إسرائيل تبتلع غزة وتلتهم الضفة.. والفصائل الفلسطينية تدخل عامها العشرين في مفاوضات المصالحة

إسرائيل تبتلع غزة وتلتهم الضفة.. والفصائل الفلسطينية تدخل عامها العشرين في مفاوضات المصالحة

خاص – نداء الوطن: بينما تواصل إسرائيل حربها على الوجود الفلسطيني في قطاع غزة، وتمضي في توسيع الاستيطان وفرض الوقائع على الأرض في الضفة الغربية، لا تزال الفصائل الفلسطينية تدور في حلقة المفاوضات ذاتها، وتستعد لدخول العام العشرين من الانقسام، دون أن تتمكن من الاتفاق على قيادة وطنية موحدة أو برنامج سياسي جامع.

وفي مفارقة تختصر جانبًا مؤلمًا من المشهد الفلسطيني، كشفت تسريبات جديدة من لقاءات القاهرة أن حركتي «فتح» و«حماس» لم تتوصلا إلى تفاهمات حاسمة، وأن أقصى ما انتهت إليه الجولة الأخيرة هو الاتفاق على استكمال الحوار في وقت لاحق، بعد انتخابات الكنيست الإسرائيلي المرتقبة.

وهكذا، بينما تتغير الجغرافيا الفلسطينية تحت ضغط القوة الإسرائيلية، يبدو أن الزمن السياسي الفلسطيني لا يزال متوقفًا عند الأسئلة نفسها التي رافقت الانقسام منذ عام 2007: من يحكم؟ ومن يقرر؟ ومن يمثل الشعب؟ ومن يملك السلاح؟

بعد نحو عقدين من الانقسام، لم يعد السؤال: متى تجتمع الفصائل؟ بل ماذا بقي من الأرض والقضية حتى تتفق على إدارتها؟

تسريبات القاهرة: أجواء إيجابية ونتائج شبه معدومة

كشفت صحيفة «الشرق الأوسط»، الأربعاء 21 أكتوبر 2026، نقلًا عن مصادر فلسطينية متعددة، أن اللقاءات التي جمعت وفد حركة «فتح» برئاسة جبريل الرجوب ووفد «حماس» برئاسة زاهر جبارين في القاهرة لم تُفضِ إلى اتفاق جوهري بشأن الملفات الخلافية.

وبينما وصف أحد المصادر الاجتماع الأول بأنه إيجابي من حيث الأجواء، تحدثت مصادر أخرى عن نتائج مخيبة، مشيرة إلى أن الأطراف استمعت إلى مواقف بعضها دون الوصول إلى تفاهمات يمكن البناء عليها بصورة حاسمة.

وتضمنت اللقاءات مشاركة قيادات من الحركتين، بحضور مسؤولين مصريين في بعض الجلسات، إلى جانب مشاورات منفصلة مع فصائل أخرى، من بينها الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية والتيار الإصلاحي الديمقراطي في حركة فتح.

لكن اللافت أن الخلافات التي كشفتها التسريبات ليست جديدة؛ بل تعود إلى جذور الانقسام السياسي والمؤسساتي الذي عجزت جولات المصالحة السابقة عن معالجته.

غزة تُدمَّر والضفة تُستنزف.. والفصائل تناقش شروط الشراكة

في غزة، لا تقتصر المأساة على الدمار الواسع والخسائر البشرية والنزوح، بل تمتد إلى مستقبل القطاع نفسه، وإعادة إعماره، وإدارته، وضمان عدم تحويل الكارثة الإنسانية إلى واقع سياسي دائم.

وفي الضفة الغربية، يتواصل التوسع الاستيطاني والاقتحامات والاعتداءات والقيود المفروضة على حركة الفلسطينيين، في مسار يهدد إمكان قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا وقابلة للحياة.

وأمام هذه التحديات، يبدو المشهد السياسي الفلسطيني مثقلًا بمفارقة قاسية: الاحتلال يعمل على تغيير الوقائع الميدانية، فيما تستمر القوى الفلسطينية في التفاوض على شكل النظام السياسي الذي يفترض أن يواجه تلك الوقائع.

ولا تعني هذه المقارنة تحميل الفصائل مسؤولية جرائم الاحتلال الإسرائيلي، فالمسؤولية المباشرة عن العمليات العسكرية والاستيطان والانتهاكات تقع على إسرائيل. لكنها تطرح سؤالًا مشروعًا بشأن مسؤولية القيادة الفلسطينية، بمختلف مكوناتها، عن استمرار الانقسام وإضعاف القدرة الوطنية على المواجهة السياسية والدبلوماسية والمؤسساتية.

ورقة عباس وتحفظات حماس: الخلاف القديم بثوب جديد

وفق التسريبات التي نشرتها «الشرق الأوسط»، عرض وفد «فتح» خلال اللقاء الثاني ورقة تتضمن مطالب الرئيس محمود عباس، أبرزها الالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها السياسي، واعتماد سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح شرعي واحد، وحصر المقاومة في الإطار الشعبي السلمي، وتشكيل حكومة تكنوقراط بقرار رئاسي.

في المقابل، نقلت الصحيفة عن مصادر قريبة من «حماس» تحفظات على بعض البنود، خصوصًا الالتزامات السياسية لمنظمة التحرير المرتبطة بالاعتراف بإسرائيل، وصياغة حل الدولتين، وحصر أشكال المقاومة في المقاومة الشعبية السلمية.

ووفق هذه الرواية، بقيت النقاط الخلافية دون حسم، على أن ينقل وفد «فتح» التحفظات إلى قيادة الحركة والرئيس عباس.

ومن حيث المبدأ، فإن الخلاف على البرنامج السياسي وأدوات النضال ليس تفصيلًا صغيرًا يمكن تجاهله. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد كل هذه السنوات هو: لماذا لم تنجح الفصائل في وضع آلية ديمقراطية ومؤسساتية لإدارة الاختلاف، بدل تحويله إلى سبب دائم لتعطيل الوحدة؟

منذ 2007.. اتفاقات تتكاثر والانقسام باقٍ

منذ الانقسام الفلسطيني في يونيو 2007، شهدت القضية الفلسطينية سلسلة طويلة من لقاءات المصالحة والاتفاقات والتفاهمات في عواصم عربية ودولية، شملت القاهرة والدوحة ومكة والجزائر وبكين وغيرها.

ورغم اختلاف الظروف السياسية التي أحاطت بكل جولة، ظلت القضايا الجوهرية تتكرر: الحكومة، والأمن، والانتخابات، ومنظمة التحرير، والبرنامج السياسي، وتوحيد المؤسسات.

والنتيجة أن الفلسطينيين باتوا يملكون سجلًا طويلًا من وثائق المصالحة، لكنهم لم يحصلوا حتى الآن على نظام سياسي موحد ومستقر يترجم تلك الوثائق إلى واقع.

السؤال الذي لم تجب عنه الفصائل

إذا كانت خطورة المرحلة تستدعي الوحدة الوطنية، فلماذا تظل كل جولة حوار بحاجة إلى جولة أخرى، وكل تفاهم بحاجة إلى تفاهم جديد، بينما لا يملك الشعب الفلسطيني ترف انتظار عقد ثالث من المصالحة؟

هل أصبح انتظار الانتخابات الإسرائيلية جزءًا من القرار الفلسطيني؟

من أكثر التفاصيل إثارة للتساؤل في تسريبات القاهرة ما نقلته المصادر بشأن تأجيل استكمال اللقاءات إلى ما بعد انتخابات الكنيست الإسرائيلي.

قد يكون انتظار نتائج الانتخابات مفهومًا في الحسابات الدبلوماسية المتعلقة بالمواقف الإقليمية والدولية. لكن ربط استكمال الحوار الفلسطيني الداخلي بهذا الاستحقاق يثير إشكالية سياسية أعمق: هل تحتاج الفصائل إلى معرفة هوية الحكومة الإسرائيلية المقبلة قبل الاتفاق على وحدة مؤسساتها الوطنية؟

إن إنهاء الانقسام ليس تنازلًا لحكومة إسرائيلية، ولا يفترض أن يكون رهينة لموازين القوى داخل الكنيست؛ بل هو استحقاق فلسطيني يتعلق بحق المواطنين في التمثيل والمساءلة والانتخابات والعيش تحت مؤسسات موحدة.

وإذا كانت الفصائل عاجزة عن الاتفاق في مواجهة الظروف الراهنة، فما الذي يضمن أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية ستجعل التفاهم أسهل؟

فتح وحماس أمام مسؤولية سياسية مشتركة

لا يمكن اختزال أزمة الانقسام في طرف واحد، ولا يمكن كذلك إخفاء الاختلاف في حجم المسؤوليات والصلاحيات بين الجهات التي تدير المؤسسات الفلسطينية أو تمتلك نفوذًا فعليًا على القرار.

فحركة «فتح»، بوصفها القوة الرئيسية في السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، تواجه أسئلة تتعلق بتجديد الشرعيات وتوسيع الشراكة السياسية وإصلاح المؤسسات وإتاحة الاحتكام إلى الإرادة الشعبية.

وفي المقابل، تواجه «حماس» أسئلة تتعلق بموقعها داخل النظام السياسي الفلسطيني، ومستقبل السلاح والقرار الأمني، ومدى استعدادها للمشاركة في مؤسسات موحدة تستند إلى قواعد واضحة للمساءلة والانتخابات.

أما الفصائل الأخرى، فلا ينبغي أن يقتصر دورها على حضور الاجتماعات وإصدار بيانات الترحيب، بل يُفترض أن تسهم في بلورة مشروع وطني قابل للتنفيذ، وممارسة الضغط السياسي السلمي من أجل إنهاء الانقسام.

إن الاختلاف السياسي بين القوى الفلسطينية أمر طبيعي، لكن تحويل هذا الاختلاف إلى انقسام دائم في المؤسسات والسلطة والتمثيل هو ما يجعل كلفته الوطنية باهظة.

القاهرة تستضيف.. لكن القرار لا يزال فلسطينيًا

بحسب ما نقلته «الشرق الأوسط» عن مصادرها، أبلغ المسؤولون المصريون الفصائل أن الدعوة إلى حوار وطني شامل ينبغي أن تصدر بقرار فلسطيني، مع استعداد القاهرة لاستضافة الاجتماعات ودعم فرص نجاحها.

وتكشف هذه النقطة حدود دور الوساطة: تستطيع مصر توفير المكان وتسهيل الاتصالات وتقريب المواقف، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الإرادة السياسية المطلوبة من القيادات الفلسطينية نفسها.

والوساطة، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تتحول إلى بديل دائم عن مسؤولية الفصائل أمام شعبها.

ما الذي يحتاجه الفلسطينيون بدل جولة جديدة من الوعود؟

بعد قرابة عشرين عامًا من الانقسام، لم تعد المشكلة في غياب الوثائق أو نقص التصريحات الإيجابية، بل في غياب الالتزام العملي والجدول الزمني الملزم والرقابة الشعبية على التنفيذ.

ويحتاج أي مسار مصالحة جاد إلى خطوات يمكن قياسها، أبرزها:

  • اتفاق واضح على إدارة غزة والضفة ضمن مؤسسات فلسطينية موحدة، مع ضمان حقوق المواطنين والخدمات العامة.
  • إصلاح منظمة التحرير على أساس التمثيل الوطني الواسع والمشاركة الديمقراطية.
  • جدول انتخابي قابل للتنفيذ يتيح تجديد الشرعيات ويعالج العقبات السياسية والأمنية.
  • معالجة الملفات الإدارية والحقوقية، بما فيها الموظفون والحريات العامة والاعتقالات المرتبطة بالانتماء السياسي.
  • برنامج وطني مشترك يحدد الأهداف السياسية وأدوات العمل وآليات اتخاذ القرار وإدارة الخلاف.
  • آلية متابعة علنية تكشف ما أُنجز وما تعثر والجهة المسؤولة عن كل تأخير.

والأهم أن تصبح الوحدة الوطنية حقًا للمواطن الفلسطيني، لا مجرد ملف تفاوضي تتداوله القيادات خلف الأبواب المغلقة.

فلسطين لا تنتظر بيانًا ختاميًا جديدًا

ليس المطلوب من الفصائل أن تتخلى عن قناعاتها السياسية بمجرد الجلوس إلى طاولة واحدة، بل أن تتفق على قواعد تتيح للشعب الفلسطيني إدارة اختلافاته داخل نظام سياسي موحد، بدل أن يدفع ثمنها في حياته اليومية ومستقبله الوطني.

فالقضية الفلسطينية تواجه تحديات تتعلق بالأرض والإنسان والحقوق والتمثيل، ولا تملك قياداتها رفاهية التعامل مع المصالحة باعتبارها مشروعًا مفتوحًا بلا موعد نهائي.

لقد استهلك الانقسام سنوات طويلة من عمر القضية، بينما لم تتوقف السياسات الإسرائيلية انتظارًا لنتائج حوارات القاهرة أو غيرها.

الخطر ليس فقط أن تدخل الفصائل عامها العشرين في مفاوضات المصالحة، بل أن تواصل التفاوض على شكل الدولة الفلسطينية بينما تتآكل الأرض التي يفترض أن تقوم عليها تلك الدولة.

وبين جولة حوار مؤجلة وأخرى مرتقبة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: متى تتحول المصالحة من مهنة سياسية دائمة إلى قرار وطني يُنفَّذ؟

طبيعة المادة: مقال تحليلي نقدي يعبر عن قراءة تحريرية، ويستند في عرض تفاصيل لقاءات القاهرة إلى معلومات نشرتها صحيفة «الشرق الأوسط» وتصريحات علنية لقيادات فلسطينية. ولا تمثل التسريبات اتفاقًا رسميًا معلنًا بين الفصائل.