
أ.د. سمير مصطفى أبومدلله
جامعة الأزهر – غزة
عضو الأمانة العامة لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين
الخلاصة السريعة: لا تكفي إعادة بناء ما تهدّم في غزة إذا لم تترافق مع استعادة القدرة على الإنتاج وتوليد الدخل وخلق فرص العمل. فالتعافي الحقيقي يبدأ من عودة الاقتصاد إلى الحركة، لا من ترميم الحجر وحده.
لا تكمن خطورة تقرير «أونكتاد» الأخير الصادر في 24 سبتمبر/أيلول 2026 في حجم الخسائر التي تكبدها اقتصاد قطاع غزة فحسب، بل في حقيقة أكثر عمقًا وخطورة، وهي أن القطاع فقد جانبًا واسعًا من قدرته على الإنتاج وتوليد الدخل والاستمرار الاقتصادي.
فتضرر أو تدمير نحو 92% من المنشآت الاقتصادية، ووصول نصيب الفرد من الناتج إلى قرابة 212 دولارًا سنويًا، يعنيان أن الأزمة تجاوزت حدود الفقر والبطالة إلى مرحلة تآكل الأساس الاقتصادي الذي يمكن أن تقوم عليه أي عملية تعافٍ مستقبلية.
ومن هنا، فإن المغزى الأهم لا يتعلق فقط بحجم الدمار، بل بالسؤال المركزي الآتي: هل يكفي أن نعيد بناء ما تهدم، أم أن الأولوية يجب أن تكون لاستعادة الاقتصاد المنتج؟
إعادة الإعمار ليست وحدها التعافي
إعادة الإعمار، مهما بلغ حجم تمويلها، لن تحقق تعافيًا اقتصاديًا حقيقيًا إذا لم تُعِد الإنتاج والعمل إلى صدارة الأولويات. فالمطلوب ليس فقط إعادة بناء الطرق والمباني والمنشآت، وإنما بناء اقتصاد قادر على توفير فرص العمل والدخل وتقليل الاعتماد على المساعدات.
ولهذا، ينبغي ألا يُقاس نجاح الإعمار فقط بعدد الأبنية التي أُعيد تشييدها، بل أيضًا بمدى مساهمته في إعادة دوران عجلة الاقتصاد، ورفع القدرة الشرائية، وتحريك الأسواق، وتمكين الأسر من استعادة مصادر دخلها.
أين يجب أن تبدأ الأولويات الاقتصادية؟
الأولويات الاقتصادية في غزة يجب أن تبدأ من إعادة تشغيل ما تبقى من المنشآت، واستعادة النشاط الزراعي والصناعي، وتوفير الطاقة والمواد الخام والتمويل، مع إعطاء المنتجين والعمال المحليين دورًا أساسيًا في مشروعات الإعمار.
فكل دولار يُنفق ينبغي أن يُقاس، إلى جانب أثره الإغاثي والإنساني، بقدرته على خلق قيمة مضافة وفرص عمل داخل الاقتصاد الفلسطيني.
- إعادة تشغيل المنشآت الاقتصادية القابلة للعمل بأسرع وقت.
- تأهيل القطاع الزراعي واستعادة سلاسل الإمداد المحلية.
- تحفيز النشاط الصناعي وتوفير مستلزمات الإنتاج.
- ضمان وصول الطاقة والوقود والخدمات الأساسية للمشروعات.
- دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وربطها ببرامج التشغيل.
- إشراك العمالة المحلية في مشروعات الإعمار بدل الاقتصار على الطابع المقاولاتي المؤقت.
حرية الحركة والتجارة شرط مباشر للتعافي
الاستثمار وحده لا يكفي. فاستمرار القيود على حركة الأفراد والبضائع، وإدخال مستلزمات الإنتاج، والوصول إلى الأسواق، سيجعل أي تعافٍ اقتصادي محدودًا وهشًا. لذلك، فإن حرية الحركة والتجارة ليست مطلبًا سياسيًا منفصلًا عن الاقتصاد، بل شرط مباشر لعودة المصانع والمزارع والأسواق إلى العمل.
فالاقتصاد لا يعيش في الفراغ؛ بل يحتاج إلى بيئة تسمح بالتوريد والإنتاج والتسويق والتصدير والتواصل مع الأسواق. ومن دون ذلك، ستبقى أي عملية إنعاش جزئية ومهددة بالتراجع.
خطر التحول إلى اقتصاد مساعدات
في الوقت نفسه، لا يجوز أن تتحول إعادة الإعمار إلى اقتصاد قائم على المساعدات والعقود المؤقتة، تستفيد منه المشروعات المنفذة أكثر مما يستفيد منه المجتمع. المطلوب هو توجيه التمويل نحو بناء قدرات إنتاجية مستدامة، وربط الإعمار بالتشغيل والتدريب ونقل المعرفة.
وهذا يعني أن الإنفاق على الإعمار يجب أن يترك أثرًا طويل الأمد، لا أن ينتهي بانتهاء التمويل. فالمجتمع الذي يحصل على فرص عمل، وتدريب، ومصادر دخل، ومشروعات قادرة على الاستمرار، يكون أكثر قدرة على الصمود من مجتمع يعتمد فقط على الإغاثة المؤقتة.
الأزمة المالية الفلسطينية جزء من المعادلة
لا تنفصل هذه الأولويات عن ضرورة معالجة الأزمة المالية الفلسطينية. فاحتجاز الإيرادات والاقتطاعات الإسرائيلية يحدّان من قدرة الحكومة على تقديم الخدمات، ويضغطان على القطاع الخاص والجهاز المصرفي.
ومن ثم، فإن تحويل الإيرادات الفلسطينية المستحقة، وحماية النظام المصرفي، وضمان استمرار تمويل التجارة واستيراد السلع الأساسية، تمثل خطوات ضرورية لحماية ما تبقى من النشاط الاقتصادي ومنع تعميق الانكماش.
71.5 مليار دولار.. مسؤولية تتجاوز توفير الأموال
إن تقديرات أونكتاد لاحتياجات التعافي وإعادة الإعمار، البالغة 71.5 مليار دولار، تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية لا تتوقف عند توفير الأموال، بل تمتد إلى ضمان توجيهها نحو تعافٍ حقيقي ومستدام.
فالتحدي ليس في إعادة إعمار غزة بوصفها مساحة مدمرة فحسب، بل في استعادة اقتصادها بوصفه مصدرًا للعمل والدخل والاستقرار.
وفي هذا السياق، يبرز دور المنصات الإعلامية الوطنية، ومنها نداء الوطن، في طرح النقاش العام حول أولويات الإعمار، وكيفية تحويل التمويل الدولي إلى فرص حقيقية للتشغيل والإنتاج والتنمية.
أسئلة وأجوبة حول إعادة إعمار غزة واستعادة الاقتصاد
ما الفرق بين إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي؟
إعادة الإعمار تركز على إصلاح المباني والبنية التحتية والمنشآت، أما التعافي الاقتصادي فيرتبط بعودة الإنتاج والتشغيل والدخل والاستثمار وقدرة السوق على العمل بصورة مستدامة.
لماذا لا تكفي المساعدات وحدها لإنقاذ اقتصاد غزة؟
لأن المساعدات تخفف من الأزمة الإنسانية، لكنها لا تبني اقتصادًا قادرًا على الاستمرار ما لم ترتبط بتشغيل المنشآت ودعم الإنتاج وتوفير فرص العمل.
ما القطاعات التي يجب أن تحظى بالأولوية؟
الزراعة، والصناعة، والطاقة، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، إضافة إلى كل الأنشطة القادرة على خلق قيمة مضافة وفرص عمل محلية.
ما أهمية حرية الحركة والتجارة في التعافي؟
لأن المنشآت الاقتصادية لا تستطيع العمل دون مواد خام، وأسواق، وقدرة على النقل والتسويق، وبالتالي فإن الحركة والتجارة عنصران أساسيان لأي اقتصاد منتج.
ما دلالة رقم 71.5 مليار دولار؟
يعكس هذا الرقم الحجم الهائل لاحتياجات التعافي وإعادة الإعمار، لكنه يطرح أيضًا سؤالًا مهمًا حول كيفية توجيه هذه الموارد لضمان أثر اقتصادي مستدام.