنية تقوم على الانتخاب، بعد إلغاء مجلس الشيوخ السابق.
جيبوتي: الجمعية الوطنية تقوم على الانتخابات.
جزر القمر: المؤسسة التشريعية تقوم أساسًا على الانتخابات وفق النظام الدستوري.
الصومال: يعتمد نموذجًا انتخابيًا غير مباشر في تشكيل البرلمان، وهو مختلف عن التعيين المباشر.
ليبيا: حالة مؤسساتية متأثرة بالانقسام وتأخر الوصول إلى انتخابات وطنية جديدة شاملة.
اليمن: الحرب والانقسام أديا إلى تعطل الدورة الانتخابية الطبيعية للمؤسسات التشريعية.
السودان: الحرب والمرحلة السياسية المضطربة لا تسمح بوصف الوضع الحالي باعتباره دورة برلمانية انتخابية طبيعية.
فلسطين: حالة خاصة يناقشها التقرير بالتفصيل بسبب الانتخابات المقررة والحرب والقدس وغزة.

ثالثًا: فلسطين.. حرب غزة تعيد صياغة السؤال الانتخابي

تستعد فلسطين، وفق المرسوم الرئاسي الصادر في يوليو 2026، لإجراء الانتخابات التشريعية يوم 28 نوفمبر 2026 في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، فيما أعلن أن الانتخابات الرئاسية ستجرى في الربع الأول من عام 2027، على أن يحدد موعدها وفق القانون.

لكن هذه الانتخابات تأتي بعد الحرب الإسرائيلية الواسعة على قطاع غزة وما خلفته من دمار ونزوح وتغييرات كبيرة في الواقع السكاني والخدمات والبنية التحتية، إلى جانب استمرار الإشكالية الخاصة بمشاركة الفلسطينيين في القدس.

🗳️ بالأرقام:

تقدر لجنة الانتخابات عدد أصحاب حق الاقتراع بنحو 2.97 مليون فلسطيني، منهم نحو 1.24 مليون في قطاع غزة و1.59 مليون في الضفة الغربية، إضافة إلى نحو 140 ألفًا من حملة هوية القدس.

وهذا يعني أن تعذر الاقتراع في غزة، على سبيل المثال، لن يكون مسألة إجرائية صغيرة، بل سيطال كتلة ضخمة من أصحاب حق التصويت.

132 عضوًا.. ما الوضع القانوني الأحدث؟

شهد قانون الانتخابات خلال 2026 تعديلات متلاحقة. فقد صدر في يونيو تعديل رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 200، لكنه أُلغي بتعديل لاحق في أغسطس أعاد عدد أعضاء المجلس إلى 132 عضوًا.

وأبقى التعديل الأحدث عددًا من التغييرات، من بينها نسبة حسم تبلغ 1%، وتمثيل النساء بما لا يقل عن 33% في القوائم المرشحة، وخفض سن الترشح إلى 23 عامًا، كما ثبّت إجراءات خاصة بقطاع غزة على غرار الإجراءات المعتمدة في القدس.

غزة والقدس.. أين تكمن المعضلة؟

أكدت لجنة الانتخابات أن حق سكان غزة في المشاركة محفوظ، وأن الإجراءات المنظمة لمشاركتهم ستعلن وفق الترتيبات المعتمدة. كما أعلنت أن حملة هوية القدس لا يحتاجون إلى التسجيل بالطريقة التقليدية، وأن الآلية الخاصة بترشحهم واقتراعهم ستحدد بصورة منفصلة.

وبالتالي يمكن تصور سيناريو يصبح فيه الاقتراع ممكنًا في معظم الضفة الغربية، بينما تمنع ظروف الحرب أو الاحتلال أو القيود الميدانية إجراءه بصورة كاملة أو جزئية في غزة أو القدس.

خمسة سيناريوهات إذا تعذر الاقتراع في منطقة فلسطينية

السيناريو الأول: إجراء الانتخابات في جميع المناطق
يبقى الأصل والأقرب إلى طبيعة الاستحقاق المعلن: إيجاد الترتيبات اللازمة لإجراء الاقتراع في القدس والضفة وغزة وعدم الانتقال إلى البدائل إلا إذا ثبت التعذر فعليًا.
السيناريو الثاني: التأجيل الجزئي
إجراء الانتخابات حيث يمكن، وتأجيل التصويت في المنطقة المتعذرة إلى موعد لاحق، مع تنظيم انتخابات تكميلية فور زوال المانع.
السيناريو الثالث: آليات اقتراع استثنائية
دراسة مراكز بديلة أو ترتيبات قانونية وتقنية خاصة تسمح بالحفاظ على حق الناخب نفسه في اختيار ممثله، متى كانت تلك الوسائل ممكنة قانونيًا وعمليًا.
السيناريو الرابع: تأجيل الانتخابات كلها
وهو حل له سابقة فلسطينية؛ ففي 2021 تم تأجيل الانتخابات العامة إلى حين توفر شروط إجرائها في الأراضي الفلسطينية كافة، وفي مقدمتها القدس، بعد الإشارة رسميًا إلى منع إسرائيل إجراء الانتخابات فيها.
السيناريو الخامس: إنشاء تمثيل مؤقت بالتعيين أو التوافق

وهو السيناريو الأكثر حساسية: إصدار قاعدة قانونية استثنائية تسمح بتمثيل منطقة يتعذر فيها الاقتراع بصورة مؤقتة، إلى أن يصبح إجراء الانتخابات فيها ممكنًا.

هل يوجد أصل فلسطيني لفكرة التعيين عند استحالة الانتخابات؟

نعم، ولكن ليس في قانون انتخابات المجلس التشريعي الحالي. فقد قدم النظام الانتخابي للمجلس الوطني الفلسطيني لسنة 2026 سابقة مهمة.

فالأصل في ذلك النظام هو الانتخابات العامة والحرة والمباشرة وفق التمثيل النسبي، لكنه نص على أنه عندما يتعذر إجراء الانتخابات في إحدى مناطق الشتات، يمكن اختيار ممثلي المنطقة من خلال مجمع انتخابي أو التوافق بين مكونات الساحة الفلسطينية فيها، أو عبر التوافق والتعيين وفق أحكام النظام.

📌 لماذا هذه السابقة مهمة؟

لأنها تثبت أن النظام القانوني الفلسطيني تبنى بالفعل، بالنسبة للمجلس الوطني، فكرة أن تعذر الانتخابات جغرافيًا لا يجب بالضرورة أن يؤدي إلى حرمان المنطقة من التمثيل.

لكنها لا تمنح تلقائيًا الحق في تطبيق النظام نفسه على المجلس التشريعي، لأن المؤسستين تخضعان لأطر قانونية مختلفة.

هل يمكن إصدار قرار بقانون رئاسي يسمح بالتعيين؟

هذا أحد أهم الأسئلة التي قد تطرحها الظروف الاستثنائية. فقد استخدمت مؤسسة الرئاسة خلال 2026 بالفعل أداة القرار بقانون لتعديل قانون الانتخابات العامة أكثر من مرة، بما في ذلك عدد أعضاء المجلس وشروط الترشح ونسبة الحسم والإجراءات الخاصة بغزة والقدس.

ومن الناحية النظرية، يمكن تصور صدور قرار بقانون جديد يعالج حالة لم يفصلها القانون الحالي: استحالة إجراء الانتخابات في منطقة كاملة بسبب الحرب أو الاحتلال أو قوة قاهرة ممتدة.

وقد يتضمن مثل هذا القرار – إذا تم تبنيه – آلية للتمثيل المؤقت تصل إلى التعيين، على غرار المبدأ المستخدم بصورة مختلفة في نظام انتخابات المجلس الوطني.

⚖️ لكن هذه ليست مسألة محسومة قانونيًا:

وجود سلطة إصدار قرارات بقانون لا يعني تلقائيًا أن تحويل مقاعد في مجلس يفترض أن يكون منتخبًا إلى مقاعد معينة سيكون خاليًا من الاعتراض الدستوري.

فالقرار هنا لا يعدل إجراءً تقنيًا فحسب، بل يمس مصدر التفويض النيابي وطريقة تكوين السلطة التشريعية وحق المواطنين في اختيار ممثليهم، ولذلك يحتاج أي مسار من هذا النوع إلى فحص قانوني ودستوري وقضائي دقيق.

كيف يمكن أن تصاغ القاعدة الاستثنائية محل الدراسة؟

يمكن – لأغراض الدراسة القانونية وليس باعتبارها صيغة تشريعية مقترحة نهائية – تصور قاعدة تنص على أنه إذا أثبتت لجنة الانتخابات المركزية استحالة إجراء الاقتراع في منطقة محددة بسبب الحرب أو الاحتلال أو القوة القاهرة، تطبق آلية تمثيل استثنائية مؤقتة يحددها القانون إلى حين زوال المانع وإجراء انتخابات تكميلية.

لكن السؤال الأصعب سيبقى: من يختار الممثلين المؤقتين؟

أربعة نماذج محتملة للتعيين أو التمثيل المؤقت

1- التعيين الرئاسي المباشر:
تسمية ممثلي المنطقة بقرار رئاسي. وهو أبسط النماذج إجرائيًا، لكنه الأكثر إثارة لمسألة تركيز سلطة اختيار أعضاء في السلطة التشريعية لدى السلطة التنفيذية.
2- التوافق أو المجمع الانتخابي:
صيغة مستوحاة جزئيًا من نظام المجلس الوطني، بحيث تختار هيئة تمثيلية أو مكونات المنطقة ممثليها المؤقتين بدل اختيارهم من جهة واحدة.
3- تمثيل مؤقت مرتبط بالقوائم:
بحث صيغة قانونية تربط اختيار الممثلين بالقوائم المشاركة في الانتخابات أو بمعيار تمثيلي محدد مسبقًا، بهدف تقليل قدرة جهة واحدة على تغيير التوازن السياسي للمجلس. ويظل هذا نموذجًا نظريًا يحتاج إلى تصميم قانوني دقيق.
4- إبقاء المقاعد معلقة:
عدم تعيين أحد، وإبقاء مقاعد المنطقة شاغرة إلى أن تسمح الظروف بإجراء انتخابات تكميلية. ويحافظ ذلك على مبدأ الانتخاب لكنه يترك المنطقة بلا تمثيل مؤقتًا.

إذا أُخذ بخيار التعيين.. ما الضمانات التي تستحق الدراسة؟

أي نقاش فلسطيني حول التعيين الاستثنائي يمكن أن يركز على مجموعة ضمانات مؤسسية، دون أن يعني ذلك تفضيل هذا الخيار على غيره:

🔐 ضمانات يمكن بحثها:

• أن تكون الانتخابات هي الأصل والتعيين استثناءً أخيرًا.
• إثبات لجنة الانتخابات رسميًا استحالة الاقتراع في المنطقة.
• تحديد مفهوم الحرب والقوة القاهرة والتعذر بصورة واضحة.
• صدور القاعدة قبل إعلان نتائج المناطق التي أجريت فيها الانتخابات، حتى لا تصمم بعد معرفة موازين القوى.
• تحديد عدد المقاعد وآلية اختيار شاغليها مسبقًا.
• عدم منح جهة سياسية منفردة قدرة غير مقيدة على تغيير التوازن داخل المجلس.
• فتح القرارات للطعن أمام القضاء المختص.
• تحديد مدة التعيين المؤقت.
• إجراء انتخابات تكميلية بمجرد زوال المانع.
• انتهاء عضوية الممثل المؤقت تلقائيًا عند إعلان نتيجة الانتخابات التكميلية.
• ضمان تمثيل النساء والفئات التي يحمي القانون تمثيلها.
• رقابة فلسطينية مستقلة ودولية على تطبيق الآلية.

لماذا قد يُبحث هذا الخيار أصلًا؟

المعضلة الفلسطينية غير المعتادة هي احتمال وجود خيارين كلاهما يحمل تكلفة كبيرة: تعطيل الانتخابات في الوطن كله لأن منطقة واحدة لا تستطيع الاقتراع، أو إجراء الانتخابات وحرمان سكان تلك المنطقة من التمثيل.

ومن هنا تأتي أهمية دراسة بدائل مسبقة بدل انتظار يوم الاقتراع لاتخاذ قرار تحت ضغط الأزمة.

ولماذا يظل التعيين أكثر الخيارات حساسية؟

لأن حل مشكلة غياب المنطقة عن المجلس لا يحل تلقائيًا مشكلة غياب التفويض الشعبي. فالنائب المنتخب يستمد مقعده من أصوات الناخبين، بينما يستمد العضو المعيّن مقعده من الآلية التي عينته.

كما أن منح جهة تنفيذية سلطة تعيين عدد كبير من أعضاء المجلس قد يؤثر في الأغلبية البرلمانية وفي تشكيل الحكومة والتشريع والرقابة، وهو ما يجعل تصميم الآلية وتقييدها زمنيًا وقانونيًا مسألة أساسية.

⚠️ قاعدة مهمة في الدراسة:

كلما أمكن تمكين المواطن نفسه من التصويت بطريقة قانونية وآمنة، كان ذلك أقرب إلى طبيعة الانتخابات من استبدال صوته بقرار تعيين. ولذلك ينبغي تقييم التعيين إلى جانب التأجيل الجزئي والاقتراع البديل والانتخابات التكميلية، وليس باعتباره الحل الوحيد.

أوكرانيا وفلسطين.. حربان وسؤال انتخابي واحد بإجابات مختلفة

تكشف المقارنة بين أوكرانيا وفلسطين لماذا لا يمكن نسخ حل انتخابي من دولة إلى أخرى. أوكرانيا دولة تخوض حربًا في ظل نظام دستوري وأحكام عرفية وقواعد خاصة بها، بينما تواجه فلسطين الاحتلال والانقسام الجغرافي وآثار حرب غزة وخصوصية القدس، إلى جانب محدودية السيطرة على الأرض والمعابر والحركة.

ومع ذلك، تشترك الحالتان في سؤال مركزي: كيف تحافظ الدولة أو المؤسسة السياسية على الشرعية الديمقراطية عندما يصبح الوصول إلى صندوق الاقتراع نفسه جزءًا من الأزمة؟

أوروبا تقدم بدورها نماذج أخرى لاستمرار الانتخابات رغم التوتر الأمني والحرب المجاورة، بينما تقدم بعض الدول العربية نماذج دستورية للتعيين الكامل أو الجزئي. ولا يعني ذلك أن نموذجًا منها يصلح تلقائيًا لفلسطين، وإنما يوفر مادة مقارنة تساعد على تحديد الخيارات ومخاطر كل منها.

أسئلة وأجوبة

هل توجد دولة في الاتحاد الأوروبي برلمانها الوطني معيّن بالكامل؟
لا تظهر في الوضع الحالي بين الدول الـ27 حالة استبدل فيها البرلمان الوطني المنتخب بالكامل بمجلس معيّن، رغم وجود حالات تعيين محدودة وانتخاب غير مباشر في بعض الغرف.
هل ألغت الحرب الروسية الأوكرانية الانتخابات البرلمانية في دول الاتحاد الأوروبي؟
لا. أثرت الحرب في القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية المحيطة بالانتخابات، كما تصاعد الاهتمام بالتدخل الخارجي والتضليل، لكن ذلك يختلف عن إلغاء انتخابات البرلمانات الوطنية واستبدالها بالتعيين.
هل أوكرانيا عضو في الاتحاد الأوروبي؟
لا. أوكرانيا دولة مرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ولذلك يجب دراسة وضعها بصورة منفصلة عن الدول الأعضاء الـ27.
ما الدول العربية التي لديها نماذج واضحة للتعيين؟
تختلف النماذج: السعودية وقطر لديهما مجالس حالية قائمة على التعيين، بينما تجمع الإمارات والبحرين وعُمان والأردن والجزائر ومصر بين الانتخاب والتعيين بطرق ونسب مختلفة.
متى ستجرى الانتخابات التشريعية الفلسطينية؟
حدد المرسوم الرئاسي يوم 28 نوفمبر 2026 موعدًا للانتخابات التشريعية في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة.
كم عدد أعضاء المجلس التشريعي وفق الوضع القانوني الأحدث؟
132 عضوًا. فقد أُلغي تعديل يونيو 2026 الذي كان قد رفع العدد إلى 200، وأعاد تعديل أغسطس العدد إلى 132.
ماذا لو تعذر إجراء الانتخابات في غزة أو القدس؟
يحتاج الأمر إلى تطبيق القانون والقرارات المختصة بحسب طبيعة التعذر. ويبحث هذا التقرير عدة سيناريوهات، بينها التأجيل الجزئي والاقتراع البديل والانتخابات التكميلية والتأجيل الشامل، إضافة إلى دراسة إمكانية إنشاء تمثيل مؤقت بقانون جديد.
هل يسمح قانون الانتخابات الحالي بتعيين نواب غزة أو القدس إذا تعذر الاقتراع؟
لا يظهر في الإطار الحالي نص عام يسمح باستبدال انتخاب أعضاء المجلس التشريعي بتعيينهم لمجرد تعذر الاقتراع في منطقة. ولذلك فإن تطبيق مثل هذا السيناريو سيتطلب أساسًا قانونيًا جديدًا وفحصًا لمدى توافقه مع الإطار الدستوري.
هل توجد سابقة فلسطينية تسمح بالتعيين عند تعذر الانتخابات؟
نعم، في نظام انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني لسنة 2026 بالنسبة لبعض دوائر الشتات التي يتعذر فيها إجراء الانتخابات، حيث أجاز النظام المجمع الانتخابي أو التوافق، وصولًا إلى التوافق والتعيين وفق أحكامه. لكن هذا النظام لا يطبق تلقائيًا على المجلس التشريعي.
هل يمكن إصدار قرار بقانون رئاسي لمعالجة هذه الحالة؟
استخدمت أداة القرار بقانون بالفعل لتعديل قانون الانتخابات خلال 2026، ولذلك يمكن دراسة هذا المسار من الناحية القانونية. لكن منح سلطة لتعيين أعضاء في مجلس يفترض أن يكون منتخبًا يثير مسألة دستورية أكبر من مجرد تعديل إجراء انتخابي، ولا ينبغي اعتباره نتيجة قانونية محسومة من دون فحص دستوري وقضائي.
إذا تم اعتماد تمثيل مؤقت، فمتى ينتهي؟
أحد الضمانات التي يمكن دراستها هو النص مسبقًا على انتهاء العضوية المؤقتة تلقائيًا فور زوال سبب التعذر وإجراء انتخابات تكميلية وإعلان نتائجها.
✅ الخلاصة:

تكشف المقارنة بين الاتحاد الأوروبي والعالم العربي أن العلاقة بين الانتخابات والتعيين أكثر تعقيدًا من تقسيم الدول إلى «منتخبة» و«غير منتخبة». أوروبا تحتفظ بالانتخابات أساسًا لتشكيل البرلمانات الوطنية مع وجود استثناءات محدودة في بعض الغرف، فيما تقدم الدول العربية طيفًا واسعًا من النماذج يجمع بين الانتخاب والتعيين والانتخاب غير المباشر وتعليق المؤسسات.

كما تظهر الحرب الروسية الأوكرانية وحرب غزة أن الحرب قد تتحول إلى اختبار مباشر لقدرة النظام الانتخابي على الاستمرار، لكن الاستجابة القانونية تختلف باختلاف الدولة وطبيعة الحرب والسيطرة على الأرض والقواعد الدستورية.

وفي فلسطين، يصبح التحدي أكثر تعقيدًا مع السعي إلى انتخابات تشمل القدس والضفة وقطاع غزة. وإذا حالت الحرب أو الاحتلال أو القوة القاهرة دون التصويت في منطقة كاملة، فإن الخيارات تمتد من التأجيل والانتخابات التكميلية إلى دراسة تمثيل استثنائي مؤقت.

أما الانتقال إلى التعيين في المجلس التشريعي، حتى إذا تم تنظيمه بقرار بقانون، فيبقى خيارًا يحتاج إلى أساس قانوني واضح وضمانات مشددة وفحص دستوري، بحيث لا يتحول الحل الاستثنائي إلى بديل دائم عن حق المواطنين في اختيار ممثليهم.

ملاحظة تحريرية ومنهجية: يعكس هذا التقرير الوضع القانوني والمؤسسي المتاح حتى 30 سبتمبر/أيلول 2026. ويستخدم مصطلحات «انتخاب مباشر»، و«انتخاب غير مباشر»، و«تعيين»، و«تعليق البرلمان» بمعانٍ منفصلة. كما أن السيناريوهات الفلسطينية المتعلقة بالتعيين أو التمثيل المؤقت هي خيارات محل دراسة وليست وصفًا لقانون نافذ أو توصية بتبني أحدها.