
جنيف – نداء الوطن: طرحت ندوة دولية استضافها نادي جنيف للصحافة ثلاثة مسارات اعتبر مشاركون أنها أساسية للخروج من الحرب السودانية: وقف القتال، إطلاق انتقال سياسي بقيادة مدنية، والتحقيق والمحاسبة بشأن الانتهاكات الخطيرة بما فيها اتهامات استخدام أسلحة كيميائية.
وجاءت المناقشات في وقت يدخل فيه السودان عامًا جديدًا من الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وسط أزمة إنسانية واسعة ونزوح ملايين الأشخاص واستمرار القتال في عدد من المناطق.
المسارات الثلاثة التي برزت في الندوة:
- وقف الحرب عبر مسار تفاوضي وضغط دولي منسق.
- إطلاق انتقال سياسي مدني يفضي إلى مؤسسات حكم ذات شرعية واسعة.
- التحقيق والمحاسبة بشأن الانتهاكات واتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية.
ندوة في جنيف تبحث اتهامات استخدام أسلحة كيميائية في السودان
استضاف نادي جنيف للصحافة ندوة بعنوان «اتهامات بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان»، بمشاركة خبراء ودبلوماسيين سابقين لمناقشة الحرب والأزمة الإنسانية والاتهامات المرتبطة باستخدام مواد كيميائية في النزاع.
وضمت الندوة مارك ألبون، مدير ومؤسس مجموعة «ثيميس» الاستشارية والمسؤول السابق في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وروبرت فيرويزر، كبير المستشارين في المجموعة والدبلوماسي البريطاني السابق والمبعوث السابق إلى السودان وجنوب السودان.
الخطوة الأولى: وقف الحرب
قال روبرت فيرويزر إن الحرب أدت إلى كارثة إنسانية واسعة، مشددًا على ضرورة وقف القتال والانتقال إلى عملية سياسية تنهي النزاع.
ورأى أن تحقيق ذلك يحتاج إلى تنسيق دولي أكبر وضغوط سياسية تدفع الأطراف السودانية باتجاه تسوية تحقق مصالح السكان بدل استمرار الحرب.
وتتقاطع الدعوة إلى وقف الحرب مع مواقف دولية أوسع؛ إذ دعت الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية وإيغاد إلى عملية سياسية سودانية شاملة تقود إلى إنهاء النزاع وانتقال سياسي مدني. :
الحرب السودانية تدخل مرحلة أكثر تعقيدًا
اندلع النزاع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، وتحول إلى حرب واسعة طالت مناطق عديدة من البلاد.
وأدت الحرب إلى مقتل عشرات الآلاف على الأقل ونزوح نحو 13 مليون شخص داخل السودان وخارجه، فيما تختلف تقديرات أعداد الضحايا بصورة كبيرة بسبب صعوبة الوصول إلى مناطق القتال وتوثيق الوفيات. :
ملاحظة:
لا توجد حصيلة نهائية متفق عليها لعدد قتلى الحرب السودانية. لذلك فإن وصف الأزمة بأنها أودت بحياة «ملايين القتلى» غير دقيق وفق البيانات المتاحة، بينما المؤكد هو أن ملايين الأشخاص نزحوا أو شُردوا.
الخطوة الثانية: انتقال سياسي بقيادة مدنية
ركز المشاركون كذلك على ضرورة ألا يقتصر الحل على وقف إطلاق النار، بل أن يتبعه مسار سياسي يحدد شكل الحكم ومستقبل الدولة السودانية.
وقال فيرويزر إن السلام المستدام يحتاج إلى التقدم نحو حكومة ديمقراطية، معتبرًا أن قطاعًا واسعًا من السودانيين لا يريد استمرار الحرب أو هيمنة أي من طرفي النزاع على مستقبل البلاد.
ويشبه هذا الطرح ما ورد في دعوات دولية حديثة إلى حوار سوداني شامل ومملوك للسودانيين، يهدف إلى وضع أسس انتقال سياسي بقيادة مدنية مع الحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها. :
قوى مدنية تطالب بإبعاد المؤسسة العسكرية عن السياسة
من جهته، قال عثمان عبد الرحمن سليمان، الناطق باسم «القوى المدنية المتحدة – قمم»، إن وقف القتال يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية.
واتهم سليمان تيارات إسلامية بالتأثير على قرار الجيش وعرقلة وقف الحرب، وهي رؤية سياسية تعبر عن موقفه وموقف الجهة التي يمثلها وليست حقيقة مستقلة مثبتة في هذا التقرير.
ودعا إلى إقامة حكومة مدنية ديمقراطية فيدرالية تقوم على المواطنة المتساوية، باعتبارها أساسًا لأي تسوية طويلة المدى.
الخطوة الثالثة: التحقيق والمحاسبة
شكل ملف استخدام الأسلحة الكيميائية المحور الأكثر حساسية في الندوة.
وقال مارك ألبون إن هناك واقعة على الأقل ومؤشرات تستحق، في تقديره، تحقيقًا دوليًا أوسع، مشيرًا إلى أحداث شهدتها منطقة مصفاة الجيلي خلال عام 2024.
وأكد أن إثبات استخدام أسلحة كيميائية سيشكل انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي، داعيًا الأمم المتحدة والجهات الدولية المختصة إلى فحص الأدلة والتحقيق في الوقائع.
ماذا نعرف عن اتهامات الأسلحة الكيميائية؟
الملف لا يعتمد على تصريحات الندوة وحدها.
فقد أعلنت الولايات المتحدة سابقًا أنها خلصت، بموجب قانونها الخاص بمراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، إلى أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024، وفرضت على إثر ذلك قيودًا وعقوبات مرتبطة بالتجارة والائتمان.
في المقابل، رفضت السلطات السودانية هذه الاتهامات ووصفتها بأنها غير صحيحة. :
تحقيق France 24 يشير إلى استخدام محتمل للكلور
وفي تطور لاحق، أجرى فريق «مراقبون» في France 24 تحقيقًا مفتوح المصادر بشأن هجومين وقعا في سبتمبر 2024 في منطقة مصفاة الجيلي شمال الخرطوم.
وقال التحقيق إنه حلل صورًا ومقاطع فيديو وشهادات، بمشاركة خبراء في الأسلحة والمواد الكيميائية، وخلص إلى وجود أدلة علنية تشير إلى إسقاط حاويات كلور من الجو في حادثتين على الأقل.
كما أشارت منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن التحقيق قدم أول عناصر علنية تدعم بعض الاتهامات الأمريكية السابقة، مع التأكيد على الحاجة إلى تحقيق مستقل وشامل. :
دقة قانونية:
استخدام مادة مثل الكلور كسلاح محظور بموجب اتفاقية الأسلحة الكيميائية. لكن تحديد المسؤولية الجنائية الفردية أو وصف واقعة محددة بأنها «جريمة حرب» يتطلب التحقيق في الأدلة والظروف والمسؤولين عن إصدار وتنفيذ الأوامر.
مصفاة الجيلي في قلب الاتهامات
تركز جانب من التحقيقات والاتهامات المتداولة على منطقة مصفاة الجيلي شمال الخرطوم، التي شهدت مواجهات عسكرية عنيفة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
وأشار تحقيق France 24 إلى هجومين وقعا في المنطقة في سبتمبر 2024، وقال إنه تمكن من تحديد مواقع وتوقيتات مواد مصورة مرتبطة بهما.
هل توجد إدانة دولية نهائية؟
هناك فرق بين قرار دولة بفرض عقوبات وبين صدور حكم قضائي دولي نهائي.
فالولايات المتحدة أعلنت رسميًا أنها توصلت إلى تحديد يفيد باستخدام الحكومة السودانية أسلحة كيميائية، لكن هذا التحديد ليس حكمًا صادرًا عن محكمة دولية.
ولا يزال خبراء ومنظمات حقوقية يدعون إلى تحقيق دولي مستقل يحدد طبيعة المواد المستخدمة والمسؤولين عنها وسلسلة القيادة المرتبطة بأي هجوم محتمل.
المحاسبة جزء من السلام أم عقبة أمامه؟
ناقش المشاركون العلاقة بين التفاوض السياسي والمحاسبة، حيث رأى مؤيدو التحقيق أن السلام الذي لا يتعامل مع الانتهاكات الخطيرة قد يسمح بتكرارها مستقبلاً.
في المقابل، تعد كيفية إدماج العدالة والمساءلة في عمليات السلام من القضايا المعقدة، إذ تختلف المواقف السودانية والدولية بشأن توقيتها والجهة التي تتولى التحقيق والمحاكمات.
دعوات إلى لجنة تحقيق دولية مستقلة
أعلن عثمان عبد الرحمن سليمان دعمه لإجراء تحقيق دولي مستقل في اتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية، وطالب بمساءلة المسؤولين إذا ثبت تورطهم.
كما دعا محللون وسياسيون سودانيون مشاركون في النقاش إلى عدم السماح بالإفلات من العقاب، مع التأكيد على أن تحديد المسؤولية يجب أن يستند إلى تحقيق وأدلة موثوقة.
اتهامات متبادلة حول عرقلة السلام
تضمن النقاش أيضًا اتهامات سياسية بشأن الجهات التي تعرقل وقف الحرب.
وقال المحلل السياسي السوداني كمبال عبد الواحد إن إنهاء مشاركة العسكريين في السياسة يمثل، من وجهة نظره، شرطًا ضروريًا لسلام مستدام.
كما وجه اتهامات إلى سلطات بورتسودان بمحاولة إخفاء آثار مزعومة لاستخدام مواد كيميائية، وهي اتهامات منسوبة إليه ولم يتم التحقق منها بصورة مستقلة.
المجتمع الدولي أمام اختبار جديد في السودان
تأتي هذه الدعوات في ظل استمرار الجهود الدولية لإنهاء الحرب.
ويبحث المجتمع الدولي أدوات متعددة تشمل الضغوط الدبلوماسية والعقوبات والمساعدات الإنسانية ودعم مسارات الحوار، بينما تظل الخلافات بين القوى الدولية والإقليمية من العوامل التي تعقد التوصل إلى حل موحد.
ومؤخرًا مدّد مجلس الأمن حظر الأسلحة المفروض على دارفور لفترة مؤقتة، وسط نقاش بشأن مقترحات لتوسيع القيود، في وقت تستمر فيه الحرب والأزمة الإنسانية. :
هل تشكل الخطوات الثلاث أساسًا لسلام دائم؟
الطرح الذي خرجت به الندوة يقوم على ترابط ثلاثة ملفات لا على التعامل معها بصورة منفصلة:
| المسار | الهدف |
|---|---|
| وقف الحرب | إنهاء القتال وحماية المدنيين وفتح المجال للعمل الإنساني |
| انتقال مدني | إنشاء مؤسسات حكم سياسية ذات شرعية وتوافق أوسع |
| المحاسبة | التحقيق في الانتهاكات وتحديد المسؤوليات ومنع الإفلات من العقاب |
السلام السوداني يحتاج إلى مسار يملكه السودانيون
وتشدد المبادرات الإفريقية والأممية الحديثة على أن الحل السياسي يجب ألا يُفرض من الخارج، بل أن يقوم على عملية حوار سودانية شاملة بمشاركة القوى المدنية والسياسية والمجتمعية.
وفي الوقت نفسه، يبقى المجتمع الدولي قادرًا على تقديم الوساطة والضغط الإنساني والدبلوماسي وتوفير الضمانات اللازمة لتنفيذ أي اتفاق مستقبلي. :
الخلاصة:
طرحت ندوة استضافها نادي جنيف للصحافة ثلاثة مسارات لإنهاء أزمة السودان: وقف الحرب، والانتقال إلى حكم مدني، والتحقيق والمحاسبة بشأن الانتهاكات، بما فيها اتهامات استخدام أسلحة كيميائية. وتدعم بعض التحقيقات والعقوبات الأمريكية وجود مؤشرات جدية تستحق التحقيق، فيما تنفي السلطات السودانية الاتهامات، ما يجعل إجراء تحقيق دولي مستقل عنصرًا أساسيًا لتحديد الوقائع والمسؤوليات.
أسئلة وأجوبة حول حرب السودان واتهامات الأسلحة الكيميائية
ما الخطوات الثلاث التي طرحتها ندوة جنيف بشأن السودان؟
وقف الحرب عبر التفاوض، وإطلاق انتقال سياسي بقيادة مدنية، والتحقيق والمحاسبة بشأن الانتهاكات واتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية.
هل ثبت استخدام أسلحة كيميائية في السودان؟
أعلنت الولايات المتحدة رسميًا أنها توصلت إلى تحديد يفيد بأن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية خلال 2024، بينما نفت السلطات السودانية ذلك. كما نشر تحقيق لـFrance 24 أدلة مفتوحة المصادر تشير إلى استخدام محتمل للكلور في حادثتين قرب مصفاة الجيلي.
هل صدر حكم قضائي دولي في القضية؟
لا يشكل القرار الأمريكي حكمًا قضائيًا دوليًا، ولا تزال هناك مطالب بإجراء تحقيق دولي مستقل لتحديد الوقائع والمسؤولية.
متى بدأت الحرب في السودان؟
اندلعت الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023.
كم عدد النازحين بسبب الحرب؟
تشير تقديرات دولية حديثة إلى نزوح نحو 13 مليون شخص داخل السودان وخارجه، بينما تختلف تقديرات القتلى بسبب صعوبة توثيق الضحايا في مناطق النزاع.
ما موقف المبادرات الدولية من مستقبل الحكم؟
تدعو مبادرات تقودها جهات إفريقية وأممية ودولية إلى حوار سوداني شامل وعملية سياسية تضع أسس انتقال مدني وتحافظ على وحدة السودان وسيادته.
هل استخدام الكلور يعد سلاحًا كيميائيًا؟
الكلور مادة صناعية مشروعة الاستخدام، لكن استخدام خصائصها السامة عمدًا كسلاح محظور بموجب اتفاقية الأسلحة الكيميائية.