
نداء الوطن - متابعات: ماذا لو كانت موجات الحر التي ضربت مناطق متباعدة من العالم خلال عام كامل أجزاءً من ظاهرة مناخية واحدة؟ سؤال أعاد تحقيق عالمي نشرته وكالة رويترز طرحه، بعدما كشف عن عاصفة حرارية ضخمة استمرت 367 يومًا، وامتد نطاقها التراكمي إلى نحو 85% من سطح الأرض، وشملت خلال رحلتها مناطق من الشرق الأوسط بينها مكة المكرمة أثناء موسم الحج عام 2024.
والأكثر إثارة أن هذه العاصفة لم تكن إعصارًا مرئيًا يدور فوق المحيطات، ولا موجة حارة تقليدية تستمر بضعة أيام، بل سلسلة مترابطة من مناطق الحرارة الشديدة تتغير حدودها وتتحرك وتتصل ببعضها عبر القارات، وفق منهجية تحليلية جديدة استخدمتها رويترز بالتشاور مع خبراء المناخ.
وأطلق معدّو التحقيق على هذه الظاهرة اسم «العاصفة الحرارية»، فيما سمّوا أكبر عاصفة رصدوها «فيرا»، وهي ظاهرة امتدت من يوليو 2023 حتى يوليو 2024، وربط التحليل بين نطاقها الواسع وعدد من موجات الحر التي تركت آثارًا قاسية على السكان والبيئة في مناطق متباعدة.
أكبر عاصفة حرارية رصدها تحقيق رويترز
367 يومًا
نحو 85% من سطح الأرض
امتداد تراكمي خلال عام كامل، وليس تغطية متزامنة
عاصفة حرارية اسمها «فيرا».. كيف بدأت القصة؟
بحسب تحقيق رويترز المنشور في 20 أكتوبر 2026، بدأت العاصفة الحرارية «فيرا» يوم 29 يوليو 2023، واستمرت حتى 29 يوليو 2024، في فترة شهدت ارتفاعات استثنائية في درجات الحرارة بمناطق عديدة حول العالم.
وخلال تلك المدة، تحركت مناطق الحرارة غير المعتادة واتسعت واندمجت مع مناطق أخرى، ما سمح بتتبعها بوصفها حدثًا حراريًا مترابطًا وفق معايير التحليل المستخدمة.
ووصل نطاق العاصفة التراكمي إلى قرابة 85% من مساحة سطح الأرض، في نتيجة تعكس اتساع رقعة المناطق التي تأثرت بها خلال حياتها، لا أن معظم الكوكب كان يواجه الحرارة الشديدة في اللحظة نفسها.
كيف وصلت العاصفة إلى مكة خلال موسم الحج؟
من أبرز الجوانب التي تهم القارئ العربي أن تحقيق رويترز أدرج موجة الحر الشديدة التي شهدتها مكة المكرمة خلال موسم الحج عام 2024 ضمن المسار الواسع للعاصفة الحرارية «فيرا».
وشهد ذلك الموسم درجات حرارة بالغة الارتفاع، وصلت بحسب البيانات التي استند إليها التقرير إلى 51.8 درجة مئوية في محيط المسجد الحرام، بالتزامن مع تسجيل أكثر من 1300 وفاة بين الحجاج وفق الحصيلة الرسمية المعلنة آنذاك.
وتكشف هذه الصلة جانبًا مهمًا من التحليل: فقد تبدو موجة الحر التي تضرب مدينة واحدة حدثًا محليًا منفصلًا، بينما يمكن أن تكون جزءًا من امتداد حراري واسع يشمل مناطق متباعدة من العالم.
توضيح مهم: لا يعني إدراج موجة حر مكة ضمن «فيرا» أن عاصفة مستقلة انتقلت ماديًا إلى المدينة كما تنتقل الأعاصير. المقصود أن تحليل رويترز ربط تلك الموجة بمنظومة واسعة من مناطق الحرارة الشديدة وفق معايير محددة.
ما المقصود بالعواصف الحرارية؟
«العواصف الحرارية» تسمية تحليلية طورتها رويترز لوصف موجات الحر الضخمة والممتدة، بهدف مساعدة الجمهور على فهم الأحداث الحرارية التي تتجاوز الحدود المحلية والإقليمية.
واعتمد الفريق تعريفًا لموجة الحر يقوم على استمرار درجات حرارة مرتفعة على نحو غير معتاد لمدة خمسة أيام متتالية على الأقل، ثم خصص تسمية «العاصفة الحرارية» للأحداث التي تغطي عند ذروتها ما لا يقل عن 1% من مساحة سطح الأرض.
ولا تُعد هذه التسمية حتى الآن تصنيفًا دوليًا رسميًا موحدًا شبيهًا بتصنيفات الأعاصير المدارية، بل إطارًا بحثيًا وصحفيًا لتحليل موجات الحر واسعة النطاق.
ماذا يعني أن العاصفة شملت 85% من الأرض؟
قد يوحي الرقم بأن 85% من الكوكب تعرض لحرارة قياسية في يوم واحد، لكن ذلك غير صحيح.
فالرقم يمثل المساحة التراكمية التي مر بها نطاق العاصفة على امتداد 367 يومًا، مع احتساب المناطق المختلفة التي دخلت ضمن نطاقها خلال الفترة.
أما أكبر مساحة غطتها «فيرا» في وقت واحد، فقد بلغت نحو 31.3% من سطح الأرض في 5 يناير 2024، وفق تحليل رويترز.
وهذا الفرق بين التغطية المتزامنة والتغطية التراكمية أساسي لفهم حجم الظاهرة بعيدًا عن التهويل أو إساءة تفسير الأرقام.
من خمس عواصف سنويًا إلى أكثر من مئة
لم يقتصر تحقيق رويترز على تتبع «فيرا»، بل شمل تحليل بيانات درجات الحرارة منذ عام 1960، بالتشاور مع نحو عشرين خبيرًا وباحثًا في المناخ والأرصاد الجوية.
وأظهر التحليل أن متوسط عدد العواصف الحرارية، وفق التعريف الذي وضعه فريق التحقيق، ارتفع من نحو خمس عواصف سنويًا في ستينيات القرن الماضي إلى نحو 102 عاصفة سنويًا خلال العقد الحالي.
وتشير هذه المقارنة إلى تغير كبير في وتيرة الأحداث الحرارية الواسعة، مع ضرورة الانتباه إلى أن الأرقام مرتبطة بالتعريف والمنهجية المستخدمين في الدراسة.
| المؤشر | نتيجة التحليل |
|---|---|
| متوسط العواصف سنويًا في الستينيات | نحو 5 |
| متوسط العواصف سنويًا في العقد الحالي | نحو 102 |
| مدة العاصفة «فيرا» | 367 يومًا |
| امتداد «فيرا» التراكمي | نحو 85% من الأرض |
| أقصى تغطية متزامنة لفيرا | 31.3% |
آثار العاصفة لم تتوقف عند ارتفاع درجات الحرارة
استعرض التحقيق آثار موجات الحر المرتبطة بالعاصفة في مناطق مختلفة من العالم، شملت أزمات صحية وضغوطًا على الأنشطة اليومية والزراعة والنظم البيئية.
وفي الولايات المتحدة، واجه السكان والرياضيون ظروفًا قاسية خلال فترات الحر الشديد، بينما شهدت مناطق من أميركا الجنوبية تأثيرات بيئية خطيرة، بينها نفوق دلافين نهرية في الأمازون وسط ارتفاع حرارة المياه.
وفي أفريقيا، تسببت الظروف المناخية القاسية في ضغوط على المحاصيل الزراعية، بما فيها الكاكاو في ساحل العاج، في حين واجهت مناطق أوروبية موجات حر وحرائق غابات شديدة.
ولا يعني وجود هذه الأحداث ضمن الفترة التي تتبعها التحقيق أن العاصفة كانت السبب الوحيد لكل كارثة، إذ تتداخل عوامل مناخية وبيئية وبشرية أخرى في تحديد حجم الأضرار.
هل انتهت الظاهرة بانتهاء «فيرا»؟
لا. فقد رصد التحقيق استمرار ظهور عواصف حرارية ضخمة بعد «فيرا»، من بينها عاصفة أخرى حملت اسم «رايموندو» خلال عام 2026.
ووفق البيانات المنشورة، وصلت التغطية المتزامنة لـ«رايموندو» إلى نحو 33.8% من سطح الأرض في 28 أغسطس 2026، متجاوزة الذروة المتزامنة التي سجلتها «فيرا»، رغم أن الأخيرة احتفظت في التحليل بسجل امتداد تراكمي استثنائي خلال عمرها.
ويشير ذلك إلى أن الحديث لا يدور عن حادثة مناخية معزولة انتهت قبل عامين، بل عن نمط من موجات الحر الواسعة والمتكررة يستمر الباحثون في دراسته.
ما علاقة هذه الظواهر بتغير المناخ؟
يربط علماء المناخ ارتفاع تواتر موجات الحر وشدتها بزيادة متوسط حرارة الأرض نتيجة تراكم الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي، مع تأثير عوامل طبيعية مثل ظاهرة «إل نينيو» في بعض الفترات.
وتؤدي زيادة حرارة الخلفية المناخية إلى رفع احتمالات تسجيل درجات حرارة شديدة، ما يجعل المجتمعات أكثر عرضة للإجهاد الحراري ومشكلات المياه والزراعة والطاقة.
لكن تحديد مقدار مساهمة تغير المناخ في كل حادثة بعينها يحتاج إلى دراسات إسناد مناخي متخصصة، ولا يمكن استنتاجه من تزامن الأحداث وحده.
لماذا يهم هذا التحقيق سكان السعودية والعالم العربي؟
تتعرض مناطق واسعة من العالم العربي لدرجات حرارة مرتفعة خلال أشهر الصيف، وتواجه المدن الكبرى تحديات مرتبطة بالعمل في الأماكن المكشوفة واستهلاك الكهرباء وتوفير المياه وحماية كبار السن والأطفال.
ويمنح الربط بين موجات الحر المحلية والأنماط المناخية الأوسع فهمًا أفضل للمخاطر المحتملة، خصوصًا في المناسبات والتجمعات البشرية الكبيرة والمناطق التي تشهد حركة سفر كثيفة.
كما يسلط الضوء على أهمية أنظمة الإنذار المبكر، وتوفير الظل ومياه الشرب، وتنظيم العمل خلال ساعات الحرارة الشديدة، والاستعداد الصحي للتعامل مع الإجهاد الحراري.
هل يمكن أن تستمر عاصفة حرارية عامًا كاملًا؟
وفق المنهجية التي اعتمدتها رويترز، نعم؛ إذ يمكن تتبع حدث حراري واسع عبر تغير مناطق امتداده واتصالها على مدى فترات طويلة.
لكن ذلك لا يعني أن كل مدينة ضمن مسار العاصفة عاشت حرارة استثنائية طوال العام. فقد تتعرض منطقة للحر الشديد أيامًا أو أسابيع، بينما يستمر الحدث الأوسع في مناطق أخرى.
أسئلة شائعة عن العواصف الحرارية
ما اسم العاصفة التي استمرت 367 يومًا؟
أطلق فريق تحقيق رويترز عليها اسم «فيرا»، وامتدت بحسب تحليله من يوليو 2023 إلى يوليو 2024.
هل تعرضت 85% من الأرض للحرارة في وقت واحد؟
لا. النسبة تعبر عن المساحة التراكمية التي شملها نطاق العاصفة خلال عام كامل، وليس عن التغطية المتزامنة.
هل وصلت العاصفة الحرارية إلى مكة؟
أدرج تحليل رويترز موجة الحر التي شهدتها مكة خلال موسم الحج 2024 ضمن امتداد العاصفة «فيرا».
هل «العاصفة الحرارية» مصطلح علمي رسمي؟
هي تسمية ومنهجية تحليلية قدمتها رويترز بالتشاور مع خبراء المناخ، وليست تصنيفًا دوليًا موحدًا معتمدًا لجميع موجات الحر.
هل انتهى خطر العواصف الحرارية؟
لا، إذ يشير التحليل إلى استمرار حدوث موجات حر واسعة النطاق، مع تصاعد مخاطر الحرارة الشديدة في عالم آخذ بالاحترار.
ملاحظة تحريرية: الأرقام والتسميات الواردة في هذا التقرير مستمدة من تحقيق بيانات نشرته وكالة رويترز في 20 أكتوبر 2026. وتعبّر نسبة 85% عن التغطية التراكمية وفق منهجية التحقيق، ولا تمثل ارتفاعًا متزامنًا لدرجات الحرارة في معظم أنحاء العالم.
للاطلاع على التحقيق الأصلي: تحقيق رويترز عن أكبر عاصفة حرارية مرصودة.
منهجية التحليل: كيف طورت رويترز مفهوم العواصف الحرارية؟.
المصدر: نداء الوطن، استنادًا إلى تحقيق وكالة رويترز.