منعوا الرئيس… لن يستطيعوا منع فلسطين | ماجد هديب

منعوا الرئيس… لن يستطيعوا منع فلسطين | ماجد هديب

لم يكن منع الرئيس الفلسطيني محمود عباس من الوصول إلى نيويورك للمشاركة حضوريًا في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد مسألة تأشيرة أو سفر. ففي قراءة الكاتب ماجد هديب، يمكن أن تتحول واقعة الغياب نفسها إلى فرصة سياسية لإعادة طرح فلسطين أمام العالم، ليس بوصفها قضية شكوى فقط، وإنما باعتبارها مشروع دولة يحتاج إلى وحدة المؤسسات وتجديد الشرعية والانتخابات ورؤية سياسية واضحة للمستقبل.

بقلم: ماجد هديب

لم يكن منع الرئيس الفلسطيني محمود عباس من الوصول إلى نيويورك للمشاركة حضوريًا في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد إجراء يتعلق بالتأشيرة والسفر، بل حمل في توقيته ودلالاته السياسية معنى يتجاوز شخص الرئيس إلى القضية التي يحملها والشعب الذي يمثله.

فالولايات المتحدة تستطيع أن تمنع الرئيس الفلسطيني من عبور حدودها، لكنها لا تستطيع أن تمنع قضية فلسطين من الوصول إلى قاعة الأمم المتحدة، ولا أن تلغي حضور الشعب الفلسطيني من ذاكرة العالم أو من النقاش السياسي الدولي.

وجاء قرار واشنطن بمنع عباس وعدد من المسؤولين الفلسطينيين من الحصول على تأشيرات للمشاركة الحضورية في اجتماعات الجمعية العامة للعام الثاني على التوالي. وفي المقابل، أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة مشاركة فلسطين عن بُعد، وسمحت بعرض كلمة مسجلة للرئيس الفلسطيني داخل القاعة.

السؤال ليس لماذا مُنع الرئيس

غياب الرئيس الفلسطيني القسري عن مقعده في قاعة الأمم المتحدة لا ينبغي، في رأيي، أن يتحول إلى غياب فلسطيني عن المشهد.

ولهذا يجب أن تصبح واقعة المنع نفسها جزءًا من مضمون الخطاب السياسي الفلسطيني أمام المجتمع الدولي.

السؤال الأهم ليس: لماذا مُنع الرئيس من الوصول إلى القاعة؟ بل: ماذا ستفعل القيادة الفلسطينية حتى تكون فلسطين نفسها في صدارة القاعة رغم غياب رئيسها عنها؟

فالقرار الأميركي أصبح واقعًا، والجمعية العامة وفرت آلية تسمح بوصول الخطاب الفلسطيني إلى الدول الأعضاء.

ومن هنا تصبح قيمة المشاركة مرتبطة بما سيقال، وبمدى قدرة الخطاب الفلسطيني على الانتقال من الاعتراض على قرار المنع إلى تقديم رؤية سياسية لما ينبغي أن يحدث بعد ذلك.

فلسطين تحتاج خطابًا يتجاوز وصف المأساة

المرحلة الراهنة، في تقديري، لم تعد تحتمل خطابًا فلسطينيًا يكتفي بعرض المأساة أو بتكرار المطالب التقليدية.

من حق الرئيس الفلسطيني أن يقول للعالم بوضوح إن الشعب الفلسطيني صاحب حقوق وطنية وسياسية، وإن المجتمع الدولي الذي أقر هذه الحقوق مطالب بأن تكون قراراته أكثر قدرة على حمايتها وترجمتها سياسيًا.

لكن الخطاب الفلسطيني يحتاج في الوقت نفسه إلى أن يقدم إجابات واضحة عن مستقبل النظام السياسي الفلسطيني نفسه.

غزة ليست فراغًا سياسيًا

يجب أن تكون الرسالة واضحة: غزة ليست فراغًا سياسيًا، وليست مشروعًا لإدارة مؤقتة بلا أفق، وليست ساحة مفتوحة لتعدد السلطات ومراكز القرار والسلاح.

غزة جزء لا يتجزأ من الوطن الفلسطيني، ومستقبلها يجب أن يرتبط، وفق الرؤية التي أطرحها، بإعادة بناء نظام سياسي فلسطيني موحد ومؤسسات مهنية وأجهزة أمنية تعمل وفق القانون وتخدم المواطن، لا وفق الانتماء الحزبي أو السياسي.

وأي تصور لمستقبل غزة بمعزل عن الضفة الغربية والقدس وعن النظام السياسي الفلسطيني الموحد سيعيد إنتاج الانقسام بدل إنهائه.

إنهاء الانقسام لا يجب أن يبقى شعارًا

وفي الوقت نفسه، لم يعد مقبولًا أن يبقى إنهاء الانقسام شعارًا تستخدمه القوى والفصائل عندما تقتضي مصالحها ذلك.

المصالحة الحقيقية تحتاج إلى مؤسسات واحدة وقانون واحد وقرار سياسي واحد، والأهم أنها تحتاج إلى إعادة المواطن الفلسطيني إلى مركز العملية السياسية.

2.97 مليون ناخب.. ماذا بعد؟

أعلنت لجنة الانتخابات المركزية أن نحو 2.97 مليون فلسطيني يملكون حق الاقتراع في الانتخابات التشريعية المقررة في 28 نوفمبر، موزعين بين الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.

هذا الرقم ليس مجرد إحصائية.

إنه في جوهره سؤال سياسي عن حق ملايين الفلسطينيين في اختيار من يمثلهم.

فالشعب الذي يُطلب منه الصمود والدفاع عن قضيته والتعايش مع جيرانه يجب أن يمتلك، قبل كل شيء، فرصة حقيقية لاختيار مؤسساته وممثليه.

تجديد الشرعية لا يتحقق بالشعارات، بل بصندوق الاقتراع، واحترام نتائجه، وبناء مؤسسات يستطيع المواطن أن يحاسبها ويغيرها.

الأمن لا يمكن أن يكون بديلًا عن السلام

أما الرسالة التي أرى أن على الرئيس الفلسطيني توجيهها إلى إسرائيل والدول الداعمة لها، فهي أن الأمن لا يمكن أن يكون بديلًا دائمًا عن السلام، وأن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع إنتاج استقرار مستدام.

وإذا كان المجتمع الدولي ما زال يتحدث عن حل الدولتين، فإن المطلوب هو الانتقال من إدارة الصراع إلى معالجة جذوره السياسية.

والمقصود هنا هو وجود دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل، في إطار تسوية تقوم على حقوق متبادلة وترتيبات أمنية للطرفين ومرجعية دولية واضحة.

لكن ماذا سيقدم الفلسطينيون للعالم؟

في المقابل، لا تستطيع القيادة الفلسطينية أن تطالب العالم بكل شيء من دون أن تقدم هي الأخرى مشروعًا سياسيًا واضحًا للدولة التي تريد بناءها.

ويجب أن يقوم هذا المشروع، في رأيي، على:

  • سيادة القانون.
  • توحيد المؤسسات الفلسطينية.
  • مكافحة الفساد.
  • استقلال القضاء.
  • احتكار المؤسسات الشرعية للسلاح.
  • حماية الحريات العامة.
  • إجراء انتخابات دورية ونزيهة.
  • إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم.

وعندما يصبح هذا المشروع جزءًا واضحًا من الخطاب الفلسطيني، فإن قضية منع الرئيس من السفر تصبح أقل أهمية من الرسالة السياسية التي يمكن أن تنتج عنها.

منع الرئيس يمكن أن يصبح فرصة

ربما تستطيع واقعة المنع أن تتحول إلى مناسبة لإعادة تعريف العلاقة بين القيادة والشعب، وبين فلسطين والمجتمع الدولي.

ففلسطين لم تعد بحاجة فقط إلى أن يسمع العالم شكواها.

إنها تحتاج كذلك إلى أن يسمع العالم مشروعها.

مشروع لإنهاء الحرب، وإعادة إعمار غزة، وتوحيد المؤسسات، وتجديد الشرعية بالانتخابات، وبناء مؤسسات دولة مهنية وقانونية، والوصول إلى تسوية سياسية تنهي الاحتلال وتتيح قيام دولتين تعيشان جنبًا إلى جنب بسلام وأمن.

قد يُمنع الرئيس من السفر، وقد يُمنع من الجلوس في مقعده داخل القاعة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة غياب فلسطين. فالدولة لا تبنى بالتأشيرات، والقضية الفلسطينية لا تختصر في شخص رئيس أو وفد أو خطاب.

الحضور السياسي أهم من المقعد

التحدي الحقيقي أمام القيادة الفلسطينية اليوم ليس فقط كيفية تعويض غياب الرئيس عن مقعده في الأمم المتحدة.

التحدي هو كيف تجعل من هذا الغياب لحظة لإعادة بناء الحضور الفلسطيني؛ حضور يقوم على الوحدة والشرعية والبرنامج السياسي والمؤسسات.

عندها فقط يمكن أن نقول:

نعم، نجحوا في منع الرئيس من الحضور إلى قاعة الأمم المتحدة، لكنهم لم ينجحوا في منع فلسطين من تصدر أعمال هذه القاعة.

أسئلة مرتبطة بالمقال

هل مُنع محمود عباس من حضور الجمعية العامة شخصيًا؟

نعم. رفضت الولايات المتحدة منح الرئيس الفلسطيني وعدد من المسؤولين الفلسطينيين تأشيرات للمشاركة الحضورية في اجتماعات الجمعية العامة للعام الثاني على التوالي.

هل سيغيب الخطاب الفلسطيني عن الجمعية العامة؟

لا. وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على السماح بعرض كلمة مسجلة للرئيس محمود عباس داخل القاعة.

كيف صوتت الجمعية العامة على المشاركة الفلسطينية عن بُعد؟

أُقر القرار بأغلبية 152 دولة، مقابل معارضة الولايات المتحدة وإسرائيل وباراغواي، وامتناع أربع دول عن التصويت.

كم عدد الفلسطينيين الذين يحق لهم الاقتراع؟

وفق لجنة الانتخابات المركزية، يبلغ عدد أصحاب حق الاقتراع نحو 2.97 مليون فلسطيني في الضفة الغربية، بما فيها القدس، وقطاع غزة.

ما الفكرة الرئيسية التي يطرحها المقال؟

أن منع الرئيس من الحضور الشخصي يمكن أن يتحول إلى فرصة لإعادة صياغة الخطاب الفلسطيني حول الوحدة والانتخابات وبناء المؤسسات ومشروع الدولة، بدل حصر النقاش في قرار التأشيرة وحده.

تنويه: المقال يعبر عن رأي كاتبه ماجد هديب، ولا تمثل الآراء والاستنتاجات السياسية الواردة فيه بالضرورة موقف نداء الوطن.

بقلم: ماجد هديب