
ما زال المشهد الفلسطيني يعيش واحدة من أكثر مراحله حساسية وتعقيدًا، في ظل الحرب في قطاع غزة، وتصاعد التوترات في الضفة الغربية والقدس، واستمرار الانقسام الداخلي الذي أضعف قدرة النظام السياسي الفلسطيني على التعامل مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.
وفي تقديري، فإن نقطة البداية في معالجة جانب كبير من هذا المشهد تبقى من الداخل الفلسطيني نفسه؛ من القدرة على مراجعة الخيارات، وإعادة ترتيب الأولويات، وبناء موقف وطني أكثر تماسكًا يستطيع مخاطبة الشعب الفلسطيني أولًا، ثم العالم من موقع أكثر قوة ووضوحًا.
الفكرة المركزية:
لا يمكن فصل قوة الموقف الفلسطيني خارجيًا عن تماسك البيت الفلسطيني داخليًا؛ فالوحدة السياسية والمؤسساتية ليست مجرد شعار، وإنما عنصر رئيسي في القدرة على صياغة استراتيجية وطنية قابلة للعمل.
البداية من الداخل الفلسطيني
الواقع الفلسطيني لا يتحرك بمعزل عن عوامل خارجية كثيرة؛ من السياسات الإسرائيلية إلى الموقف الأميركي، والمشهد الإقليمي والعربي، وتحولات المواقف الدولية.
لكن إلى جانب هذه العوامل، يبقى الانقسام الداخلي واحدًا من الملفات التي يستطيع الفلسطينيون أنفسهم التأثير فيها بصورة مباشرة.
ومن هنا تتكرر المبادرات واللقاءات والندوات والبيانات الداعية إلى الحوار الوطني وإنهاء الانقسام وإعادة بناء المؤسسات على أسس أكثر قدرة على تمثيل الفلسطينيين ومواجهة تحديات المرحلة.
مبادرة منيب المصري: «إنهاء الانقسام ورص الصفوف وتوحيد الفكر»
وفي هذا السياق جاءت المبادرة التي قدمها رجل الأعمال والاقتصادي الفلسطيني منيب رشيد المصري خلال لقاءات عقدت في مقر منظمة التحرير الفلسطينية منتصف سبتمبر/أيلول 2026، تحت عنوان:
«إنهاء الانقسام ورص الصفوف وتوحيد الفكر:
الأولوية الوطنية في اللحظة الفلسطينية الراهنة»
تنطلق المبادرة من اعتبار أن القضية الفلسطينية تواجه مرحلة شديدة الخطورة، وأن استمرار الانقسام وتعدد المرجعيات يبددان جزءًا من القدرة الفلسطينية على التعامل مع هذه التحديات.
ويطرح المصري الوحدة الوطنية باعتبارها مدخلًا لإعادة بناء النظام السياسي وتجديد المؤسسات واستعادة الثقة بها.
تجديد الشرعيات والتعددية ووحدة القرار
من النقاط المهمة التي تطرحها المبادرة ضرورة تجديد الشرعيات وضخ دماء جديدة في المؤسسات الوطنية، بما يفتح المجال أمام مشاركة أوسع للشباب والكفاءات ومختلف مكونات المجتمع الفلسطيني.
كما تركز المبادرة على عدد من المبادئ المرتبطة بالحياة السياسية والانتخابات، من بينها:
- بناء الثقة بين الأطراف الفلسطينية.
- التوافق مسبقًا على احترام نتائج الانتخابات.
- الإيمان بأن التعددية السياسية جزء طبيعي من النظام الديمقراطي.
- إتاحة المجال أمام التنافس السياسي ضمن قواعد متفق عليها.
- الحفاظ في الوقت نفسه على وحدة المؤسسات والقرار الوطني.
وهي أفكار تتقاطع مع النقاش الفلسطيني الأوسع حول ضرورة وجود نظام سياسي واحد ومؤسسات موحدة ومرجعية وطنية جامعة.
ثلاثة أبعاد للمبادرة
لا تقتصر ورقة منيب المصري على معالجة الانقسام الداخلي فقط، بل تتحرك ضمن ثلاثة أبعاد مترابطة: الدولي، والعربي، والفلسطيني.
أولًا: البعد الدولي
تلفت المبادرة إلى أهمية تطوير الطريقة التي تُعرض بها القضية الفلسطينية أمام العالم، بحيث لا يقتصر الخطاب على عرض المعاناة والمظلومية، بل يربط الحقوق الفلسطينية بمنظومة أوسع من القيم الإنسانية، مثل الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية ورفض العنصرية والحروب.
وأرى أن هذه النقطة تستحق الانتباه؛ لأن الخطاب الفلسطيني أمام المجتمعات الدولية يحتاج إلى لغة تستطيع ربط القضية الوطنية الفلسطينية بالمفاهيم التي يفهمها العالم ويتفاعل معها.
ثانيًا: البعد العربي
تنظر المبادرة إلى المحيط العربي باعتباره مصدر قوة حضارية وسياسية، لكنها لا تتوقف عند هذا الوصف، بل تدعو إلى ترجمة العلاقة العربية الفلسطينية إلى شراكات وتحالفات سياسية واقتصادية وثقافية ومجتمعية.
والمطلوب هنا، وفق هذا التصور، الانتقال من الخطاب العام حول العمق العربي إلى بناء مصالح وبرامج مشتركة قابلة للعمل والاستمرار.
ثالثًا: البعد الفلسطيني الداخلي
وهنا، في تقديري، يوجد مربط الفرس في المبادرة.
فالمصري يطرح عددًا من الخطوات العملية التي تبدأ بحوار وطني شامل ولا تنتهي عند مجرد إعلان النوايا.
أبرز خطوات المسار الداخلي المقترح:
- إطلاق حوار وطني شامل يضم الفصائل والقوى السياسية والمجتمع المدني والقطاع الخاص.
- ضمان مشاركة المرأة والشباب والشخصيات الوطنية المستقلة، ويمكن أن يمتد الحوار أيضًا إلى الأكاديميين والمثقفين ومراكز الدراسات.
- وضع خارطة طريق واضحة ومحددة زمنيًا بدل الاكتفاء بالبيانات واللقاءات.
- توحيد المؤسسات الفلسطينية وإعادة بناء التوافق حول برنامج سياسي مشترك.
- تعزيز دور منظمة التحرير الفلسطينية ضمن عملية إعادة بناء النظام السياسي.
الحوار وحده لا يكفي
الخبرة الفلسطينية مع جولات الحوار السابقة تجعل السؤال المشروع هو: ما الذي سيجعل حوارًا جديدًا مختلفًا عن الحوارات التي سبقته؟
ولهذا تبدو فكرة خارطة الطريق المحددة زمنيًا من أهم عناصر المبادرة؛ لأن المشكلة لم تكن يومًا في نقص البيانات التي تتحدث عن الوحدة، وإنما في قدرة القوى المختلفة على ترجمة التوافقات المكتوبة إلى خطوات عملية ومؤسسات وسياسات.
كما أن أي حوار وطني جدي يحتاج، في رأيي، إلى مراجعة سياسية حقيقية للسنوات الماضية، بما يشمل القرارات والخيارات التي اتخذتها جميع الأطراف، والنتائج التي ترتبت عليها.
غزة وضرورة المراجعة الوطنية
منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخل الفلسطينيون مرحلة تختلف في حجم آثارها الإنسانية والسياسية عما سبقها.
وشكل انفجار المستشفى الأهلي العربي «المعمداني» في غزة في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إحدى أكثر اللحظات دموية وإثارة للجدل في الأسابيع الأولى للحرب، وسط روايات متعارضة بشأن المسؤولية عنه.
لكن الأهم بالنسبة إلى المستقبل الفلسطيني هو ألا تتحول المراجعة إلى مجرد تبادل للاتهامات، بل إلى محاولة لفهم القرارات والنتائج، ومعرفة ما الذي ينبغي تغييره في الفكر السياسي وأساليب العمل وإدارة الخلاف.
فالمراجعة الوطنية الجادة لا تعني التخلي عن الحقوق، وإنما تقييم الوسائل والسياسات على أساس نتائجها وقدرتها على حماية المجتمع وتحقيق الأهداف الوطنية.
منظمة التحرير ودورها في المبادرة
تضع المبادرة منظمة التحرير الفلسطينية في قلب عملية الحوار وإعادة البناء، وتدعو القيادة الفلسطينية واللجنة التنفيذية والقوى والفصائل إلى العمل من أجل إطلاق حوار يؤدي إلى برنامج مشترك وخارطة طريق قابلة للتنفيذ.
ويتطلب ذلك، بطبيعة الحال، نقاشًا فلسطينيًا واسعًا حول تطوير المنظمة ومؤسساتها وتمثيلها وعلاقتها بمختلف القوى والتيارات السياسية.
«رص الصفوف» و«توحيد الفكر».. ماذا يعنيان؟
لا ينبغي أن يعني توحيد الفكر إلغاء الاختلاف السياسي.
فالمجتمع الفلسطيني، كأي مجتمع، يضم اتجاهات وأفكارًا وبرامج مختلفة، والتعددية السياسية لا تتناقض في حد ذاتها مع الوحدة الوطنية.
المطلوب هو الاتفاق على مساحة وطنية مشتركة تحدد القواعد الكبرى للعمل السياسي، وتسمح في الوقت نفسه بالتنافس والاختلاف ضمن إطار المؤسسات والقانون والاحتكام إلى إرادة المواطنين.
الخلاصة:
قيمة مبادرة منيب المصري، من وجهة نظري، لا تكمن فقط في الدعوة إلى إنهاء الانقسام، فهذه دعوة سمعها الفلسطينيون مرارًا، وإنما في محاولة ربط الوحدة بحوار شامل، وتجديد المؤسسات، واحترام التعددية، ووضع جدول زمني وخارطة طريق قابلة للمتابعة.
أسئلة وأجوبة حول مبادرة منيب المصري
ما اسم مبادرة منيب المصري؟
تحمل المبادرة عنوان «إنهاء الانقسام ورص الصفوف وتوحيد الفكر: الأولوية الوطنية في اللحظة الفلسطينية الراهنة».
ما الهدف الأساسي للمبادرة؟
تهدف إلى الدفع نحو إنهاء الانقسام الفلسطيني، وتوحيد المؤسسات والرؤية الوطنية، وإطلاق حوار شامل يؤدي إلى برنامج سياسي وخارطة طريق قابلة للتنفيذ.
من الأطراف التي تدعو المبادرة إلى إشراكها في الحوار؟
تدعو إلى مشاركة الفصائل والقوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص والشباب والمرأة والشخصيات الوطنية المستقلة، ضمن حوار أوسع حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني.
ما علاقة المبادرة بالانتخابات الفلسطينية؟
ترى المبادرة أن الانتخابات يجب ألا تكون مجرد منافسة على المقاعد، بل وسيلة لتجديد الشرعيات والمؤسسات، مع الاتفاق مسبقًا على احترام النتائج والحريات والتعددية ووحدة المؤسسات والقرار الوطني.
هل تدعو المبادرة إلى إلغاء الاختلافات بين الفصائل؟
لا. النص المنشور للمبادرة يؤكد أن التعددية جزء طبيعي من الحياة الديمقراطية، وأن المطلوب هو الاتفاق على الثوابت والقواعد الوطنية الكبرى مع إبقاء الاختلافات السياسية ضمن إطار المؤسسات والديمقراطية.
ما المقصود بخارطة طريق محددة زمنيًا؟
المقصود الانتقال من الدعوات العامة إلى خطوات ذات جدول زمني تتناول إنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات، وتطوير منظمة التحرير، وصياغة برنامج سياسي مشترك للمرحلة المقبلة.
ما الدور المقترح لمنظمة التحرير الفلسطينية؟
تضع المبادرة المنظمة ضمن مركز عملية إعادة بناء التوافق الوطني، وتدعو إلى تعزيز دورها والعمل من خلالها على إطلاق الحوار وتطوير النظام السياسي الفلسطيني.
لماذا تطرح المبادرة البعد الدولي إلى جانب الوضع الداخلي؟
لأنها تدعو إلى تطوير الخطاب الفلسطيني دوليًا وربط الحقوق الوطنية الفلسطينية بقيم الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، بالتوازي مع بناء موقف داخلي أكثر تماسكًا.
الأولوية تبدأ من الداخل
إن مربط الفرس، كما بدأت، يبقى من الداخل.
«رص الصفوف» و«توحيد الفكر» لا يعنيان الوصول إلى نسخة سياسية واحدة، بل الوصول إلى قواعد وطنية مشتركة تسمح للفلسطينيين بالاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى انقسام في المؤسسات والجغرافيا والقرار.
وإذا استطاعت أي مبادرة وطنية أن تدفع بهذا الاتجاه، وأن تحول الحوار من بيانات ونوايا إلى مؤسسات وجدول عمل ومساءلة، فإنها تكون قد ساهمت في فتح مساحة يحتاج إليها الفلسطينيون بشدة في هذه المرحلة.
بقلم: بكر أبوبكر
تنويه تحريري: الآراء والتحليلات الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن الموقف التحريري لموقع نداء الوطن.