إدوارد سعيد وبرنارد لويس.. سجال الاستشراق بين المعرفة والسلطة

ibraheem-abu-awaad نداء الوطن - إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

إدوارد سعيد وبرنارد لويس.. أكثر من خلاف أكاديمي لم يكن السجال بين المفكر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد والمستشرق البريطاني الأمريكي برنارد لويس مجرد اختلاف حول قراءة التاريخ، بل مواجهة فكرية حول سؤال أعمق: من يملك حق تعريف الشرق؟ وكيف يمكن أن تتحول المعرفة عن الآخر إلى سلطة عليه؟

بقلم : إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

كان الخلاف بين إدوارد سعيد (1935–2003) وبرنارد لويس (1916–2018) واحدًا من أبرز السجالات الفكرية التي طبعت الدراسات الحديثة عن الشرق الأوسط والاستشراق.

ولم يكن جوهر الخلاف متعلقًا بواقعة تاريخية يمكن إثباتها أو نفيها بوثيقة، بل بالطريقة التي تُنتج بها المعرفة عن الشرق، وبالموقع الذي يحتله الباحث حين يصف مجتمعًا آخر ويصنفه ويفسره.

ولهذا ظل اسم برنارد لويس حاضرًا بقوة في المشروع النقدي لإدوارد سعيد، خصوصًا منذ صدور كتابه الشهير «الاستشراق» عام 1978.

من أين بدأ الخلاف بين سعيد ولويس؟

مثّل برنارد لويس تقليدًا أكاديميًا واسعًا في دراسة الإسلام والشرق الأوسط واللغات والتاريخ العثماني.

وكان ينطلق من فكرة أن الباحث يستطيع، من خلال دراسة الوثائق والنصوص واللغات والتاريخ، الوصول إلى معرفة دقيقة بالمجتمعات التي يدرسها.

أما إدوارد سعيد فطرح سؤالًا مختلفًا: هل يمكن فصل المعرفة تمامًا عن علاقات القوة التي تُنتج داخلها؟

لم يكن اهتمام سعيد منصبًا فقط على دقة المعلومة، بل على الإطار الذي توضع داخله المعلومات، وعلى الطريقة التي يصبح بها الشرق موضوعًا دائمًا للتفسير من الخارج.

جوهر السؤال إذا كان الخلاف على تاريخ واقعة محددة، يمكن الرجوع إلى الوثائق. أما إذا كان الخلاف متعلقًا بكيفية بناء صورة كاملة عن شعب أو حضارة، فإن المسألة تصبح أعمق من مجرد تصحيح معلومة.

ماذا كان يقصد سعيد بالاستشراق؟

لم يتعامل سعيد مع «الشرق» باعتباره مجرد مساحة جغرافية محايدة. كان يرى أن مفهوم الشرق تشكل عبر تاريخ طويل من الكتابة والتصنيف والمقارنة والتمثيل.

وفي كثير من الكتابات الاستشراقية القديمة، ظهر الشرق بوصفه نقيضًا للغرب: عاطفيًا مقابل عقلاني، وتقليديًا مقابل حديث، ودينيًا مقابل علماني، وساكنًا مقابل متغير.

المشكلة بالنسبة إلى سعيد لم تكن أن كل مستشرق كتب بالطريقة نفسها، ولا أن كل الدراسات الغربية عن الشرق بلا قيمة.

بل كان اعتراضه على نمط أوسع يمنح الغرب موقع الذات التي تدرس وتفسر وتعرّف، بينما يصبح الشرق موضوعًا للدراسة والتوصيف.

كيف رد برنارد لويس على نقد سعيد؟

رفض لويس الصورة التي قدمها سعيد للاستشراق، ورأى أن نقده يخلط بصورة مبالغ فيها بين البحث الأكاديمي والسياسة الاستعمارية.

وبالنسبة إلى لويس، توجد تقاليد علمية حقيقية في دراسة اللغات والمخطوطات والوثائق والتاريخ الإسلامي، ولا يمكن إسقاط القيمة العلمية لهذه الدراسات لأن بعض القوى السياسية استخدمت المعرفة عن الشرق لأغراض استعمارية.

فليس كل من درس العربية جزءًا من مشروع استعماري، وليس كل كتاب غربي عن الإسلام دعاية سياسية، وليس كل باحث في الشرق أسيرًا بالضرورة لصورة نمطية.

المعرفة والسلطة.. نقطة الخلاف الأساسية

هنا ظهر الخلاف الحقيقي حول معنى الموضوعية نفسها.

كان سعيد يرى أن المعرفة لا تُنتج في فراغ. الباحث يختار موضوعه، والمؤسسة الأكاديمية تحدد ما تعتبره بحثًا مشروعًا، والجامعات والمؤسسات تمول مشاريع بعينها، والدول تستعين أحيانًا بخبرات الأكاديميين في صياغة سياساتها.

وهذا لا يعني، وفق هذا المنظور، أن كل معرفة زائفة أو أن كل باحث يعمل لمصلحة السلطة عن قصد.

لكنه يعني أن المعرفة يمكن أن تكون دقيقة من الناحية العلمية، وفي الوقت نفسه تعمل داخل سياق سياسي واجتماعي وتاريخي معين.

نقطة مركزية في مشروع سعيد السؤال ليس فقط: هل المعلومة صحيحة؟ بل أيضًا: من ينتجها؟ ومن يستخدمها؟ وفي أي سياق؟ وما الصورة العامة التي تسهم هذه المعرفة في بنائها عن المجتمع الذي تصفه؟

هل كان سعيد يرفض دراسة الغرب للشرق؟

لم يكن سعيد يدعو إلى منع الباحثين الغربيين من دراسة الشرق، ولم يعتبر دراسة العربية أو المخطوطات الإسلامية أو التاريخ الشرقي نشاطًا غير مشروع في ذاته.

وكان هو نفسه أستاذًا جامعيًا وناقدًا أدبيًا يعمل داخل المؤسسة الأكاديمية الغربية.

ما أراده هو أن يصبح الباحث أكثر وعيًا بموقعه، وأن يكون للأشخاص والمجتمعات التي يدرسها صوت في الطريقة التي تُروى بها قصصهم وتُفسر بها تجاربهم.

لويس وسؤال «تراجع» العالم الإسلامي

اهتم برنارد لويس في عدد من أعماله بسؤال أسباب تراجع المجتمعات الإسلامية مقارنة بصعود أوروبا، وناقش دور المؤسسات والسياسة والدين والمجتمع في المسار التاريخي للشرق الأوسط.

ورأى سعيد أن بعض هذه المقاربات يمكن أن تقود إلى مشكلة عندما تصبح أوروبا المعيار الضمني الوحيد للحداثة، ثم يُنظر إلى بقية المجتمعات باعتبارها متأخرة بقدر ابتعادها عن النموذج الأوروبي.

ومن هنا لم يكن الخلاف على مشروعية دراسة أسباب الاختلاف التاريخي، بل على الطريقة التي تتحول بها المقارنة أحيانًا إلى حكم ثقافي ثابت على مجتمع كامل.

اعتراض سعيد على التعميم

كان سعيد شديد التحفظ تجاه التعميمات التي تتحدث عن «العرب» أو «المسلمين» أو «الشرق» باعتبارهم كتلة واحدة.

فالتجربة الإيرانية ليست التجربة المصرية، والتاريخ العثماني لا يختصر التاريخ العربي، وشمال أفريقيا يختلف عن بلاد الشام والجزيرة العربية.

وكان سعيد يريد إعادة التفاصيل إلى الصورة، بحيث يُنظر إلى الإنسان باعتباره فردًا يعيش داخل مجتمع محدد، له طبقته ومهنته وتاريخه ومصالحه وصراعاته، لا مجرد تجسيد لما يسمى «العقل الشرقي».

فلسطين في قلب السجال

ازدادت حساسية الخلاف عندما انتقل من الدراسات الأكاديمية إلى السياسة المعاصرة، ولا سيما القضية الفلسطينية.

كانت فلسطين جزءًا أساسيًا من تجربة سعيد الفكرية والسياسية، وكان يرى أن صورة العربي والفلسطيني في الثقافة والإعلام والسياسة الغربية لا يمكن فصلها بسهولة عن تاريخ الصراع في المنطقة.

وبالنسبة إليه، فإن الطريقة التي يُعرَّف بها الفلسطيني تؤثر أيضًا في الطريقة التي تُناقش بها حقوقه وتاريخه وذاكرته.

فعندما يُختزل الفلسطيني في صورة أمنية مجردة، تختفي من النقاش أسئلة التاريخ والاقتلاع والحقوق والذاكرة.

أبرز اعتراضات سعيد على لويس

  1. رفض الفصل الكامل بين الدراسات الاستشراقية والسياق السياسي الذي تشكلت داخله.
  2. انتقد التعميمات الثقافية التي تتعامل مع العرب أو الإسلام كوحدات تفسيرية متجانسة.
  3. رفض جعل أوروبا معيارًا وحيدًا للحداثة والتقدم.
  4. اعترض على الفصل الحاد بين الثقافة والسياسة.
  5. ركز على مسألة التمثيل وكيف تتحول الصورة المتكررة عن الآخر إلى حقيقة تبدو بديهية مع مرور الوقت.

وما أبرز الاعتراضات على سعيد؟

في المقابل، رأى منتقدو سعيد أنه منح مسألة السلطة والخطاب وزنًا كبيرًا قد يقلل أحيانًا من أهمية المناهج التاريخية المتخصصة والدراسة الدقيقة للوثائق واللغات.

كما اعتبر لويس أن اختزال الدراسات الشرقية في إطار الاستعمار يتجاهل قرونًا من البحث اللغوي والتاريخي والأكاديمي الذي لا يمكن وصفه كله باعتباره أداة سياسية.

وهنا بقي الخلاف مفتوحًا: هل تكفي الدقة في الوثائق واللغة إذا كان الإطار العام يعيد إنتاج صورة نمطية عن مجتمع كامل؟

بين موقفين أصر لويس على أن معرفة اللغة والوثيقة والمؤسسة والواقعة هي أساس دراسة التاريخ، بينما شدد سعيد على أن الباحث يحتاج أيضًا إلى وعي باللغة التي يستخدمها، وبموقعه، وبعلاقات السلطة التي تعمل داخل إنتاج المعرفة.

لماذا ما زال هذا السجال مهمًا؟

أهمية الخلاف بين سعيد ولويس لا تكمن في ضرورة اختيار أحدهما وإلغاء الآخر.

بل في أن السجال يطرح سؤالًا لم يفقد أهميته: كيف نكتب عن شعب آخر دون أن نحوله إلى صورة نحتاج نحن إليها؟

فاللغة التي نصف بها الشعوب ليست محايدة دائمًا. كلمات مثل «متخلف» و«تقليدي» و«عنيف» و«غير عقلاني» يمكن أن تتحول، مع التكرار، من توصيف مؤقت إلى حكم ثابت يبدو كأنه حقيقة طبيعية لا تحتاج إلى إثبات.

ولم يطلب سعيد تصديق الشرق لمجرد أنه شرق، أو رفض الغرب لمجرد أنه غرب.

ما دعا إليه هو الشك في الصورة الجاهزة، وفحص اللغة التي نصنع بها الآخر، والسماح للتاريخ بأن يظل أكثر تعقيدًا من القوالب التي نحاول وضعه فيها.

بين الوثيقة والوعي باللغة

التاريخ يحتاج إلى الوثيقة، لكنه يحتاج كذلك إلى الوعي باللغة التي تُقرأ بها الوثيقة.

والبحث يحتاج إلى التخصص، لكنه يحتاج أيضًا إلى إدراك موقع الباحث والسياق الذي يعمل داخله.

وربما كان أهم ما بقي من مشروع سعيد هو أن معرفة الآخر لا تصبح أكثر إنسانية بمجرد جمع معلومات أكثر عنه، بل عندما نتخلى أيضًا عن الرغبة في اختزاله إلى صورة بسيطة يمكن فهمها والسيطرة عليها من نظرة واحدة.

وهذا هو السبب الذي يجعل سجاله مع برنارد لويس يتجاوز الرجلين إلى سؤال أوسع عن المعرفة والسلطة والتاريخ وحق الشعوب في تمثيل نفسها.

أسئلة وأجوبة

ما سبب الخلاف بين إدوارد سعيد وبرنارد لويس؟

تمحور الخلاف حول مفهوم الاستشراق وعلاقة المعرفة بالسلطة، ومدى قدرة الدراسات الغربية عن الشرق على العمل بصورة مستقلة عن السياقات السياسية والتاريخية.

هل كان إدوارد سعيد ضد دراسة الغرب للشرق؟

لا. اعتراضه لم يكن على دراسة الشرق في حد ذاتها، بل على الأنماط التي يمكن أن تحول المعرفة إلى تمثيل ثابت وغير متكافئ للمجتمعات المدروسة.

كيف رد برنارد لويس على سعيد؟

دافع لويس عن القيمة العلمية للدراسات الشرقية، ورأى أن سعيد يخلط بصورة واسعة بين البحث الأكاديمي والسياسة.

ما أشهر كتاب لإدوارد سعيد عن الاستشراق؟

كتاب «الاستشراق» الصادر عام 1978، وهو العمل الذي أصبح محورًا أساسيًا في النقاش العالمي حول دراسة الشرق وتمثيله.

ما علاقة القضية الفلسطينية بهذا السجال؟

رأى سعيد أن تمثيل الفلسطيني والعربي في الخطابات الأكاديمية والسياسية والإعلامية يرتبط بصورة مباشرة بالطريقة التي يُنظر بها إلى الحقوق والتاريخ والصراع.

هل حُسم الخلاف بين سعيد ولويس؟

لا. وما زالت أفكار الطرفين حاضرة في النقاشات المتعلقة بالاستشراق ودراسة الشرق الأوسط والموضوعية وعلاقة المعرفة بالسياسة.