
بين الجنوب والدبلوماسية والاقتصاد، يتحرك لبنان على أكثر من جبهة في وقت واحد؛ فمن اجتماع باريس التحضيري لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، إلى الاستعداد لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، مروراً بحادثة دير ميماس ومفاوضات صندوق النقد، تواجه الدولة اختباراً واحداً بصور متعددة: هل تستطيع تحويل الدعم السياسي الخارجي إلى قدرة فعلية للمؤسسات الشرعية في الداخل؟
يتقاطع المشهد اللبناني الحالي عند ثلاثة ملفات رئيسية: السيادة والأمن في الجنوب، الدعم الدولي للجيش والمؤسسات الشرعية، وإعادة هيكلة النظام المالي وحماية المودعين.
وتأتي هذه الملفات في لحظة سياسية دقيقة يسعى خلالها لبنان إلى تثبيت حضور الدولة في الداخل، وفي الوقت نفسه إعادة تقديم أولوياته أمام المجتمع الدولي.
وتستعرض نداء الوطن في هذا التقرير كيفية ترابط هذه المسارات من باريس إلى دير ميماس ونيويورك، وصولاً إلى مفاوضات صندوق النقد الدولي.
أبرز الملفات أمام لبنان:
- تحويل نتائج اجتماع باريس إلى دعم عملي للجيش وقوى الأمن.
- إدارة الاحتكاكات في الجنوب عبر الجيش والقنوات الدبلوماسية.
- طرح ملفات السيادة والحدود والمفاوضات في نيويورك.
- الحفاظ على التنسيق بين المؤسسات الرسمية اللبنانية.
- حسم الخلافات المتعلقة بقانون الفجوة المالية واسترداد الودائع.
- استكمال الإصلاح المصرفي المطلوب للتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد.
باريس.. دعم الجيش في صلب التحرك اللبناني
شكّل الاجتماع التحضيري للمؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي في باريس محطة أساسية في التحرك الخارجي الأخير للبنان.
وشارك رئيس الجمهورية جوزاف عون في الاجتماع إلى جانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، في إطار تحرك دولي يهدف إلى تعزيز قدرات الجيش وقوى الأمن وتمكينهما من الاضطلاع بمسؤولياتهما الأمنية.
وبحسب الرئاسة اللبنانية، يتركز الدعم المطلوب على الاحتياجات العملية والمعدات اللوجستية والتدريب وبناء القدرات وفق الأولويات التي حددتها المؤسسة العسكرية.
الرسالة اللبنانية في باريس: الدولة تريد أن تكون حماية لبنان وسيادته واستقراره مسؤولية المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية، مع طلب دعم دولي يساعدها على ترجمة هذا الخيار عملياً.
الدعم الخارجي أمام امتحان النتائج
لكن الدعم الخارجي لا ينفصل عن الأداء الداخلي.
فأي مساعدة دولية جديدة للجيش والمؤسسات الأمنية تصبح أكثر أهمية عندما تقترن بقدرة الدولة على فرض حضورها، وتنفيذ قراراتها، وإثبات فعالية مؤسساتها على الأرض.
وهنا تتحول المسألة من الحصول على مساعدات سياسية وعسكرية فقط إلى بناء نموذج مؤسساتي يمكن للدول الداعمة مراقبة نتائجه وقياس أثره.
وتبرز في النقاشات الدولية المرتبطة بلبنان بصورة متزايدة ملفات الشفافية والرقابة والإصلاح المؤسسي، باعتبارها عناصر مرتبطة باستدامة الدعم لا مجرد شروط مالية أو تقنية منفصلة.
دير ميماس.. احتكاك ميداني حسمته الاتصالات
قدمت حادثة دير ميماس في قضاء مرجعيون مثالاً عملياً على أحد أشكال إدارة التوتر في الجنوب.
وأكد الجيش اللبناني رسمياً أنه أقام في 10 سبتمبر نقطة مراقبة مؤقتة عند أطراف البلدة، بالتنسيق مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان MCG4L، بهدف مواكبة الأهالي أثناء تفقد أراضيهم الزراعية.
وفي 18 سبتمبر، قال الجيش إن قوة إسرائيلية اقتربت من النقطة داخل ما تسميه إسرائيل «المنطقة الأمنية»، وألقت قنابل صوتية في محيطها، ما دفع الجيش إلى تعزيز النقطة ورفع مستوى الاستنفار.
وبعد اتصالات جرت عبر MCG4L، غادرت القوة الإسرائيلية المكان، ثم عاد عناصر الجيش اللبناني إلى مركزهم الأساسي في البلدة.
المغزى العملي للحادثة: تعزيز الوجود العسكري اللبناني على الأرض ترافق مع استخدام قناة تنسيق دولية لاحتواء الاحتكاك، من دون تحوله إلى مواجهة أوسع.
قراءة سياسية في حادثة دير ميماس
ورأى مصدر مطلع تحدث إلى نداء الوطن أن حادثة دير ميماس تقدم، من وجهة نظره، نموذجاً للطريقة التي يمكن أن تدير بها الدولة الاحتكاكات أو الخروقات في الجنوب: وجود للجيش على الأرض، يواكبه تحرك سياسي واتصالات دولية.
وقارن المصدر هذا النهج بالتجربة العسكرية والسياسية لـ«حزب الله»، منتقداً نتائجها على الجنوب، ومعتبراً أن الدولة تحاول اليوم بناء معادلة مختلفة تقوم على الجمع بين القوة العسكرية الشرعية والدبلوماسية والعلاقات الدولية.
للدقة التحريرية: الانتقادات الموجهة إلى «حزب الله» في هذا السياق تعبر عن تقييم المصدر الذي تحدث إلى «نداء الوطن»، وليست حكماً مستقلاً من الموقع على نتائج سياسات الحزب أو أدائه.
من دير ميماس إلى باريس
لا تبدو التطورات الجنوبية منفصلة عن التحرك الدبلوماسي الأوسع.
فبعد عودته من باريس، أطلع الرئيس جوزاف عون رئيس الحكومة نواف سلام على نتائج لقاءاته مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والملك عبدالله الثاني، وعلى مداولات الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي.
ويعكس ذلك محاولة ربط ما يجري على الأرض في الجنوب بمسار سياسي يهدف إلى تعزيز المؤسسات الرسمية اللبنانية، ومنع الفراغ الأمني، ودعم قدرة الجيش على تولي مسؤوليات أكبر.
لبنان ينتقل إلى نيويورك
بعد باريس، تنتقل الحركة الدبلوماسية اللبنانية إلى نيويورك مع انعقاد أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.
وقد افتتحت الدورة الـ81 رسمياً في 8 سبتمبر، فيما تمتد المناقشة العامة رفيعة المستوى من 22 إلى 26 سبتمبر، إضافة إلى 28 سبتمبر.
وتوفر هذه الاجتماعات للبنان منصة لإعادة طرح عدد من الملفات، وفي مقدمتها الجنوب والسيادة والانسحاب الإسرائيلي ودعم الجيش والمفاوضات المتعلقة بالحدود والأمن.
ويأتي الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة وسط حضور دولي واسع، ما يمنح الوفد اللبناني فرصة لإجراء لقاءات ثنائية ومتعددة الأطراف بالتوازي مع جلسات الأمم المتحدة.
ملف الجنوب في قلب الدبلوماسية اللبنانية
من المنتظر أن يحضر ملف الجنوب بقوة في التحركات اللبنانية، في ظل استمرار التوتر والمطالب اللبنانية المرتبطة بانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية وتعزيز سيادة الدولة.
كما أن دعم الجيش يشكل أحد المحاور الرئيسية، باعتباره المؤسسة التي تراهن عليها السلطات اللبنانية في توسيع حضور الدولة الأمني والعسكري.
وكان الرئيس نواف سلام قد أكد في مواقف سابقة أن مسؤولية التعامل مع أي بنى عسكرية على الأراضي اللبنانية تقع على عاتق الدولة ومؤسساتها الشرعية، مع تمسكه بمسار التفاوض لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل.
من الأمن إلى الاقتصاد.. صندوق النقد يعود إلى الواجهة
لكن اختبار الدولة اللبنانية لا يتوقف عند الحدود.
فبالتزامن مع الحراك السياسي والأمني، اختتمت بعثة صندوق النقد الدولي زيارتها إلى لبنان في 18 سبتمبر، بعد سلسلة اجتماعات تناولت إصلاح القطاع المصرفي وقانون استرداد الودائع والاستقرار المالي.
وقال صندوق النقد إن السلطات اللبنانية حافظت على قدر من الاستقرار الاقتصادي الكلي رغم الظروف الصعبة، لكنه شدد على أن استكمال إصلاح القطاع المصرفي يتطلب مواءمة قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع مع المعايير الدولية، بما يحقق أكبر قدر ممكن من حماية المودعين ويحافظ في الوقت نفسه على الاستدامة المالية.
موقف صندوق النقد: تعديل قانون معالجة أوضاع المصارف يمثل خطوة مهمة، لكن الطريق لم يكتمل بعد، وملف توزيع الخسائر واسترداد الودائع ما يزال محوراً رئيسياً في المفاوضات.
الفجوة المالية.. من يتحمل الخسائر؟
تتركز إحدى أعقد نقاط الخلاف على كيفية توزيع الخسائر المتراكمة بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين.
وتدور النقاشات حول مبدأ تسلسل المطالبات وحجم استخدام المال العام، إضافة إلى كيفية الاعتراف بالتزامات الدولة تجاه مصرف لبنان وتقييم الأصول المتاحة لاستعادة جزء من أموال المودعين.
وتتناول المفاوضات كذلك آليات معالجة المصارف المتعثرة، وإعادة الرسملة، وتنقية الميزانيات من الأصول الرديئة، وهي ملفات تعد أساسية في أي خطة لإعادة بناء القطاع المصرفي.
29 مليار دولار و550 ألف مودع
وتضيف تقديرات غير رسمية بعداً أكثر حساسية للنقاش.
فبحسب دراسة منسوبة إلى شركة الاستشارات أنكورا، قد تؤدي صيغة مطروحة لقانون استرداد الودائع إلى عدم استرداد نحو 29.1 مليار دولار من الودائع، مع تأثر نحو 550 ألف مودع.
ولا تمثل هذه الأرقام تقديرات رسمية لصندوق النقد الدولي، بل دراسة مستقلة مرتبطة بتحليل قدرة المصارف على تنفيذ آليات السداد المطروحة.
مهم: رقم 29 مليار دولار و550 ألف مودع ليس رقماً صادراً عن صندوق النقد الدولي، وإنما تقدير ورد في دراسة مستقلة حول آثار تطبيق صيغة مشروع القانون الحالية.
لبنان أمام ثلاثة اختبارات متزامنة
تكشف الملفات الحالية أن الدولة اللبنانية تواجه ثلاثة اختبارات مترابطة.
| المسار | الاختبار الأساسي |
|---|---|
| الأمني | تعزيز قدرة الجيش على إدارة الجنوب واحتواء الاحتكاكات. |
| السياسي والدبلوماسي | تحويل الدعم الدولي إلى مكاسب مرتبطة بالسيادة والمؤسسات. |
| المالي | إعادة هيكلة المصارف وحماية المودعين والتوصل إلى صيغة قابلة للاستمرار. |
من باريس إلى نيويورك.. هل تتحول الفرصة إلى مسار؟
يراهن المسؤولون اللبنانيون على الزخم الذي ظهر في باريس لاستكمال بناء مظلة سياسية ومالية وأمنية تدعم مؤسسات الدولة.
لكن الاختبار الفعلي يبقى في القدرة على تحويل هذا الدعم إلى نتائج قابلة للقياس داخل لبنان، سواء على صعيد الجنوب أو إصلاح القطاع المالي.
ويعني ذلك أن المسارات الثلاثة لا تعمل بصورة منفصلة؛ فالدولة التي تطلب دعماً دولياً لجيشها تحتاج كذلك إلى مؤسسات مالية وقانونية تتمتع بالثقة، فيما يحتاج الإصلاح الاقتصادي بدوره إلى استقرار أمني وسياسي يسمح بجذب التمويل والاستثمار.
الخلاصة: يتحرك لبنان بين باريس ونيويورك والجنوب ومفاوضات صندوق النقد ضمن اختبار واحد للدولة. فدعم الجيش، واحتواء التوتر في دير ميماس، وطرح الملفات السيادية في الأمم المتحدة، وحل أزمة الودائع ليست ملفات منفصلة بقدر ما هي أجزاء من معركة استعادة قدرة المؤسسات الرسمية على إدارة الأمن والسياسة والاقتصاد.
أسئلة شائعة حول التطورات في لبنان
ماذا حدث في دير ميماس؟
قال الجيش اللبناني إن قوة إسرائيلية اقتربت من نقطة مراقبة مؤقتة أقامها الجيش وألقت قنابل صوتية في محيطها، قبل أن تنسحب بعد اتصالات عبر مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان MCG4L.
لماذا عقد اجتماع باريس؟
كان اجتماعاً تحضيرياً لمؤتمر دولي يهدف إلى دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي بالمعدات والتدريب والقدرات اللازمة للاضطلاع بمهامهما.
متى تبدأ المناقشة العامة في الجمعية العامة للأمم المتحدة؟
تنعقد المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين بين 22 و26 سبتمبر، إضافة إلى 28 سبتمبر.
ما أبرز مطالب لبنان في نيويورك؟
يتوقع أن تتركز التحركات اللبنانية على الجنوب والسيادة ودعم الجيش والانسحاب الإسرائيلي والمسار التفاوضي والاستقرار الداخلي.
ماذا قال صندوق النقد عن لبنان؟
قال الصندوق إن لبنان حافظ على قدر من الاستقرار الاقتصادي رغم الظروف الصعبة، لكنه شدد على ضرورة استكمال إصلاح القطاع المصرفي وتطوير قانون استرداد الودائع بما ينسجم مع المعايير الدولية والاستدامة المالية.
ما قصة الـ29 مليار دولار والـ550 ألف مودع؟
هي تقديرات وردت في دراسة مستقلة لشركة أنكورا حول النتائج المحتملة لتطبيق صيغة قانون استرداد الودائع، وليست أرقاماً رسمية صادرة عن صندوق النقد.