
كشفت انتخابات برلين ومكلنبورغ-فوربومرن عن وجهين مختلفين للغضب السياسي في ألمانيا: حزب البديل من أجل ألمانيا تصدر الولاية الشمالية الشرقية بنسبة 38.2%، بينما منح ناخبو العاصمة حزب اليسار أفضل نتيجة في تاريخه هناك بنسبة 25.7%. والجامع بين المشهدين ليس اتجاهًا أيديولوجيًا واحدًا، بل تراجع الولاءات الحزبية القديمة واتساع السخط على الحكومات والأحزاب التقليدية.
دوسلدورف – بقلم أحمد سليمان العُمري
واصلت انتخابات برلين وولاية مكلنبورغ-فوربومرن إعادة رسم الخريطة السياسية الألمانية، لكنها فعلت ذلك في اتجاهين مختلفين.
ففي مكلنبورغ-فوربومرن أصبح حزب البديل من أجل ألمانيا AfD القوة الأولى بحصوله على 38.2% من الأصوات، متقدمًا على الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي حصل على 35.5%.
والمفارقة أن AfD كان قد حصل على 16.7% فقط في انتخابات الولاية السابقة، ما يعني أنه أكثر من ضاعف حصته الانتخابية.
وفي برلين ارتفعت حصة الحزب أيضًا إلى 16.3% من الأصوات الثانية، مقارنة بـ9.1% في انتخابات 2023.
وبالتالي، فإن الحديث عن تراجع البديل في برلين لا تدعمه الأرقام؛ الحزب تقدم في العاصمة أيضًا، لكنه لم يكن المستفيد الأكبر من موجة السخط كما حدث في مكلنبورغ.
شرق واحد.. لكن سلوك انتخابي مختلف
من السهل اختزال النتيجتين بالقول إن شرق ألمانيا يتجه نحو AfD، لكن انتخابات برلين ومكلنبورغ تظهر أن الصورة أكثر تعقيدًا.
فمكلنبورغ-فوربومرن ولاية شرقية كاملة كانت جزءًا من جمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة، بينما تمثل برلين حالة مختلفة تاريخيًا واجتماعيًا؛ إذ كانت المدينة مقسمة بين شرق وغرب برلين قبل الوحدة الألمانية.
وهذا التاريخ المختلف يضاف إلى فروق واضحة في التركيبة السكانية والاقتصاد والعمران والقضايا المحلية.
لذلك لا يمكن التعامل مع «الناخب الشرقي» باعتباره كتلة سياسية واحدة تتحرك بالاتجاه نفسه.
السخط على الحكومة الاتحادية هو القاسم المشترك
القاسم المشترك الأوضح بين الولايتين هو الغضب من أداء الحكومة الاتحادية.
فقد أظهرت استطلاعات Infratest dimap يوم الانتخابات أن 59% من الناخبين في مكلنبورغ-فوربومرن و53% في برلين رأوا أن الحكومة الاتحادية تستحق ما يمكن وصفه بـ«صفعة انتخابية».
وفي العاصمة، وصلت نسبة الرضا عن حكومة الولاية قبيل الانتخابات إلى 20% فقط، وهو مستوى شديد الانخفاض.
إذن لم تكن صناديق الاقتراع تتحدث عن الهجرة والأمن وحدهما؛ الأسعار والسكن والاقتصاد والنقل والخدمات، إلى جانب الثقة بالحكومات، كانت جزءًا أساسيًا من المزاج الانتخابي.
الغضب يسلك طريقين مختلفين
في مكلنبورغ-فوربومرن استطاع AfD أن يكون أكبر وعاء لهذا الغضب.
وتشير بيانات انتقال الأصوات التي أعدتها Infratest dimap إلى أن الحزب كسب صافي نحو 66 ألف صوت من كتلة غير المصوتين سابقًا، ونحو 48 ألفًا من الاشتراكي الديمقراطي، و32 ألفًا من الاتحاد المسيحي الديمقراطي، فضلًا عن أصوات انتقلت إليه من اليسار والحزب الديمقراطي الحر.
وهذه التحولات تكشف أن الزيادة لم تأت من مصدر انتخابي واحد.
AfD لم يعد ظاهرة مرتبطة بجيل واحد
الأكثر دلالة أن تقدم الحزب في مكلنبورغ لم يقتصر على الشرائح الأكبر عمرًا.
فقد حصل AfD على نحو 33% لدى الناخبين دون الخامسة والعشرين، وهو ما يضعف التفسير الذي يحصر صعود الحزب في جيل شرق ألماني قديم مرتبط بتجربة ما قبل الوحدة.
هناك جيل جديد أيضًا يصوت للحزب، حتى وإن اختلفت أسبابه ودوافعه عن الأجيال الأكبر.
ضربة تاريخية للاتحاد المسيحي
في الطرف الآخر من الصورة تقف النتيجة غير المسبوقة للاتحاد المسيحي الديمقراطي.
حصل CDU في مكلنبورغ-فوربومرن على 4.9% فقط، بعدما كان عند 13.3% في انتخابات 2021.
وبذلك أخفق لأول مرة منذ قيام جمهورية ألمانيا الاتحادية في تجاوز عتبة الخمسة بالمئة والدخول إلى برلمان ولاية ألمانية.
الأمر لا يعكس فقط انتقال أصوات نحو AfD، وإنما أزمة أوسع أصابت أحد الحزبين التقليديين الكبيرين في ألمانيا.
مانويلا شفيزيغ.. العامل المحلي الذي خفف الخسارة
ورغم تقدم AfD، تمكن الحزب الاشتراكي الديمقراطي بقيادة رئيسة حكومة الولاية مانويلا شفيزيغ من الوصول إلى 35.5% والبقاء قريبًا جدًا من الحزب المتصدر.
وشفيزيغ كانت قبل الانتخابات بفارق واضح أكثر المرشحين شعبية في الولاية، إذ حظيت بتقييم إيجابي من 58% من الناخبين في استطلاع Infratest dimap.
وفي مواجهة مباشرة بينها وبين مرشح AfD لايف-إريك هولم، فضلها 59% مقابل 28% لمنافسها.
وقد ساعد حضورها المحلي وقدرتها على إظهار مسافة في بعض الملفات بينها وبين السياسة الاتحادية على إبقاء قسم من الناخبين الغاضبين داخل معسكر SPD.
وهذه جزئية أساسية: وصول AfD إلى 38.2% لا يعني أن جميع المعترضين على الحكومة الاتحادية اتجهوا نحوه؛ جزء كبير منهم بقي مع الاشتراكيين بفضل عوامل محلية وشخصية.
أما برلين.. فالقصة مختلفة
العاصمة الألمانية شديدة التحضر والتنوع، وقضاياها اليومية تختلف بصورة واضحة عن مكلنبورغ.
السكن والإيجارات وارتفاع تكاليف المعيشة والنقل والبنية التحتية والخدمات الحضرية كانت في قلب المنافسة.
وهنا وجد الناخب الغاضب أكثر من طريق للتعبير عن اعتراضه.
AfD صعد بالفعل، لكن حزب اليسار Die Linke كان صاحب القفزة الأكبر.
25.7% لليسار.. أفضل نتيجة له في برلين
حصل حزب اليسار على 25.7% من الأصوات الثانية، مقارنة بـ12.2% في انتخابات 2023، محققًا أفضل نتيجة له في تاريخ انتخابات برلين.
ولم يعد نجاحه قائمًا فقط على قاعدته التقليدية في مناطق شرق برلين السابقة.
فقد وسع الحزب حضوره إلى أجزاء من غرب المدينة، ونجح خصوصًا بين الناخبين الأصغر سنًا.
وبحسب بيانات ما بعد الاقتراع، حصل اليسار على نحو 43% لدى الناخبين دون 25 عامًا، ونحو 48% لدى الفئة بين 25 و34 عامًا.
كما تشير تقديرات انتقال الأصوات إلى أنه كسب صافي نحو 75 ألف صوت من غير المصوتين سابقًا، إضافة إلى 57 ألفًا من الخضر و39 ألفًا من SPD و16 ألفًا من CDU.
إليف إرالب وإعادة تشكيل صورة اليسار
برزت المرشحة الرئيسية للحزب إليف إرالب خلال الحملة بوصفها إحدى الشخصيات التي ربطت خطاب اليسار بقضايا السكن والإيجارات والتكاليف المعيشية.
وركز الحزب على مشروعه لتوسيع السيطرة العامة على السكن ومواجهة شركات العقارات الكبرى، وهي قضية تتمتع بثقل خاص في مدينة مثل برلين.
وبذلك أصبح اليسار قادرًا على جذب ناخبين حضريين وشباب وناخبين لم يعودوا مرتبطين بالقواعد الحزبية التقليدية.
فلسطين وغزة في خطاب اليسار
وفي ملف غزة وفلسطين، اتخذ حزب اليسار خلال مؤتمره الاتحادي في يونيو موقفًا واضحًا.
فقد تبنى الحزب توصيف ما تقوم به إسرائيل في قطاع غزة بأنه «إبادة جماعية»، وطالب بوقف الدعم السياسي والعسكري للحرب ووقف صادرات الأسلحة الألمانية إلى إسرائيل.
كما دعا إلى الاعتراف بدولة فلسطين على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية ضمن تسوية سياسية.
ويمثل ذلك موقفًا حزبيًا يتجاوز شخصية إليف إرالب ويعكس قرارًا صادرًا عن المؤتمر الاتحادي للحزب.
لكن يجب التمييز بين الأمرين: موقف الحزب من غزة موثق، أما اعتبار هذا الموقف سببًا رئيسيًا لنجاحه الانتخابي في برلين فلا تثبته بيانات ما بعد الانتخابات المتاحة؛ إذ تشير الدراسات بصورة أوضح إلى السكن والأسعار والقضايا الاجتماعية والعمرية.
الغضب موجود في المدينتين.. لكن المستفيد مختلف
يمكن إذن قراءة الانتخابات باعتبارها تعبيرًا عن غضب سياسي واسع، لكن هذا الغضب لا ينتج النتيجة الحزبية نفسها في كل مكان.
في مكلنبورغ كان AfD المستفيد الأكبر.
وفي برلين توزعت أصوات الاعتراض بين أكثر من اتجاه، وحصل حزب اليسار على الحصة الأكبر منها.
وهذا هو الفارق الذي يجعل العبارة التقليدية القائلة إن «شرق ألمانيا معقل موحد للبديل» أقل قدرة على تفسير التحولات الراهنة.
ليس كل الشرق نسخة واحدة
صحيح أن AfD يحقق مستويات مرتفعة في عدد من الولايات الشرقية، وأنه حقق نتائج كبيرة في مكلنبورغ وقبلها في ولايات أخرى.
لكن بيئة برلين الاجتماعية والاقتصادية تختلف.
في العاصمة توجد كتلة شبابية كبيرة، وطبقة حضرية مرتبطة بقضايا الإيجارات والسكن والخدمات، ومجتمع أكثر تنوعًا من حيث الخلفيات الاجتماعية والثقافية.
وهذا يمنح قوى أخرى، ومنها اليسار والخضر، فرصًا أكبر لاستيعاب أصوات الاحتجاج.
المشكلة أوسع من AfD
النتيجة الأهم في رأيي ليست فقط استمرار صعود حزب البديل.
الأهم هو أن المنظومة الحزبية الألمانية نفسها أصبحت أكثر سيولة.
الناخب أقل ارتباطًا بحزبه القديم، وأكثر استعدادًا للانتقال إلى حزب مختلف إذا شعر بأن القضايا التي تشغله لم تعد تجد إجابة لدى القوى التقليدية.
وقد أظهرت انتقالات الأصوات في الولايتين حجم الحركة بين الأحزاب وبين كتلة غير المصوتين.
انتخابات تعيد تعريف سؤال الاستقرار السياسي
السؤال الذي تطرحه النتائج ليس فقط: إلى أي مدى يستطيع AfD مواصلة التقدم؟
بل أيضًا: لماذا يجد السخط السياسي طريقًا إلى AfD في بعض البيئات، بينما تستوعبه أحزاب أخرى في مدن مثل برلين؟
والإجابة لا توجد في عامل واحد مثل الهجرة أو الاقتصاد أو الهوية، وإنما في التفاعل بين القضايا المحلية والبنية الاجتماعية وثقة الناخبين في المرشحين وقدرة الأحزاب على تقديم نفسها بوصفها أداة تغيير.
الخلاصة: أظهرت صناديق برلين ومكلنبورغ-فوربومرن أن الناخب الألماني أصبح أقل وفاءً للخرائط الحزبية القديمة. في مكلنبورغ توجه الجزء الأكبر من الغضب نحو AfD، بينما وجد قسم واسع من ناخبي برلين طريقه إلى اليسار. وما يتغير في ألمانيا اليوم ليس حزبًا واحدًا فقط، وإنما العلاقة نفسها بين الناخب والمنظومة الحزبية التقليدية.
أسئلة مرتبطة بانتخابات برلين ومكلنبورغ
كم حصل AfD في مكلنبورغ-فوربومرن؟
حصل الحزب على 38.2% من الأصوات، مقابل 35.5% للحزب الاشتراكي الديمقراطي.
هل تراجع AfD في برلين؟
لا. ارتفعت حصته من 9.1% في انتخابات 2023 إلى 16.3% في الانتخابات الأخيرة.
من تصدر انتخابات برلين؟
حزب اليسار حصل على أعلى حصة من الأصوات الثانية بنسبة 25.7%.
ماذا حدث للاتحاد المسيحي في مكلنبورغ؟
حصل على 4.9% وفشل في تجاوز عتبة الخمسة بالمئة، ليغيب عن برلمان الولاية.
هل كان الغضب من الحكومة الاتحادية عاملًا في الانتخابات؟
نعم. قال 59% من ناخبي مكلنبورغ و53% من ناخبي برلين إن الحكومة الاتحادية تستحق «صفعة انتخابية»، وفق Infratest dimap.
لماذا حقق اليسار نتيجة قوية في برلين؟
أظهرت بيانات الانتخابات قوة الحزب بين الشباب، إضافة إلى تركيزه على السكن والإيجارات والقضايا الاجتماعية واستفادته من ناخبين سابقين لأحزاب أخرى ومن غير المصوتين.
ما موقف حزب اليسار الألماني من حرب غزة؟
قرر مؤتمر الحزب الاتحادي في يونيو وصف الحرب الإسرائيلية في غزة بأنها إبادة جماعية، وطالب بوقف صادرات السلاح الألمانية والدعم العسكري للحرب، وهو موقف حزبي معلن.
بقلم: أحمد سليمان العُمري – دوسلدورف