المتحدث وسطوة المكان!

كان الانبهار مني بالمكان وسطوته لأول مرة عندما حضرت احتفالاً في قاعة مسرح كبيرة جداً، حيث تقدم المسؤول عن الحفل ليلقي كلمة وأنا جالس في الطابق الثاني من قاعة المسرح الكبير، وهو يتحدث على الركح (خشبة المسرح) فأسقط في نفسي انبهاراً وتأثراً بالمتحدث مع تشكك بدور المكان ظل يلازمني، وحفزنّي للعمل على نفسي حتى وقفت بعد عدة سنوات في ذات المكان الذي احتضن حفلًا خاصًا بفلسطين كنت على رأس من يديره آنذاك حيث ألقيت الكلمة الرئيسية.


في التأثير والسيطرة للمحاضر أو المدرب أو أي شخص ينقل خبرته من خلال ندوة أو ورشة أو دورة، كان لي التفكر الذي منه كان الاستدلال لضرورة الوقوف في القاعة المفتوحة، وخاصة عندما تكون المقاعد خلف بعضها البعض وهي آلية تدريب ضعيفة ولكنك تجدها عندما لا تكون أنت المتحكم بالمكان كأن تكون مستضافاً.

عناصر التأثير الجسدي والفيزيائي بالجماهير

من هنا فإن عملية التأثير الفيزيائي والجسدي بالجماهير ضمن ظروف المكان لها من الأهمية الكثير، وتستند إلى مقومات أساسية:

  • إتقان فن الحديث والمواجهة للجمهور من جهة.
  • آليات العرض سواء الورقية أو الحاسوبية.
  • الإعداد المسبق للمحاضرة (وضمن بدائل) بالتدرب الملحاح عليها.
  • طريقة الدخول، واللبس، والطلّة الأولى.
  • آلية إعداد وعمل المحاضرة بتقسيمها وقطار الأفكار.
  • تقنيات الصوت والتنغيم والتحكم بنبرته.
  • لغة الجسد، بما فيها العيون، اليدين، الانتصاب واقفاً، والحركة.
  • أهمية المكان وديكتاتوريته وطريقة ترتيبه.

ترتيب المكان وديكتاتورية الجلسة

نتذاكر هنا أهمية المكان أكان قاعة أو فصلًا دراسيًا؛ إذ يُحبذ فيه ما أمكن -خاصة لو كنت أنت المتحكم بالدورة أو الندوة- أن يكون على شكل حذوة الفرس (مربع ناقص ضلع)؛ لما يعطيه من راحة للجميع ويوحي بالرحابة والمساواة والحوار والديمقراطية فيما هم جلوس وأنت الواقف.

أنت الواقف والمسيطر على المحاضرة أو الدورة، فلا تدع أحداً يفقدك التركيز، وكن دومًا المبادر بحيث تستطيع الاقتراب منهم أو من الوسط والأطراف؛ لتعطي الانطباع بالحميمية من جهة، دون التخلي عن الإمساك بمجريات الأمور بالقاعة والتي تفرضها شخصيتك الحازمة والحكيمة وطريقة الإعداد للمادة وعرضها وتقنية النظر المتوزع على الحضور.

قدمتُ أحد القيادات الفلسطينية في مدرج الجامعة وكان يلقي محاضرة عن القضية الفلسطينية، فشعرت بالعيون كلها منصبة عليّ أنا! فيما هي بالحقيقة تتنهد نحو المحاضر القائد! وهنا تصبح الأعين المنصبة إما سيفاً للمحاضر الخائف والمتوتر يقطع رقبة محاضرته، أو سيفاً بيده يقطع رقبة حالات التشتيت والتخريب.

الخبرة الممتدة والمتعة المعرفية

في السنوات الثلاثين اللاحقة في حياتي في المستوى السياسي والثقافي والأدبي والفكري والتدريبي، إلى جانب القراءة العميقة والمتنوعة وكتابة المقالات والدراسات والكتب، كانت الدورات تسير بالموازاة لما فيها من متعة المعرفة الخارقة (لقد وضع "ماسلو" أبو "هرم الحاجات الإنسانية" القيم المعرفية ضمن 8 حاجات إنسانية رئيسية، وأنظر أهمية المعرفة والفلسفة والتشكك ثم اليقين وإطلاق قدرات العقل لدى الغزالي والكندي وابن رشد من علماء العرب والمسلمين) والتفاعل مع الناس أو المتدربين، والشعور بأنك تقدم لهم ولنفسك الكثير مما يستطيعون به إعادة بناء ذواتهم والمحيط.

وفي هذه السنوات تعلمتُ الكثير -وما زلت أتعلم يومياً عبر القراءة والتجربة والانصات والتفكر- وخبرتُ أهمية ما كان موضع تساؤل لدي، وعلى رأسه علم نفس المكان (Space Psychology) وتنظيمه، ولغة الجسد، والوقوف المؤثر والمسيطر والموجّه لسياقات الندوة.

إنك في كل ما تفعل، إن لم تمتلك رسالة فأنت تعمل بلا معنى وبلا هدف. وإن لم تملك الأدوات الجهادية والنضالية الصراعية المختلفة فلا قيمة لرسالة تظل متقوقعة داخل رأسك. باختصار: إن حياتك رسالة وسعي نضالي قيمي وديمومة بلا كلل، لأن الأمل يحدوك دوماً ويحركك مع كثيف العمل نحو النجوم.

[1] حاشية: علم نفس المكان (Space Psychology / Psychology of Space)
هو فرع تطبيقي حيوي يدرس العلاقة التبادلية بين سلوك الإنسان ومحيطه الفيزيائي. يبحث هذا العلم في كيفية تأثير التصميم المعماري، وتوزيع الأثاث، والإضاءة، والألوان، والمساحات الجغرافية على مشاعر الإنسان، وأفكاره، وإنتاجيته، وصحته النفسية، وفي المقابل كيف يُغيّر الإنسان هذه البيئات لتلبي احتياجاته النفسية والاجتماعية. يتقاطع بشكل وثيق مع علم النفس البيئي (Environmental Psychology) وعلم المقربات المكانية (Proxemics).