رغم «بونانزا» و«NAZA».. يبقى العدل في إجازة

رغم «بونانزا» و«NAZA».. يبقى العدل في إجازة

زياد شليوط – شفاعمرو – الجليل

بين حلقة من مسلسل أميركي قديم وفيلم إسرائيلي حديث عن غزة، وجدت نفسي أمام السؤال نفسه: ماذا يحدث حين تتحول القوة إلى مبرر، وتصبح الأفكار المسبقة أقوى من الحقيقة، ويظل المسؤول بعيدًا عن المساءلة؟

بعد يوم مرهق حافل بالنشاط والواجبات، لم أتمكن في المساء من القراءة أو الكتابة، فلجأت إلى شيء من الترويح عن النفس، لعلّي آخذ قسطًا من الراحة.

اخترت الشاشة الكبيرة، وقررت أن أتابع حلقة من مسلسل أميركي قديم كنا نواظب على مشاهدته ونحن صغارًا، وأحببناه لما في شخصياته من طرافة وإنسانية.

إنه مسلسل «بونانزا».

كنت قد بحثت عنه مجددًا عبر يوتيوب، وشاءت الصدفة – وربما الصدفة المقصودة – أن أشاهد حلقة بعنوان «شرف كوتشيس» The Honor of Cochise.

ضابط يطلب الحماية.. ثم تنكشف الحقيقة

تبدأ الحلقة بمطاردة مجموعة من رجال الأباتشي لضابط أميركي منهك من التعب والخوف.

وفي تلك الأثناء، كانت عائلة «كارترايت» تقضي وقتًا في البرية. يسمع أفرادها إطلاق النار، ثم يصل إليهم الضابط طالبًا الحماية والعون.

يتلقفه أبناء العائلة ويحاولون مساعدته.

يروي الضابط لهم أنه تعرض لهجوم شرس من مجموعة من الأباتشي، وأن أفراد فرقته العسكرية قُتلوا، فيتعاطفون معه ويقررون حمايته.

لكن الصورة سرعان ما تبدأ في التغير.

ينادي زعيم الأباتشي رئيس المخيم ويطلب منه تسليم الضابط، ثم يعرض روايته لما جرى.

وبحسب أحداث الحلقة، كان سبب مطاردة الضابط مرتبطًا بأفعال ارتكبها بحق أفراد القبيلة، وهنا تبدأ الشكوك في الرواية التي قدمها الضابط عن نفسه بوصفه مجرد رجل قانون يتعرض لهجوم من «متوحشين».

فجأة يصبح السؤال مختلفًا: من الضحية؟ ومن المعتدي؟ وهل تكفي الصفة العسكرية أو القانونية كي تتحول أفعال صاحبها إلى أفعال مبررة؟

حين تنهار الصورة النمطية

يحاول الضابط مواصلة خداع أبناء كارترايت، فيقدم الأباتشي باعتبارهم قتلة ومجرمين، ويقدم نفسه باعتباره رجل القانون الذي «كان ينفذ الأوامر».

لكن أبناء العائلة يبدأون في التشكيك في مصداقيته.

وفي أثناء الأحداث يُصاب آدم، الابن الأكبر، وتنفد المياه، فيصبح إنقاذه بحاجة إلى طبيب.

يقرر الأب «بن كارترايت» الخروج لإحضار الطبيب وقائد المعسكر العسكري، بهدف علاج ابنه وتسليم الضابط للعدالة.

يقع بن في قبضة رجال الأباتشي، ويُقتاد إلى زعيمهم كوتشيس.

لكن الزعيم لا يقتله.

يستمع إليه ويتفق معه على السماح له بإحضار الطبيب وقائد الجيش، شرط ألا ترافقهما قوة عسكرية.

التعهد أهم من استعراض القوة

يصل بن إلى المعسكر العسكري ويحاول إقناع قائده بالمجيء معه.

وبعد نقاش، يوافق القائد ويخرج برفقة بن، بعدما يترك نائبه مسؤولًا عن المعسكر.

ويصل الاثنان في الموعد المتفق عليه، لكن قوة من الجنود تظهر فجأة بعدما خالف نائب القائد الأوامر، فيصبح الموقف على وشك الانفجار.

وهنا يتخذ القائد العسكري قرارًا مختلفًا: يعزل نائبه لأنه خالف التعليمات، ويأمر الجنود بالعودة إلى المعسكر.

حينها يحترم زعيم الأباتشي الاتفاق، ويسمح للطبيب بالذهاب لعلاج آدم، وتنتهي القضية بإلقاء القبض على الضابط تمهيدًا لمحاكمته.

وفي نهاية الحلقة يقول القائد لكوتشيس إنه تعلم درسًا في ذلك اليوم.

فيرد كوتشيس بكلمات تختصر الفكرة كلها:

«كلنا نتعلم عندما نتعلم ما يكفي».

من «بونانزا» إلى «NAZA»

لم أستطع مشاهدة تلك الحلقة من دون أن أربط بينها وبين الضجة التي أثارها مؤخرًا الفيلم الوثائقي «NAZA»، للمخرجين الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور.

الفيلم يعتمد على شهادات لمسؤولين وعسكريين واستخباراتيين إسرائيليين سابقين وحاليين تحدث بعضهم دون كشف هوياتهم، ويبحث في آليات اتخاذ القرارات العسكرية الإسرائيلية في غزة وما ترتب عليها من سقوط أعداد كبيرة من المدنيين.

وقد أثار الفيلم عاصفة سياسية داخل إسرائيل، بينما رفض مسؤولون إسرائيليون كبار ما جاء فيه، واتهموه بتشويه صورة الجيش.

أما بالنسبة إليّ، فقد كان التشابه بين ما شاهدته في «بونانزا» وما يناقشه «NAZA» لافتًا، رغم اختلاف الزمان والمكان والسياق.

الرواية التي تبدأ دائمًا من الطرف الأقوى

في الحلقة القديمة، يصل الضابط أولًا.

هو الذي يمتلك فرصة رواية القصة، فيقدم نفسه ضحية ويقدم الطرف الآخر باعتباره مجموعة من القتلة.

ولا يعرف أبناء كارترايت أن هناك رواية أخرى إلا عندما يسمعونها من الجانب الذي كان غائبًا عن المشهد.

كم من مرة يحدث هذا في حياتنا؟

تصلنا القصة من صاحب القوة، من المؤسسة، من الجيش، من الحكومة، أو من الطرف الذي يملك وسائل الإعلام والمنابر، فنتعامل معها كما لو أنها الحقيقة الكاملة.

ثم تأتي أصوات أخرى، متأخرة عادة، لتقول إن هناك جزءًا لم نسمعه.

«كنت أنفذ الأوامر»

أكثر ما أثارني في شخصية الضابط هو احتماؤه بفكرة أنه رجل قانون وأنه كان ينفذ الأوامر.

فعبارة «تنفيذ الأوامر» كانت في مراحل كثيرة من التاريخ وسيلة للهروب من المسؤولية الفردية.

لكن القانون، والأهم من القانون الضمير الإنساني، يطرحان سؤالًا أبسط: هل كل أمر يصبح أخلاقيًا لمجرد أن صاحب رتبة أعلى أصدره؟

وهنا تحديدًا وجدت نفسي أفكر بما يعرضه فيلم «NAZA» من شهادات عن آليات القصف والاستهداف في غزة.

الفيلم نفسه أصبح موضع مواجهة سياسية حادة في إسرائيل، وهذا وحده يكشف حجم الحساسية عندما تنتقل الأسئلة من الخارج إلى داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.

نتنياهو والضابط في «بونانزا»

بالنسبة إليّ، بدا الضابط في الحلقة كأنه صورة درامية قديمة تذكّرني ببنيامين نتنياهو؛ ليس بمعنى التطابق بين شخصية خيالية ورئيس حكومة حقيقي، وإنما من زاوية السؤال عن المسؤولية السياسية.

فنتنياهو كان رئيس الحكومة خلال الحرب على غزة، وبالتالي فإن النقاش حول المسؤولية السياسية عن قرارات حكومته وعن إدارة الحرب أمر مشروع وأساسي.

لكن الفارق أن الضابط في الحلقة يصل في النهاية إلى يد القانون، بينما تبدو المحاسبة السياسية والقانونية في واقعنا أكثر تعقيدًا وأبطأ بكثير.

وهذا هو رأيي ككاتب، وليس حكمًا قضائيًا بشأن المسؤولية الجنائية لأي شخص.

ثم جاءت تقارير تحذير الإمارات

وزاد من إلحاح هذه الأسئلة ما نشر مؤخرًا في إسرائيل بشأن أحداث ما قبل هجوم السابع من أكتوبر 2023.

فقد نشرت صحيفة «هآرتس» تقريرًا قالت فيه إن الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد نقل إلى نتنياهو قبل الهجوم بنحو عشرة أيام تحذيرًا يتعلق بتحرك كبير تخطط له حماس.

وأكد مصدر إماراتي مطلع لوسائل إعلام إسرائيلية أن تحذيرًا نُقل بالفعل، بينما نفى مكتب نتنياهو الرواية بشدة، وأعلن رئيس الحكومة عزمه مقاضاة الصحيفة.

كما تحدثت التقارير عن رسالة تحذيرية من يحيى السنوار وصلت عبر وسيط فلسطيني ثم إلى الإمارات قبل أن تُنقل إلى الجانب الإسرائيلي.

إذًا نحن أمام ادعاء خطير ومتنازع عليه، وليس أمام حقيقة قضائية محسومة. لكن مجرد وجود هذا النقاش يعيد طرح سؤال المسؤولية السياسية عن الإشارات والتحذيرات التي سبقت السابع من أكتوبر.

هل نتعلم عندما نتعلم ما يكفي؟

هنا عدت مرة أخرى إلى جملة كوتشيس:

«كلنا نتعلم عندما نتعلم ما يكفي».

المشكلة أن البشر كثيرًا ما يملكون ما يكفي من الوقائع ولا يتعلمون.

يعرفون ماذا يمكن أن تفعله الكراهية.

يعرفون ماذا تفعل الأفكار المسبقة.

يعرفون أن نزع إنسانية الطرف الآخر يفتح الباب أمام ارتكاب أفعال لم يكن الإنسان ليقبلها لو رأى ضحيتها فردًا يشبهه.

ويعرفون أن تجاهل التحذيرات، أو رفض الاعتراف بالأخطاء، أو إلقاء المسؤولية دائمًا على الآخرين، لا يصنع أمنًا ولا عدلًا.

المسلسل الخيالي فعل ما يعجز عنه الواقع

في «بونانزا» كانت النهاية مريحة للمشاهد.

ظهرت الحقيقة.

احترم القائد العسكري تعهده.

عوقب نائبه لأنه خالف الأوامر.

نُقل الجريح إلى العلاج.

وأُلقي القبض على الضابط ليواجه المحاكمة.

كل شيء عاد إلى مكانه تقريبًا خلال أقل من ساعة تلفزيونية.

لكن الحياة ليست حلقة تلفزيونية.

في الواقع قد يستمر الظلم سنوات، وقد يعرف الجميع ما حدث، وقد تظهر الوثائق والشهادات والأفلام والتحقيقات، ثم تبقى المحاسبة مؤجلة.

لهذا خرجت من الحلقة والفيلم بالفكرة ذاتها: يمكن للحقيقة أن تظهر، ويمكن للروايات المسبقة أن تنهار، ويمكن للإنسان أن يتعلم.. لكن المشكلة تبدأ عندما يبقى العدل نفسه في إجازة.

ربما نحن بحاجة إلى شيء من شجاعة ذلك القائد الخيالي الذي عرف كيف يقول لنائبه: لقد خالفت الأمر، فتحمّل المسؤولية.

وربما نحن بحاجة أكثر إلى معنى العبارة التي قالها كوتشيس:

أن نتعلم عندما يصبح لدينا ما يكفي لنتعلم.

لكن حتى ذلك الحين، يبدو أن لدينا الكثير من «بونانزا» و«NAZA» والقليل جدًا من العدالة.


أسئلة حول المقال

ما هي حلقة «شرف كوتشيس» من مسلسل بونانزا؟

هي حلقة من مسلسل «بونانزا» الأميركي عُرضت عام 1961، وتتناول مواجهة بين عائلة كارترايت ومجموعة من الأباتشي بسبب ضابط عسكري لجأ إلى حماية العائلة.

ما هو فيلم NAZA؟

هو فيلم وثائقي من إخراج يوفال أبراهام وراشيل زور يتناول آليات الاستهداف العسكري الإسرائيلي وسقوط المدنيين في غزة، ويعتمد على شهادات من داخل المؤسستين العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية.

لماذا أثار NAZA جدلًا في إسرائيل؟

لأن الفيلم يتضمن ادعاءات وانتقادات حادة بشأن العمليات العسكرية في غزة، وقد رفضها نتنياهو ومسؤولون إسرائيليون آخرون واتهموا الفيلم بتشويه صورة الجيش.

هل ثبت أن الإمارات حذرت نتنياهو قبل 7 أكتوبر؟

نشرت تقارير إسرائيلية أن الإمارات نقلت تحذيرًا إلى نتنياهو قبل الهجوم، وأكد مصدر إماراتي جانبًا من الرواية، لكن نتنياهو ينفي تلقي التحذير وفق الصيغة المنشورة، وبالتالي لا تزال المسألة موضع خلاف سياسي وإعلامي.

ما الفكرة الأساسية للمقال؟

يربط الكاتب بين عمل درامي قديم وفيلم وثائقي حديث لطرح أسئلة عن الصور المسبقة، وتنفيذ الأوامر، والمسؤولية السياسية، وتأخر العدالة والمحاسبة.

زياد شليوط
شفاعمرو – الجليل

تنويه: المقال يعبر عن رأي كاتبه وتحليله الشخصي، ولا يمثل بالضرورة الموقف التحريري لـ«نداء الوطن».