الوعي والمعرفة وثقافة الاكتساب | بكر أبوبكر

الوعي والمعرفة وثقافة الاكتساب | بكر أبوبكر

........

بقلم: بكر أبوبكر

إن فكرة الأخذ والعطاء فكرة سديدة ومعروفة في حضارتنا؛ فحيث أمكن أن تأخذ، فخذ ما يفيد عقلك وفكرك وحياتك، بما لا يضر بالآخرين، بل بما يعود عليهم بالنفع، بعد أن تحقق الانتفاع العقلي لك أنت.

وقوة الأخذ بهذا المعنى تعني مقدار ما تقدم؛ فأنت تأخذ لتبني ذاتك، وتعطي لأن حصر المعلومات والمعارف المفيدة في ذاتك والضن بها عن الآخرين إخلال بتلازمية الأخذ والعطاء، بالمعنى العقلي الذي يقرر الفائدة والإفادة معاً؛ من الداخل إلى الداخل، أي في الذات الإنسانية، ومنها إلى الخارج.

ثقافة الاكتساب بين الفائدة والعطاء

إن ثقافة الاكتساب فيما هو صالح وخيّر ومفيد وممتع، ويحقق التواصل وفائدة الشخص والمجموع، هي جزء من ثقافتنا العربية والإسلامية، بإسهاماتها الحضارية المتعددة، ومنها المسيحية المشرقية، التي ربطت بين صحة المعتقد وصحة الفكر وحسن الأخذ وإحسان العطاء على الصعيد الفكري والمعرفي.

إن منطق الأخذ بلا عطاء، حتى في السياق المادي، هو منطق مبتور؛ فمن يأخذ أو يحقق ذاته مادياً يصبح، ضمن المفاهيم التبادلية، مطالباً بأن يلتفت إلى الآخرين، سواء استند في ذلك إلى دافع ديني أو اجتماعي أو إنساني.

فالقاعدة هنا بسيطة: كل اكتساب حقيقي للعلم أو المال أو الخبرة تكتمل قيمته حين يتحول جزء منه إلى فائدة تمتد إلى الآخرين.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:

«من سُئل عن علمٍ يعلمه فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار».

ولا يأتي العلم إلا بالوعي والإدراك والاكتساب والتعلم، وهنا تصبح القاعدة الدينية حاثة على العطاء والنشر بما يحقق فائدة المجتمع والبشرية.

الكرم.. من التجربة المادية إلى القيمة الحضارية

الثروة المادية، على سبيل المثال، حين تتشكل لدى شخص، فإنها في سياق معادلة الأخذ والعطاء تستلزم الالتفات إلى الآخرين من حيث العطاء.

وقد عرفت العرب معنى الكرم رغم طبيعة البيئة الصحراوية القاسية؛ إذ خبروا معنى التجرد من الأشياء، ومعنى الجدب والبحث عن المرعى والتنقل والصراع حول الموارد، فترسخ في جانب من ثقافتهم نموذج الكرم.

كان الكرم العربي المادي، في جانب منه، استجابة لفقر الأرض وفقر الحال، ثم جاء الإسلام فجعل الكرم لا يتوقف عند الخيار الشخصي، بل أدخله في منظومة من الالتزامات والقيم؛ من الزكاة إلى الصدقات والحث على مساعدة الأيتام والفقراء والمساكين.

ما نبتغي قوله هنا: إن معادلة الأخذ، سواء كان عقلياً أم مادياً، تظل مبتورة إذا افترض الإنسان أنه يأخذ فقط وأن على الآخرين أن يعطوه؛ فمقابل كل أخذ هناك مسؤولية في العطاء.

المعرفة أكبر هدية يقدمها الإنسان لذاته

في الإطار الفكري والثقافي، فإن الأخذ أو الاكتساب المحمود للمعارف وتنمية الوعي يمثل أكبر هدية يمكن أن يقدمها الإنسان لذاته.

فالإنسان يعي ويدرك ويتثقف ويرتفع ويسمو، وكلما استقر العلم والمعرفة في داخله بفعل التفكر والنظر، ازداد قدرته على الإسهام والعطاء وتقديم ما يفيد البشرية.

ونحن في إطار عملنا نضع ثلاثية:

التوعية
التثقيف
التدريب

وذلك في ملخص أهدافنا المتعلقة بإعداد الكوادر.

وقد كانت لنا إشارات وملفات كثيرة عن الثقافة والتثقيف وكذلك عن التدريب، وآثرنا هنا أن نتعرض لمفهوم الوعي وما يتصل به، محاولين الربط بين المفهوم والتطبيق؛ لأن فكرة التدريب في جوهرها تعني تحقيق الصلة بين ما يتم تعلمه أو تلقيه وبين تطبيقه، وإلا خرجنا عن سياق المفهوم الحقيقي للتدريب.

الوعي عند المفكرين العرب

نستخدم في الحياة اليومية مفهوم أن هذا الشخص واعٍ، أو أن ذاك الشخص غائب عن الوعي، غير أن المفهوم اتخذ أبعاداً أوسع في الكتابة الفكرية والسياسية العربية.

ومن الكتب التي حملت مفهوم الوعي بصورة واضحة كتاب «عودة الوعي» لتوفيق الحكيم، الصادر عام 1974، وقد استخدم فيه مفهوم الوعي للدلالة على حالة من اليقظة أو الاستفاقة الفكرية والسياسية التي قال إنه مر بها مع عدد من المثقفين والمصريين.

وربط الحكيم هذه المراجعة، بحسب رؤيته، بمرحلة حكم الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر وما أعقب هزيمة عام 1967، مقدماً نقداً لتجربته الشخصية وعلاقة المثقف بالحاكم والسلطة.

وهنا من المهم التأكيد: ما يورده الكاتب عن عبدالناصر أو السادات أو غيرهما يمثل قراءة فكرية في أعمال هؤلاء الكتّاب والمفكرين، وليس حكماً تحريرياً من نداء الوطن على تجاربهم السياسية.

«عودة الوعي» و«الوعي المفقود»

أثار كتاب توفيق الحكيم ردوداً وانتقادات واسعة، ومن بينها كتاب «الوعي المفقود» للكاتب المصري محمد عودة، الذي ناقش فيه أطروحات الحكيم ودافع عن جوانب من تجربة جمال عبدالناصر، معتبراً أن قراءة الحكيم تقدم صورة مختلفة عن المرحلة.

وهكذا أصبح «الوعي» نفسه موضوعاً للصراع الفكري: أي وعي هو الصحيح؟ وكيف تتكون ذاكرة الفرد والمجتمع تجاه السلطة والتاريخ؟

السادات و«البحث عن الذات»

أما الرئيس المصري أنور السادات فقد كتب «البحث عن الذات»، حيث تناول تجربته الشخصية والسياسية، وربط الوعي الذاتي بإدراك الهوية والجذور الثقافية والتاريخية.

وفي قراءته للمراحل السياسية السابقة على حكمه، طرح السادات رؤيته الخاصة لمفاهيم الوعي القومي والهوية والرؤية السياسية.

مالك بن نبي والوعي الحضاري

ومن أبرز المفكرين العرب الذين تناولوا مسألة الوعي المفكر الجزائري مالك بن نبي، الذي قدم في مشروعه الفكري، وخصوصاً في كتاب «شروط النهضة»، تصوراً للوعي الحضاري يرتبط بتحرير الإنسان والمجتمع من التخلف والتبعية.

فالتحرر في هذا السياق لا يبدأ فقط بإزالة الهيمنة الخارجية، بل كذلك بإعادة بناء العقل والإنسان من الداخل.

«لم يكن مالك بن نبي مجرد مفكر أيديولوجي، ولا كاتباً مغرماً بالتنظير... ولكنه كان عالماً ومفكراً وصاحب دعوة وفيلسوفاً واسع النظر ومهندس أفكار نادر الوجود».

وهو توصيف ورد في دراسة عن مشروع مالك بن نبي الفكري أشير إليها في هوامش هذا المقال.

قسطنطين زريق والجابري وحسن حنفي

تناول المفكر قسطنطين زريق الوعي في سياق النهضة والتاريخ والمسؤولية الحضارية، كما تناول الاقتصادي والمفكر جلال أمين تحولات المجتمع والثقافة والوعي في عدد من أعماله.

أما المفكر المغربي محمد عابد الجابري، صاحب مشروع «نقد العقل العربي»، فقد اشتغل على بنية التفكير العربي وآلياته، وقدم ثلاثيته الشهيرة:

  • البيان
  • العرفان
  • البرهان

وكان مشروعه في جانب منه محاولة لفهم علاقة العقل العربي بالموروث، وكيف تتشكل أدوات إنتاج المعرفة داخله.

كما ناقش المفكر المصري حسن حنفي في مشروع «التراث والتجديد» وفي كتابه «في فكرنا المعاصر» قضايا الوعي القومي والطبقي والديني، وطرح تصوره لكيفية إعادة قراءة التراث في ضوء قضايا التحرر والعدالة.

المسيري وتزييف الوعي

وتعرض المفكر عبدالوهاب المسيري لقضية تزييف الوعي من خلال نقده لبعض نماذج الاستهلاك الحديثة، وما اعتبره اختزالاً للإنسان وتحويلاً له إلى كائن مادي أو استهلاكي منفصل عن أبعاده الأخلاقية والروحية.

وفي هذا السياق، لم يعد الوعي مجرد جمع للمعلومات، بل أصبح قدرة على فهم السياق الذي تنتج فيه المعلومات والأفكار والقيم.

علي الوردي والوعي الاجتماعي

أما عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، فقد تناول في عدد من كتبه، ومنها «مهزلة العقل البشري» و«وعاظ السلاطين»، طبيعة المجتمع والوعي الاجتماعي والتناقضات التي يعيشها الفرد داخل بيئته الثقافية والاجتماعية.

وقدم الوردي تحليلاته حول الازدواجية والتوتر بين القيم المثالية والممارسة الواقعية بوصفها إحدى القضايا التي تستحق التأمل في دراسة الشخصية والمجتمع.

مدارس مختلفة في تعريف الوعي

ومن خلال هذه النماذج يمكن ملاحظة أن مفهوم الوعي عند المفكرين العرب لم يحمل معنى واحداً.

الاتجاه مقاربة الوعي
القومي الهوية والوحدة والنهضة والتحرر.
الليبرالي حرية الرأي والتعددية والنقد ومراجعة السلطة.
اليساري الوعي الطبقي والبنية الاجتماعية والعدالة.
الإسلامي الحضاري الأصالة وإصلاح الذات والتحرر من التبعية واستعادة الفاعلية الحضارية.

وهكذا يتضح أن الوعي لا ينفصل عن الثقافة والاكتساب والتعليم والتجربة، وأن الإنسان لا يصبح واعياً بمجرد امتلاكه المعلومات، بل بطريقة فهمه لها وتحليلها وربطها بحياته ومجتمعه.

الخلاصة: الاكتساب الحقيقي ليس جمعاً للمعلومات فقط، والوعي ليس معرفة ساكنة؛ فكلاهما يتحول إلى قيمة عندما يمتلك الإنسان القدرة على التفكير والفهم ثم نقل ما تعلمه إلى الآخرين والاستفادة منه في الواقع.

(يتبع)


أسئلة شائعة حول الوعي وثقافة الاكتساب

ما المقصود بثقافة الاكتساب؟

هي السعي إلى اكتساب المعرفة والخبرة والقيم المفيدة، مع تحويل ما يكتسبه الإنسان إلى منفعة له وللمجتمع بدلاً من احتكاره لنفسه.

ما العلاقة بين الأخذ والعطاء في المعرفة؟

يرى الكاتب أن اكتساب المعرفة يكتمل حين ينقل الإنسان ما تعلمه إلى الآخرين ويسهم به في خدمة المجتمع.

ما المقصود بثلاثية التوعية والتثقيف والتدريب؟

هي ثلاث مراحل مترابطة تبدأ بإثارة الوعي، ثم بناء المعرفة والثقافة، وصولاً إلى التدريب الذي يحول المعرفة إلى ممارسة وتطبيق.

كيف تناول المفكرون العرب مفهوم الوعي؟

تعددت المقاربات بين الوعي السياسي والقومي والحضاري والاجتماعي والطبقي والديني، بحسب المشروع الفكري لكل مفكر.

من أبرز المفكرين الذين تناولهم المقال؟

توفيق الحكيم، محمد عودة، أنور السادات، مالك بن نبي، قسطنطين زريق، جلال أمين، محمد عابد الجابري، حسن حنفي، عبدالوهاب المسيري وعلي الوردي.

هل يساوي الوعي امتلاك المعلومات؟

لا. وفق رؤية المقال، المعلومات جزء من بناء الوعي، لكن الوعي يحتاج أيضاً إلى إدراك وتحليل وتفكر وربط بين المعرفة والواقع.

الهوامش والمراجع الواردة في المقال

  1. «المشروع الفكري لمالك بن نبي» – يارا عبدالجواد، مركز خطوة للتوثيق والدراسات.
  2. المصدر السابق.
  3. عبدالوهاب المسيري: «الإنسان والشيء» – من آخر مقالاته قبل رحيله.
  4. للاطلاع: مادة بعنوان «مهزلة العقل البشري عند علي الوردي» في مدونة كريم جدي.